أخبار عاجلة
الرئيسية | كلمة حق | عيد العلم ولكن أين العلم اليوم؟

عيد العلم ولكن أين العلم اليوم؟

أ د. عمار طالبي /

نحتفل كلّ عام بذكرى وفاة الإمام الشيخ عبد الحميد بن باديس -رحمه الله – ونشيد بالعلم وقيمته، وكيف كان ابن باديس يدعو إلى العلم، ويحثُّ عليه، ويجتهد في تعليمه، يبني المدارس، ويؤسس الجمعيات، ويلقي المحاضرات في النوادي، والمدارس والمساجد، ينبّه النّاس إلى أنّ النّهضة لا تقوم إلاّ بالعلم، والبحث، وتكوين العقول العلمية، التي تقاوم الخرافة، والتواكل، والاندماج في قوالب الثقافة الغربية، دون وعي، محافظة على الذاتية والهوية، ولا يقتصر العلم عنده على العلم الشرعي، من فقه وما إليه من أصول، وعلوم القرآن والحديث.
وإنمّا يقصد بالعلم أيضا العلوم العصرية من رياضيات، وفيزياء، وعلوم الأحياء، وغيرها.
ونحن قد أخذنا زمام التعليم بأيدينا، وبنينا المدارس، والجامعات، ومراكز البحوث بما في ذلك الطاقة النووية، وأسسنا أكاديمية العلوم، ومضى وقت كافٍ لإنتاج العلم والعلماء، والوصول إلى الاختراع، والاكتشاف، وتجديد حياتنا العلمية، والثقافية؛ لأنّ العلم والبحث العلمي هما قاطرة التقدم، والخلاص من التّخلف الذي ران على مجتمعنا أيما ريْن، ورغم كلّ الجهود المبذولة المتكررة، لابد أن نطرح سؤالا، أين وصلنا، وما هي النتائج التي حصدناها من هذا الحرث والزرع؟.
لا بد من وقفة وتساؤل ومراجعة أنفسنا ومناهجنا في التكوين، تكوين العقول المفكرة.
فتح وزير التعليم العالي السابق الطاهر حجار باب أكاديمية العلوم، فلم نعد نسمع عنها شيئا، وعن برامجها، وسياستها العلمية، على المدى القصير، والوسط، والأقصى، ولا عن القضايا التي تعطيها الأولوية في وطننا، كي لا نبقى مرهونين بالنفط والغاز، وهو ريع وهبه الله لأرضنا، يشاركنا فيه غيرنا، بل إنّ هذا الريع لم نستطع أن نستثمره خارج موارده، لأننا نعلم أنه لا يدوم، ولا يجدد إلاّ بعد دهور متطاولة؛ إذا أمكن ذلك.
رضينا بالعيش به وتعطلت جهود النّاس عن السعي والعمل، وكانت سياستنا، وما تزال، تحمل شعاراً أنها ستعطي الحقوق لكلّ أحد، وأنها ستبني المساكن، والطرقات، والمدارس، فما على النّاس إلاّ أن ينتظروا تسلم هذه الحقوق، ونسيت سياستنا ومناهجنا في التعليم، والاقتصاد، والثقافة، والتخطيط حمل شعار القيام بالواجب؛ لأنّه إذا لم نقم بواجبنا -أي بالإنتاج – فمن أين تأتي الحقوق؟ وهي الاستهلاك، هذا ما كان ينادي به مالك بن نبي حتى بحّ صوته، وكاد يأخذه اليأس من سياستنا التي يسميها «البوليتيك»، لابد أن نعترف بأن مناهجنا وسياستنا قد أفلست، ولم تحقق أهدافنا التي كنا ننتظرها، بما توفر لنا من ثروة، وإمكان مادي وبشري، وعقول، فجاء الفساد وطم على البلاد والعباد، وذهبت الثروة بددا، وأخذ شبابنا يهاجر وينتحر في البحار، أو يلحق بالجماعات الجهادية العمياء، وإن ظنت أنها تقاتل في سبيل الله ودفع المظالم والاستبداد الداخلي والخارجي، دون بصيرة، ولا علم، ولا منهج سديد، سوى التفجير، وسفك الدماء بلا غاية مرسومة تتحقق، ولا وضوح في الرؤية بها تصل إلى غايتها، في دفع الظلم بطريقة، وسبل هذا الدفع المشروعة إذ لو دفع الله النّاس بعضهم ببعض لفسدت الأرض، وسقطت الحضارة، وهلك النّاس، وما أهلك الأمة الإسلامية، وانهارت حضارتها إلاّ بفساد السياسة، وانقسامها، وتشتت وحدتها، وقيام بعضهم بقتال بعض، والاستعانة بالأعداء على إخوانهم لينصروهم، وما حدث في الأندلس، ويحدث اليوم أمامنا إلاّ هذا الإرث السيئ، والتصرف الأعمى في الصراع على السلطة الموهوبة التي تنتهي إلى انهيار الجميع.
أما آن لنا أن نُجدّد مناهجنا في العلم وفي العمل؟ وتتجه عقول الباحثين في الجامعات، ومراكز البحوث إلى البحث الجدّي، وتوجيه عقول طلابنا إلى استعمال عقولهم في تحقيق من العلم ما يجعلنا ننهض، ونفتح بابا من العلم يدخلنا في الحضارة التي غابت عنا شمسها وإشراقها، ودخلنا في ظلمات التخلف، ولا شك في قدرة شبابنا على ذلك، إذا صحت العزائم.

  • نائب رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين

عن المحرر

شاهد أيضاً

هل أمريكا آيلة إلى الانقسام؟

أ د. عمار طالبي/ يبدو من تصرف الرئيس الأمريكي من التشكيك في الانتخابات، إذا طرأ …