أخبار عاجلة
الرئيسية | قضايا و آراء | الجزائر تفقد جزءا من ثروتها الثقافية الوطنية!

الجزائر تفقد جزءا من ثروتها الثقافية الوطنية!

أ. الطيب برغوث

يقول الأستاذ مالك بن نبي رحمه الله بأن: «غنى المجتمع لا يقاس بكمية ما يملك من أشياء، بل بمقدار ما فيه من أفكار»، لأن الأفكار السننيةالصحيحة،هي الثروة الحقيقية لأي فرد أو مجتمع، وهي المشترك المجتمعي المشاع الذي يختزن روح المجتمع وقوته الحقيقية»
تذكرت هذه المقولة المهمة وأنا أتلقى خبر وفاة البروفيسور سعيد عيادي رحمه الله، أستاذ علم اجتماع المعرفة بجامعة البليدة، الذي وافته المنية يوم 5 أبريل 2020 ، حاملا معه ثروة معرفية غنية متنوعة، وتاركا وراءه فراغا كبيرا ليس في مجال اختصاصه الأكاديمي البحت فحسب، بل وفي الساحة المعرفية الثقافية الوطنية الواسعة، التي كانت تمتد إليها اهتماماته المعرفية والثقافية العامة، وتتراكم فيها يوما بعد يوم.
لقد رحل عنا هذا المثقف الأصيل في عز مراحل القدرة على العطاء والإفادة، بعد أن تجمعت لديه روافد معرفية وخبراتية كثيرة متنوعة، يصعب توفرها لغيره، اكتسبها من مجاهدات معرفية وتربوية وثقافية مضنية، جعلت الكثير ممن يتحدثون عنه يصفونه بالموسوعي، ولذلك فإني أعزي نفسي وأعزي أهله وتلامذته وأصدقاءه، وأعزي الساحة الثقافية الوطنية فيه.
وأنا حزين بفقد الساحة المعرفية والثقافية الوطنية لهذا الرجل العالم المثابر المتواضع البسيط، المغروس الجذور والروح والطموح في أغوار الأصالة الجزائرية المتينة، والمجدِّ في خدمة هذه الأصالة المستنيرة، والمنافح عنها، والمحيِّن لها، والحريص على تمثُّلها في حياته، والعامل على تبليغ جواهرها وإشعاعاتها للأجيال، في كل الساحات المعرفية والثقافية والإعلامية والاجتماعية التي تحرك فيها.
إنّ الساحة المعرفية التي تمركز وتحرك فيها البروفيسور سعيد عيادي، وحرص على السيطرة المعرفية على معطياتها الواسعة المتداخلة، ساحة نوعية مهمة جدا في جبهة المدافعة الثقافية والاجتماعية والحضارية عامة، وهي ساحة السوسيولوجيا المعرفية أو الثقافية، لأنها ساحة تتصل بالمصب الرئيس للحركية المجتمعية، بل وبالحلقة أو الدائرة أو المضغة الأكثر أهمية وقوة فيها، وهي دائرة السوسيولوجيا الثقافية، التي تحتفظ لنا بالكثير من الخمائر والجينات والسمات النفسية للمجتمع الجزائري، التي لا ينفذ إليها إلا غواصون بصراء مصابرون ومثابرون، لأنها لا توجد على سطوح الحركية الاجتماعية الظاهرة، بل ترسو في الطبقات الأعمق من هذه الحركية التي تشتغل عليها السوسيولوجيا المعرفية الثقافية السننية، وتنقب عنها في أعماق السوسيولوجيا التاريخية للمجتمع.
فالسمات والخصائص والطبائع والموروثات النفسية أو السيكولوجية العميقة للمجتمعات، توجد في أغوار السوسيولوجيا المعرفية والثقافية والتاريخية للمجتمع، ويحتاج المجتمع للاستفادة منها في تحقيق التواصل النفسي والثقافي في مسيرته، وتلافي القطائع والانحرافات الخطيرة فيها، إلى علماء رساليين أصلاء يفتحون قنوات وجسور التواصل والتفاعل والعبور نحو جوهر هذه السيكولوجية أو النفسية الخصوصية للمجتمع وضخ ما فيها من جوهر سنني في شرايين الواقع القائم للمجتمع.
والبروفيسور سعيد عيادي من النخبة الوطنية الأصيلة التي حضيت بالمرابطة في هذه الساحة الحيوية، والاشتغال فيها، ولذلك فقد خسرنا بوفاته رجلا اكتملت عنده الكثير من شروط و مؤهلات الغوص في أعماق السوسيولوجيا التاريخية للمجتمع الجزائري، والتنقيب عن خصوصياتها وثوابتها وزبدتها، والضخ بها في الشرايين المعرفية والثقافية للمجتمع الجزائري، تحقيقا للتواصل المطلوب بين الأجيال، وترصيصا للفجوات التي أحدثتها وتحدثها حركة المدافعة الثقافية والاجتماعية والحضارية المفروضة عليه.
ولما كان الموت حقا علينا جميعا، فإنه لا يسعنا إلا أن نقول (إنا لله وإنا إليه راجعون)، وأن لله ما أعطى ولله ما أخذ. فاللهم تغمده برحمتك الواسعة، وأسكنه فردوسك الأعلى من الجنة، ولا تحرمنا اللهم أجره ولا تفتنا بعده، واخلفنا من هو مثله أو خيرا منه ليواصل المرابطة في هذه الجبهة الحيوية المهمة من جبهات المدافعة والمداولة الثقافية والاجتماعية والحضارية.

عن المحرر

شاهد أيضاً

سورة العهد الأسبوعي…(1) واصبر نفسك

مداني حديبي / سورة الكهف سماها شيوخ العلم بسورة العهد الأسبوعي لأنك تعاهد الله على …