الرئيسية | قضايا و آراء | كورونا… وفوضى التأويلات

كورونا… وفوضى التأويلات

أ. عبد القادر قلاتي /

كلّ ما يساق هذه الأيام عبر وسائل الإعلام من تأويلات علمية وسياسية ودينية -على كثرتها – حول هذا الوباء، لم تتمكن من الوصول بنا إلى حقيقة نهائية نرتاح إليها، ونطمئن لها، وخصوصا العلمية منها، فكلّ هذه التأويلات تأتي في سياق لحظة تاريخية فارقة في عمر البشرية، تعطي جملة من الاحتمالات، لكنّها لا تركن إلى حقيقة مطلقة تجعلنا نوجه إليها بوصلة النّظر، ونحن ننتظر الفرج القريب الذي يبشرنا به صناع القرار بمصيرنا الوجودي، فبين الطفرة الهائلة في توسع دائرة العلم (وفق النظرة الابستمولوجية الغربية التدميرية المسيطرة على مفاصل انتشاره)، وبين نظرية الصراع والصدام الحضاري القائمة على منطق التفوق والقوة، والتي تفسرها لغة المؤامرة والخطابات الخفية، تتحرك هذه التأويلات ضمن دائرة الخبر والخبر المضاد، في إطار سياسات إعلامية تهويلية وتهيجية بحتة تفضحها فلسفة الإعلام الفاقدة للعقلانية والقائمة على لغة الانتشار وتوسيع دائرة الخبر/الفعل دون النّظر للعواقب التي يبتلى بها الإنسان عندما لا يملك حلولاً ناجعة لواقع جديد، يفرض منطقه ويلغي مطلقيّة العلم في تفسير كلّ الظواهر المستجدة في حياتنا، وهو ما أربك -حقيقة – التعالي الغربي في فرض مركزية القرار العلمي والمعرفي منذ أفول نجم الحضارة الإسلامية، وبزوغ شمس الحضارة الغربية النّاسخة لحضارتنا والقائمة على مجهودها العلمي.

لذا نقول أنّنا نعيش فوضى من التأويلات المتقاربة أحياناً، والمتضاربة في أحيان كثيرة، حتى تحوّلنا معها إلى حالة من فقدان التوازن النّفسي والشعوري بما يدار حولنا من كثافة للمعلومات التي ينسخ بعضها بعضا، وكأننا أصبحنا جزءاً من سيناريو فيلم سنيمائي نعيش فيه لحظتين متباينتين، لحظة تجعل لنا أدواراً في هذا السيناريو الكبير، وأخرى تجعنا مشاهدين مشدوهين لهذا العمل السينمائي الجبار، نتابع تفاصيل أحداثه ونرسم بدواخلنا شكل النّهاية التي نريدها مفرحة، وإن كانت الصور الأخرى المحزنة، تحاول مزاحمة ما اتفقنا على رسمه من نهاية لهذا العرض السينمائي الخاص.

إنّ الوصول إلى القول الفصل في حقيقة هذا الوباء، لا يمكن أن يمر عبر هذه التأويلات المتهافتة والتي يزاحم بعضها بعضا، وإنّما يمر عبر معابر يصنعها منطق الرشد بعيداً عن الغيّ الامبريالي الغربي وتعنته في فرض سلطة التحكم في هذا العالم ومصيره، وببساطة أكثر لا يمكن ذلك إلاّ بتعاون الإنسان مع أخيه الإنسان، في ظلّ تجاوز حقيقي للايدلوجيات المتباينة بين البشر، وإفساح المجال للأديان والأفكار الإنسانية بالمشاركة في وضع خطة لنّظام دوليّ إنساني متسامح جديد، يدفع العالم كلّه لإعادة النّظر في مفهوم العلم والسياسة، والتعاون الحقيقي المشترك بين البشر.

عن المحرر

شاهد أيضاً

سورة العهد الأسبوعي…(1) واصبر نفسك

مداني حديبي / سورة الكهف سماها شيوخ العلم بسورة العهد الأسبوعي لأنك تعاهد الله على …