الرئيسية | وراء الأحداث | دروس البلاء !

دروس البلاء !

أ. عبد الحميد عبدوس

مازالت اخبار فيروس كورونا المستجد ( كوفيد 19) تسيطر على اهتمام العالم. فقد شاءت قدرة الله القوي العزيز أن يسلط على الإنسان الذي طغى وتجبر في الأرض، أحد أصغر مخلوقاته إذ يعتبر فيروس كورونا الفتاك أصغر بخمسة مليون مرة من حجم الإنسان {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ  وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَىٰ لِلْبَشَرِ} (المدثر31).

ومن مفارقات انتشار هذا الوباء في العالم ،أنه في الوقت الذي بدأت فيه الحياة تعود إلى طبيعتها في مدينة “ووهان” الصينية التي كانت موطن اكتشاف الفيروس كورونا المستجد، في أواخر سنة  2019 ، أصبحت العديد من المدن الأمريكية الكبرى تخضع لمزيد من الإغلاق والشلل والرعب.

استخفاف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بخطورة فيروس كورونا كان سببا رئيسا في انتشار الوباء في الولايات المتحدة، حيث انتقد بعض الديمقراطيين الأمريكيين  الاستجابة “المحدودة للغاية والمتأخرة للغاية” لإدارة ترامب وافتقارها إلى خطة واضحة للتعامل مع انتشار الفيروس، وبعد أكثر من شهر على اكتشاف فيروس كورونا في 22 جانفي 2020 في مدينة سياتل  الأمريكية  ظل الرئيس ترامب يسمي فيروس  كورونا “الفيروس الصيني “، و صرح في 25 فيفري2020 أن وباء كورونا “تحت السيطرة” واتهم الديمقراطيين وبعض وسائل الإعلام بإثارة “الهلع” بشأن فيروس كورونا المستجد والتأثير سلبا على الأسواق، أما وزير الخارجية  مايك بومبيو فقد كان يسمي فيروس كورونا “فيروس ووهان”.

لقد تعاملت الصين مع فيروس كورونا ” كوفيد 19″ كقضية أمن قومي وخطر وجودي، بينما تعامل معه الرئيس الأمريكي كرهان انتخابي، ومن هنا تلوح في الأفق مؤشرات مبشرة على قدرة الصين في السيطرة على الوباء والانتصار على تحدي فيروس كورونا الذي أصبح كابوسا عالميا ،خصوصا في الولايات المتحدة الأمريكية أكبر قوى عالمية التي فاق فيها رقم ضحايا كل الهجمات والكوارث التي ضربت الولايات المتحدة الأمريكية في القرن الحادي والعشرين الميلادي. فقد وصل عدد ضحايا هجومات11 من سبتمبر 2001 التي ضربت برجي مركز التجارة الدولية ومقر وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) 2973 قتيلا و24 مفقودا، كما وصل عدد ضحايا إعصار كاترينا في عام 2005،أكثر الأعاصير تدميرا في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية، حوالي 1833 قتيل، ومجموع ضحايا هاتين الفاجعتين هو 4806( + و24 مفقودا) وهو اقل من عدد ضحايا فيروس كورونا في الولايات المتحدة الذي وصل في مطلع شهر أفريل الجاري أكثر من 6000

فهل اخذت إدارة دونالد ترامب على حين غرة من طرف وباء فيروس كورونا، أم أنها تهاونت في التعامل معه.

في 25 جانفي 2020 نشرت صحيفة ( ديلى ميل) البريطانية تقريرا لعلماء في مركز جونز هوبكنز للأمن الصحي تنبأوا قبل ثلاثة أشهر من اكتشاف الداء في الصين بأن يقتل فيروس كورونا عشرات الملايين من البشر قد يصل عددهم 65 مليون شخص في العالم خلال 18 شهرًا من ظهوره، كما كشفت صحيفة (واشنطن بوست) الأمريكية ، أن وكالات الاستخبارات الأمريكية، حذرت الرئيس، دونالد ترامب، في جانفي الماضي، من حجم وقوة انتشار فيروس كورونا الجديد.

الارتباك الذي وقعت فيه إدارة الرئيس دونالد ترامب بسبب قوة انتشار فيروس كورونا وحصده المتسارع لأرواح آلاف الأمريكيين ،جعلها تحاول صرف الأنظار عن ورطتها الصحية والسياسية بإلقاء اللائمة على الصين من خلال اتهامها بتقديم أرقام مضللة عن حقيقة الإصابات بفيروس كورونا فيها. ،ورغم الموقف العدائي الأمريكي تجاه الصين، لم تبخل الحكومة الصينين بإرسال أطنان من المساعدات الطبية  إلى الولايات المتحدة لمواجهة وباء فيروس كورونا المستجد، ولم تقتصر المساعدات الطبية الصينية على الولايات المتحدة الأمريكية، بل شملت الكثير من دول العالم، وقد تسببت هذه المساعدات في انزعاج الأوروبيين الذين راحوا يشككون في نيات الحكومة الصينية واهدافها من وراء تلك المساعدات.

المساعدات الصينية التي قدمتها الصين للجزائر في إطار العلاقات الممتازة وحسن التعاون بين البلدين ،أثارت غيظ فرنسا وأبواقها الإعلامية، حيث تعمد الإعلامي الفرنسي فرانسيس غيلاس، وهو يهودي من الأقدام السوداء الإساءة إلى طبيعة التبرعات الصينية من خلال إدلائه لقناة فرانس 24 (France 24)العمومية الفرنسية  بسيل من الاتهامات والاكاذيب ،ولم تتأخر الخارجية الجزائرية عن استدعاء السفير الفرنسي في الجزائر وتبليغه الاحتجاج الرسمي الشديد  للدولة الجزائرية بما أسماه وزير الخارجية الجزائري: “التصريحات الكاذبة والبغيضة، وكذا القذف ضد الجزائر، التي تم الإدلاء بها مؤخرا في أحد البرامج التابعة لقناة تلفزيونية عمومية فرنسية”. وكذا تكليف سفارة الجزائر في باريس برفع دعوى قضائية ضد القناة وصاحب التصريحات المضللة عن الجزائر. كما

كما عبر سفير الصين في الجزائر عن رفضه التام لتصريحات المدعو فرانسيس غيلاس بخصوص العلاقات الصينية الجزائرية إن كل المؤامرات لتسكين المساعدات الصينية وتقويض التعاون بين الصين والجزائر من خلال بث الخلاف بين البلدين محكوم عليها بالفشل.

هذه الخطوة التي أقدمت عليها السلطات الجزائرية تجاه فرنسا تدل على بداية اعتماد سلوك رسمي جديد لإنهاء عهد الانبطاح أمام فرنسا التي تعودت على معاملة الدولة الجزائرية كتابع مأمور وليس كدولة مستقلة وسيدة في قرارها.

ولعل من الأراجيف الصفيقة والسخيفة التي يتم نشرها من طرف مواقع إعلامية تبث من فرنسا بشكل أساسي أن الجزائر تعمدت إفساح المجال لفيروس كورونا المستجد ( كوفيد 19) بالانتشار في الجزائر حتى يكون مبررا للسلطات بحظر تظاهرات الحراك الشعبي.

من الممكن أن يكون هناك بعض التخبط أو التأخر من طرف السلطات الجزائرية في اعتماد الوسائل الناجعة في التعامل مع فيروس كورونا المستجد ، وقد  يكون هناك عدم وضوح في مقاييس إجراءات فرض الحجر الصحي على مختلف ولايات الوطن ،ولكن المجهودات المبذولة من طرف السلطات الجزائرية للخروج من محنة وباء فيروس كورونا ومواجهة الضغوط والإكراهات التي يفرضها في هذا الظرف لا ينكرها إلا مكابرجاحد أو عدو حاقد .

عن المحرر

شاهد أيضاً

إلى متى ستظل فرنسا تكيل بمكيالين ؟

أ. عبد الحميد عبدوس/ هستيريا سياسية استبدت بالطبقة السياسية في فرنسا التي توافقت على استلال …