الرئيسية | على بصيرة | العرب في زمن “الكورونا” / أمل ورجاء في المصالحة والإخاء

العرب في زمن “الكورونا” / أمل ورجاء في المصالحة والإخاء

أ.د. عبد الرزاق قسوم

 

هل أتى على الإنسان العربي، زمن، هو فيه أكثر نكالا ووبالا مما يعانيه اليوم؟

لحاه الله من زمن، أبان عن كلّ مخازينا وسيئاتنا، وكشف عن كلّ عيوبنا وعوراتنا.

فكفى بنا عقاباً وعذاباً، أن تغلق مساجدنا، فلا جمعة، ولا جماعة تؤدى فيها، وكفى بأكبادنا حرقة وفرقة، أن توصد أبواب مدارسنا، فلا أطفال تلعب في ساحاتها، ولا أجراس ترن في جنباتها..

وهل هناك داء أخطر من دائنا الصحي والنّفسي، الذي يسوقنا إلى المستشفيات بالمئات، ويحكم علينا بالحجر كالجرذان في الإقامات والسكنات؟

وأن من أكبر النوازل أن توصد أبواب المسجد الأقصى في وجوه المقدسيين، وأن تُخلى ساحات الحرمين الشريفين من المصلين والمعتمرين.

ألا تكون هذه المؤشرات نذيرا لنا بضرورة العودة إلى الذات، وللقيام ببعض الإصلاحات، والاستعداد الأفضل لما هو آت؟

إنّ الحقيقة المرّة الصادمة لكلّ ذي عقل وكلّ ذي عين، أنّ الوطن العربي يعيش اليوم أسوأ مرحلة في تاريخه. فإضافة إلى أزمة الغذاء والدواء، ومحنة الوباء والبلاء، هناك أيضا أزمة العداوة والبغضاء، والسجن والإقصاء، والغزو والإنهاء، والعمالة والولاء.

ألم يأن –والحالة هذه- للعرب حكاماً وشعوباً أن يعودوا إلى رشدهم، فيصلحوا ذات بينهم، وينشروا بينهم المحبة والرحمة، ويعززوا أواصر الأخوة واللُّحمة، آن الأوان أن يعلو الجميع على الضغائن والأحقاد، وأن يتصالحوا مع المخالفين في كل البلاد، ومع كل العباد.

إنّه لمن العار حقاً، أن يقتل اليمني أخاه، كيفما كان مذهبه ومبتغاه، وأن يستعين على تحطيم بلاده، بالاستقواء على ذلك بكلّ من جاراه ووالاه.

وإنّ من علامات قيام الساعة، أن يجنّد الليبي جيشاً، ليقتلع الأوتاد، ويزرع في بلاده الدمار والفساد.

وإنّه يحق للمواطن العربي، ولكلّ عاقل في الأرض أن يتساءل: ما جدوى حرب الدمار السورية، التي رمّلت الأيامى، ويتّمت اليتامى، وهجّرت العزل من بلد الأجداد التي شيمتها الورود الفيحاء والخزامى؟

ويسألونك عن مصر والسودان والعراق، وما يحدث فيها، من منع للأرزاق، وقطع للأعناق، وزرع للشقاق، والاعتداء على الأعراف والأعراق، والوصول بها إلى الحد الذي لا يطاق. فقل إنّه التنافس على الكراسي، والاستبداد السياسي، والتشبث بالمنصب الرئاسي، مما ينتج عن ذلك من الكوارث والمآسي.

إنهّا نوازل يشيب لهولها الولدان، وتقشعر لبشاعتها الأبدان، وتتحطم لتماديها الأوطان.

فيا ليت قومي يعلمون! ومن غفلتهم ينهضون، وعن غيهم الذي هم فيه يعمهون، يمسكون!

فيا حكام أمتنا، ويا علماء ملتنا، ويا أحزاب فئاتنا، تعالوا إلى كلمة سواء بيننا، وبين أمتنا: أن ننبذ وراءنا ظهرياً كلّ الخلافات، ونتعالى عما كان سبباً لشن الحروب والنزاعات، فنقدم على التصالح مع الذات.

وإنّ الخطوة الأولى في طريق التصالح، تبدأ بالتصالح، والتسامح، والتصارح، فنضع حدا لقعقعة السلاح، ونفتح أبواب السجون أمام سجناء الرأي، من العلماء، والعقلاء، ودعاة الأفكار الصحاح.

إنّ الحاجة باتت ماسة، في زمن وباء الكورونا، التي تحصد الأرواح كلّ يوم، وتحيل المرضى إلى أشباح، أن يدعو الجميع إلى لقاء جامع، لا يقصي أحداً، حول طاولة تطبعها الصراحة، وتهيمن عليها الأخوة والسماحة، فننزع كلّ الألغام، ونتسامى عن روح القمع والانتقام، فنتقدم جماعيا إلى الأمام متماسكين متضامنين في ظلّ الأخوة والوئام، لنصنع وطنا ينعم بالأمن والسلام.

إنّ وباء كورونا الفتاك، وباء لا يبقي ولا يذر، وإنّ الحروب بين الأشقاء، هي ألدّ أعداء البشر، فلنهزم بعزمنا، وحزمنا، خطورة الوباء، والعداء، ولنبن مجتمع التنوع، والتميز، في ظلّ التسامح والإخاء، فليس كالمجتمع الموحد المتناغم والمتفاهم، أفضل وسيلة للنّهوض من الكبوة، واستعادة العزة والنخوة.

فيا أبناء أمة الضاد! إن لم يوحد بيننا الإسلام، وهو دين الوحدة والتوحيد بامتياز.

وإن لم تجمعنا العروبة بعراقتها وأصالتها، وعي حضارة الإنسان والإنسانية بكلّ فخر واعتزاز.

فلتوحد بيننا، التحديات العدوانية، التي لا تفرق فينا بين الصقر والباز.

وليجمعنا وباء كورونا الفتاك، الذي لا يميّز فينا بين الحقير والممتاز، ولا بين المدينة والأحواز.

إنّنا، من واجب النّصح والتذكير، ندعو من عمق المعاناة، كلّ ذي ضمير حيّ، وكلّ قلب ينبض بالسعي، أن يبذل الجميع كلّ جهد، لتغيير ما نحن فيه، إلى أحسن ممّا نعانيه.

اللهم إنّني قد بلغت، اللهم فاشهد، وما أنا عليكم بوكيل.

عن المحرر

شاهد أيضاً

أحسنوا الإصغاء لدرس الشعب في الاستفتاء

أ.د. عبد الرزاق قسوم رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين/ سما شعبنا الجزائري، بفطرته، وفطنته، إلى …