الرئيسية | أقلام القراء | حول أهميّة وحساسية الكتابة للطفل /بقلم: د. إبراهيم نويري ــ باحث أكاديمي

حول أهميّة وحساسية الكتابة للطفل /بقلم: د. إبراهيم نويري ــ باحث أكاديمي

مما لا ريب فيه أن الكتابة للأطفال واليافعين والمراهقين في جلّ أقطار الوطن العربي أخذت تنداح وتزداد اتساعاً سنة بعد أخرى، أو شهراً بعد شهر، بل يوماً بعد يوم … مما يشي بحقٍّ أن هناك وعياً لدى المربين والأدباء والكُتّاب العرب بإزاء أهميّة وخطورة وحساسية الكتابة في هذا الحقل المعرفي/ التربوي، أو لنقل بكلمة أكثر وضوحاً: إن مبعث هذا الموقف وهذا الوعي يكمن في الشعور بالتخوّف على هُويّة النشء في مجتمعاتنا العربية المسلمة، لاسيما خلال هذه المرحلة التاريخية التي تتسم بالانفتاح الكبير وشدّة التقارب والتنافذ بين الثقافات والأفكار والأنماط الاجتماعية الحياتية والاتجاهات والمنازع المختلفة، فكان من الطبيعي أن يُثار سؤال الخصوصية الثقافية وما يقتضيه ذلكم السؤال المركزي من تفكير في الوسائل والمناهج والمهارات التي من شأنها على أقلّ تقدير المساهمةُ في عملية تعزيز الذات والمحافظة على الخصوصية بمنأى عن دوافع التعصّب والجمود والانغلاق، أو كراهية الآخر الذي يحمل طابع المغايرة الثقافية والحضارية.

ولاشكّ عندي أن هذه المسألة الحيوية ينبغي أن تأخذ حقها الكامل من العناية والاهتمام والرعاية، وأن تحظى بمزيدِ تفكير وتنظير على كلّ المستويات، لاسيما على مستوى أدب الأطفال واليافعين، باعتبار أن الناشئة هي الفئة التي سوف تجدُ نفسها بحاجة ماسة لفهم طبيعة العصر الذي تعيشُ فيه، وما يفرضه ذلك من إعدادٍ وتأهيلٍ فكري وثقافي يمكّنُ الجيل الجديد من أبنائنا وبناتنا، من التعامل الصحيح مع العصر الذي قد يحمّلهم من المطالب والمقتضيات ما لا نستشعره نحن الآن أو نفكر فيه خلال هذه المرحلة من تاريخنا.

إن الكتابة للأطفال واليافعين في أوطاننا ومرابعنا العربية وعالمنا الإسلامي الكبير ينبغي أن تنمو وتتطور بشكلٍ أو وتيرةٍ مُمنهجةٍ وفاعلةٍ يمكّنها بحقٍّ من الاستجابة السليمة الواعية المستبصرة، لتبنّي ومعالجةِ اهتماماتِ الطفل معالجةً شاملة عميقة، والإجابة على جميع تساؤلاته ورغائبه وخيالاته وتطلعاته بأسلوبٍ مطابق للعلمية، أو متّسق مع ثوابت وحقائق العلم ومناهج التربية والتأهيل، إذْ لا مكان مطلقاً ــ في هذا المنهج ــ  للتعامل مع أفكار أو معارف من شأنها ترسيخ الخرافات والأساطير والأوهام في ذهن ووجدان الناشئة .. ولنا أن نقرّر هنا في اطمئنانٍ تام بأن أيَّ كاتب أو ناشر يسعى لترويج ونشر هذا اللون من المعرفة ــ أي اللون الخرافي ــ فهو غاشٌّ للأمة ودينها وقيمها ومواريثها الثقافية والحضارية، خاصة إذا استحضرنا في وعينا البونَ الشاسعَ بين المستوى الذي عليه أمتنا في هذه المرحلة من تاريخها، وبين الآفاق التي بلغها العالم من حولنا.

أعرف سلفا بأن هذا الأمر قد يفضي بنا، أو قل يُحيلنا للحديث عن مساحة الحرية المـتاحة للكلمة والإبداع الفكري في أقطارنا العربية، بيد أن هذا الأمر موغلٌ في النسبية، فضلاً عن كونه يختلف من قطر لآخر، مما لا يترك أمامنا أيّ فرصة للمماحكة أو للتقوّل بما يجانف الحقيقة، و إصدار أحكام نمطية، قد لا تزيد عن أنْ تكون شهادةَ زورٍ .. ثمّ إن الأفق العام في سائر بلداننا يتجه بصورة طبيعية باتجاه تقنين وتكريس الحريات العامة، لاسيما في مجال الكلمة والفكر والرأي.

إننا خلال هذه الإنعطافة التاريخية نشهدُ تحولاً يشبه القفزة النوعية فيما يتعلق بالكتابة للأطفال في سائر أمصار وأقطار الوطن العربي ، حتى بات هناك أكثر من جيلٍ واحدٍ يُنسب لأجيال كُتّاب الأطفال واليافعين .. فمِنْ أبرز أسماء الجيل الماضي ممن اهتموا بأدب الطفل، نذكر مثلاً:  أحمد محرّم ومحمد الهواري وسيد قطب وأحمد شوقي وبهيجة صدقي ومحمد سعيد العريان وكامل كيلاني ومحمود أبو الوفا ومحمد زهران وأمين دويدار وحسن توفيق وحامد القصبي وعلي فكري وتوفيق بكر ومحمد عبد المطلب ومحمد الأخضر السائحي وعبد الحميد جودة السحار.. إلخ .. ثم جاء بعده جيلٌ آخر ربما من أشهر أسمائه:  زكريا تامر وعادل أبو شنب ودلال حاتم وعزيز نصار واسكندر نعمة وعبد الله عيد ونزار نجار وطالب عمران وعبد الرزاق جعفر وأيوب منصور ومصطفى عكرمة ولينا منصور وعبد التواب يوسف .. والقائمة طويلة لا يستوعبها فضاء هذا الحيّز الكتابي المقتضب . إذ إن مكانها الطبيعي دراسة مستفيضة تتناول تاريخ أدب الطفل في العالم العربي والمراحل التي مرّ بها وأهمّ المؤثرات والعوامل التي أدت إلى تطويره .

وهناك أيضا جيلٌ جديدٌ ( أي معاصر جداً كما يحلو لي أن أسميه ) … دفعه وعيهُ الذاتي واشتغالُهُ في الحقل التربوي والتعليمي والإعلامي إلى استشعار أهميّة وخطورة مجال الكتابة للأطفال والناشئة عموماً، وهذا الجيل أصبح فوق الحصر، ولعل أحسن وسيلة للوقوف على كلّ الأسماء، تأليفُ عمل ببليوجرافي موسوعي يشمل جميع كُتّاب أدب الطفل في كلّ الأقطار العربية، وحسبنا أن نشير هنا في عجالة إلى بعض الأسماء المشهورة، مثل: سامي محمود طه، والحبيب دربال، وزهير رسام، وعارف الخطيب، وخير الدين عبيد، وصبحي سعيد، ونور الدين الهاشمي، وكمال قداوين، ومحمود مفلح، وآمال يوسف، ويعقوب الشاروني … ونحوهم كثير جدا .

كما يمكنُ في هذا الصدد التنويهُ إلى أن ما زاد في وتيرة العناية والإهتمام بأدب الطفل وانتشارُ مجلات الأطفال، وظهورُ القنوات التلفازية والفضائيات المتخصصة الموجَّهة للأطفال واليافعين والمراهقين… ولا يخفى على النابهين وجودُ بعض البرامج وحصص الصور المتحركة (أفلام الكرتون) ــ ذات الخلفية الفكرية والسلوكية الغربية ــ التي مِن شأنها تشكيكُ الطفل العربي المسلم في عقيدته أو زعزعة إيمانه وإضعاف انتمائه لوطنه ومحبته لأهله وأمته وهُويّته الحضارية .. ولعل ما أثاره مسلسل ( البوكيمون ) الشهير من جدالٍ وسجالٍ خيرَ مثال يمكن استحضارُه في هذا السياق .

إن الكتابة للأطفال أساليبٌ وألوانٌ شتى، منها ما يُعرِّف الطفل بالطبيعة ومناظر جبالها وسهولها وبحارها وأنهارها وبراكينها وعواصفها وتقلّبات فصولها .. ومنها ما يهتمّ بالتعريف بالكون وأفلاكه ومداراته وكواكبه ونجومه .. ومنها ما يسعى للتعريف بالحيوانات المختلفة من أليفةٍ ومفترسة ومزعجة أو مقزّزة، وأخرى منقرضة كالتنانين والدناصير ..إلخ .. ومنها ما يُقدِّم للناشئة جرعاتٍ من الخيال العلمي تخدم وتدعم رصيدهم من الثقافة العلمية  الضرورية … ومنها ما يُعرّف النشء ببعض الأحداث التاريخية من خلال تقديم نماذج من الشخصيات والأعلام تصلح مواقفُها وسلوكياتُها و تراثُها للتمثّل والإقتداء أو الائتساء .. ومنها كذلك لونٌ آخر يتّجه لتعزيز القيم والخِلال الحسنة، وغرس الفضائل والأخلاق الحميدة في نفسية الطفل ووجدانه وفكره وسلوكه…

وإذا كان بعضُ خبراء أدب الطفل قد عرّفوا هذا الأدب بأنهُ التعبيرُ الأدبي الجميل المؤثّر الصادق في إيحاءاته ودلالاته وأبعاده ومعانيه، الذي يستلهم القيمَ الرفيعة والمبادئَ السليمة والعقيدة الصحيحة، ويجعل منها أساساً لبناء كيان الطفل عقلياً ونفسياً وسلوكياً ووجدانياً وبدنياً وفنياً، ويساهم في تنمية مداركه وإطلاق مواهبه الفطرية وقدراته المختلفة … فإن الكثير من الكتابات العربية التي دبّجها مؤلفون مسلمون قدامى يشملها هذا التعريفُ حتماً  إنْ بصورةٍ جزئيةٍ أو كليةٍ .

فليس بالضرورة  ابتداء، ولا من العدل أن نحكم على وجود شيءٍ ما من خلال اسمه أو عنوانه فحسب وإلاّ  فقد انتفى وجودُه، بل العبرة ــ كل العبرة ــ بالمضمون، أي بوجود الشيء نفسه في الواقع الماثل؛ وهذا الذي نقرره ينطبق على حقيقة ( أدب الطفل ) في تاريخ الكتابة العربية والإسلامية، فالكتّاب العرب والمسلمون لم يُـطلقوا مصطلح ( أدب الطفل ) في كتاباتهم التراثية العتيقة، بيد أنهم تناولوا مختلف قضايا الطفل وشؤونه، بدءاً بالجانب التربوي التأهيلي، ووصولاً إلى الجانب الترويحي الترفيهي .

فنحن إذا عدنا لتقصّي هذه الكتابات وجدناها تتناولُ عدةَ جوانبَ أهمها : العقيدة والعبادة والالتزامات الأخلاقية والجوانب التربوية والسلوكية، وتنمية المواهب والمهارات الإبداعية والرياضية والفنية، وجوانب التثقيف والتوعية والترفيه … ولا شكّ في أن هذه الجوانب عولجت من خلال توظيف القيم التربوية الإسلامية المستوحاة من القصص القرآني والحديث النبوي، وفصول المغازي والسير والملاحم وتواريخ الشعوب التي فتحت صدرها وقلبها للإسلام وتعاليمه.

وفي ذلك يقول الدكتور نجيب الكيلاني رحمه الله: ” وَجَدَ القصّاصون في قصص القرآن الكريم مادة ثرية للأطفال، فكانت تُروى لهم بصورة مبسطة، وكذلك بعض ما ورد في الأحاديث النبوية ومغازي رسول الله . وحروب الصحابة ومَنْ أتى بعدهم، وجهاد المسلمين لنشر الدعوة الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها، وأخبار العلماء والصالحين والرحالة والمسافرين للتجارة، وأخبار الأمم الأخرى كذلك”( أدب الأطفال في ضوء الإسلام ص27 ).

فعدم العثور على مصطلح ( أدب الطفل ) في أدبيات التراث العربي القديم، لا يعني بحال إهمالَ أو غيابَ قضايا الطفل وشؤونه المختلفة في مضامين تلك الأدبيات؛ بل إننا لنعثر على عدّة نماذج في العطاء الثقافي العربي العتيق، تُمثل أشكالاً وأجناساً متنوّعة لأدب الطفل، مثل كتابات ( أبي عبد الله محمد بن ظفر الصقلي المكي) (ت 567 هـ ) خاصة كتابه ( أنباء نجباء الأبناء )، و( ابن سعيد الغرناطي الأندلسي ) ( ت 685 هـ ) في كتابيه ( مختصر العجائب)  و ( القدح المعلى ) .. بل هناك نماذج كثيرة من الكتابات والنصوص يمكن إدراجُها أيضاً ضمن أدب الطفل، موجودة في تراث ومدوّنات مؤلِّفين أقدم زمنياً من هذين المؤلفيْن، مثل (عبد الله بن المقفع ) ( ت 142 هـ ) و ( الجاحظ ) (ت 256 هـ ) و ( أبو حيان التوحيدي ) ( ت 414 هـ ) .. ونحوهم ..

ناهيك عمّا في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة والسيرة العطرة وكلام الخلفاء الراشدين والتابعين وأتباعهم والفقهاء، من توجيهاتٍ وآراء وتصورات وإرشادات، تشكّل خلفيةً نظريةً أو قاعدةً لصياغة أدب الطفل، ومثال ذلك ( قصة النُّغير)(1) وملخصّها أن رسول الله ــ صلى الله عليه وسلم ــ مرّ ذات يوم على طفل يُدعى عُمير ( هو شقيق أنس بن مالك خادم رسول الله) وفي يده عصفور فسأل الطفل عن اسم العصفور. فأجابه بأن اسمه( النُّغير ) .. فكان رسولُ الله كلما مرّ بطريق هذا الصبي يقول له مداعباً : يا أبا عُمير كيف هو النُّغير؟ فيقول: بخير يا رسول الله . وذات يوم يمر صلى الله عليه وسلم فيجد الطفل عميراً يبكي،  فيقول له: ما يبكيك يا عمير؟  ويجيب عمير ( يا رسول الله لقد مات النُّغير) !! فأخذ رسول الهدى  ــ صلوات الله وسلامه عليه ــ يصبّره  ويخفّف عنه، ثم أخذ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1ـــ تصغير النُّغَر وهو طائر يُشْبِه العُصْفور أحمر المِنْقار ويُجمع على : نِغْرَان.

 

يلاعبه في حارة من حارات المدينة، وعندما مرّ أبو بكر وعمر قال لهما النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ  أردتُ ملاطفته لعله ينسى عصفوراً مات له هذا اليوم .. وفي اليوم الثاني يجيء رسول الله بنفسه إلى بيت الطفل عمير  لتعزيته في موت العصفور . فهذه الحادثة الطريفة ــ المسطرة في مدوّنات السيرة العطرة ــ مادة ٌرائعة  بديعة في تأصيل أدب الطفل في الإسلام .

ومثال ذلك أيضا قول الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه ” علّموا أولادكم السباحة والفروسية، وارووهم ما سار من المثل، وما حسُن من الشعر ” . وقول هشام بن عبد الملك لمعلم ولده ” .. وأوّل ما أوصيك به أن تأخذه بكتاب الله، ثم أروه من الشعر أحسنه، ثم تخلل به في أحياء العرب .. فخُذ من صالح شعرهم، وبصِّر بطرف من الحلال والحرام والخطب والمغازي”؛ ويقول حجة الإسلام أبو حامد الغزالي رحمه الله: ” إن الطريق في رياضة الصبيان من أهمّ الأمور وأوكدها، والصبيّ أمانةٌ عند والديْه، وقلبُه الطاهر جوهرة نفسية ساذجة، خالية من كلِّ نقشٍ وصورة، وهو قابلٌ لكلِّ ما يُنقش عليه، ومائلٌ لكلِّ ما يُمال إليه، فإنْ عُوِّر الخير وعُلِّمه نشأ عليه، وسعد في الدنيا والآخرة  … فعليه أن يتعلّم القرآن وأحاديث الأخبار وحكايات الأبرار ” .

وصفوة القول أن أدب الطفل أصيلٌ في الإسلام والكتابة العربية القديمة، على خلاف الحضارة الغربية التي لم تعرف شيئا يُذكر عن الطفولة وأدبها إلا مع مطلع القرن السابع عشر الميلادي … وهذا ما يجب أن يعلمه المثقفون والمربون من أبناء أمتنا الكبيرة، وعياً وإدراكاً بخطورة وأهميّة وحساسية حقل ثقافة الطفل، بوصفها المرتكزَ الأولَ في عملية إعادة بناء فكريّة الأمة وتأهيل إنسانها تأهيلاً صحيحاً فاعلاً، يعود بالخير والنفع على ديننا وأوطاننا وهُوّيتنا وثقافتنا ومستقبلنا.

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

سلسلة تاريخ الحلقات العلميّة في ورقلة/ إبراهيم بن ساسي

في هذه الإطلالة الموجزة وفي هذا الشهر الرّمضاني الكريم نورد — إن شاء الله — …