الرئيسية | في رحاب الشريعة | معالجات إسلامية | معجــزة الإســراء والمعـــراج

معجــزة الإســراء والمعـــراج

 

بقلم الشيخ الدكتور/يوسف

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الأمين محمد –صلى الله عليه وسلم -، وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، ومن اقتفى أثرهم وسار على دربهم إلى يوم الدين، أما بعد:

يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}(1 ).

يعيش المسلمون في هذه الأيام في ظلال ذكرى الإسراء والمعراج، الإسراء برسولنا محمد –صلى الله عليه وسلم – من المسجد الحرام بمكة المكرمة إلى المسجد الأقصى بالقدس، والعروج به -صلى الله عليه وسلم – من المسجد الأقصى بالقدس  إلى ما بعد سدرة المنتهى، فحادثة الإسراء من المعجزات والمعجزات جزء من العقيدة الإسلامية، لذلك فإن ارتباط المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها بالأقصى والقدس وفلسطين هو ارتباط عقدي، وليس ارتباطاً انفعالياً عابراً ولا موسمياً مؤقتاً.

وتأتي ذكرى الإسراء والمعراج في هذا العام وشعبنا الفلسطيني المرابط بكل فصائله يتصدى لصفقة القرن الإجرامية،كما يقف شعبنا اليوم صفاً واحداً للحدِّ مِنْ انتشار فيروس كورونا الذي يجتاح دول العالم اليوم، وبالرغم من كل ذلك تبقى قضية القدس هي القضية الأولى لشعبنا وللأمتين العربية والإسلامية، ونسأل الله العلي القدير أن يحفظ شعبنا وبلادنا ومقدساتنا وأمتنا من الوباء والبلاء.

معجزة الإسراء والمعراج تكريمٌ من الله لرسوله

إنّ معجزة الإسراء والمعراج تدل على تكريم الله سبحانه وتعالى لرسوله محمد –صلى الله عليه وسلم-، وقد سُجِّل هذا التكريم في القرآن الكريم في صدْر سورة الإسراء،حتى تبقى هذه الذكرى خالدة في النفوس لا يضعف تأثيرها، يَتَعَبَّدُ الناس بتلاوتها إلى يوم القيامة،حيث اجتمع الأنبياء –عليهم الصلاة السلام–لرسولنا محمد– صلى الله عليه وسلم– في بيت المقدس، وَصَلّى بهم الحبيب -صلى الله عليه وسلم– إماماً في المسجد الأقصى المبارك،كما استقبله الأنبياء الكرام- عليهم الصلاة والسلام-مرة ثانية بحفاوة وتكريم أثناء معراجه– صلى الله عليه وسلم– إلى السماوات العُلى.

فكان لهذه الرحلة العظيمة أثرٌ كبيرٌ في نفس رسولنا – صلى الله عليه وسلم– ، فقد استيقن بتكريم الله عزّ وجلّ له ، وأنه لن يتخلى عنه وسيؤيده بنصره، وكذلك في نفوس أصحابه الكرام – رضي الله عنهم أجمعين-، حيث كان الإسراء امتحاناً لإيمانهم.

فالإسراء في حقيقته أمرٌ خارق للعادة،جعله الله سبحانه وتعالى معجزة لنبيه–صلى الله عليه وسلم-، ثَبَّتَ الله –سبحانه وتعالى – بها فؤاده على الحق، وَشَدَّ أزره للنهوض بالدعوة الإسلامية، مُسْتَيْقِناً أن الذي طَوَى له الأرض في جزء من الليل، لا يُعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.

القدس والأقصى… في ذكرى الإسراء والمعراج

تحلّ علينا هذه الذكرى المباركة مع ازدياد الهجمة الإسرائيلية الشرسة على بلادنا فلسطين بصفة عامة ومدينة القدس والمسجد الأقصى المبارك بصفة خاصة، والتي تهدف إلى تزييف الحضارة وتغيير التاريخ من أجل طمس المعالم الأثرية والتراثية والحضارية العربية والإسلامية في فلسطين ومدينة القدس وقلبها المسجد الأقصى المبارك.

ومن المعلوم أن سلطات الاحتلال الإسرائيلي تسعى جاهدة إلى تنفيذ مخططاتها الاحتلالية لتهويد المدينة المقدسة، وفرض السيادة الإسرائيلية على المسجد الأقصى من خلال محاولة تقسيمه زمانيًا ومكانيًا تمهيدًا لإقامة ما يُسمى بالهيكل المزعوم لا سمح الله، حيث تقوم بإجراءات يومية ضِدّ أهلنا في المدينة المقدسة، من مصادرة هوياتهم، وفرض الضرائب الباهظة عليهم، وهدم بيوتهم، والاعتداء على المقابر الإسلامية، واعتقال وإبعاد ومنع الشخصيات الدينية والوطنية وسدنة الأقصى وحراسه من دخول المسجد الأقصى والمدينة المقدسة، بالإضافة لحملة الاعتقالات ضد شباب المدينة المقدسة.

وبهذه المناسبة فإننا نُوجه تحية إكبار وإجلال لأهلنا المقدسيين ولعلمائنا الأجلاء وللشخصيات الدينية والوطنية ولسدنة الأقصى وحراسه وللمرابطين داخل المسجد الأقصى، على صمودهم وتصديهم الدائم لقطعان المستوطنين ودفاعهم المستمر عن المسجد الأقصى والمدينة المقدسة، حيث إنهم يشكلون خط الدفاع الأول عن القدس والأقصى والمقدسات ويتصدون للمُقتحمين بشتى الوسائل الممكنة؛ دفاعاً عن أولى القبلتين وثاني المسجدين وثالث الحرمين الشريفين.

دعوة نبوية لأبناء الأمتين العربية والإسلامية

عن ميمونة مولاة النبي -صلى الله عليه وسلم- قَالَتْ: (يَا رَسُوَلَ اللهِ، أَفْتِناَ فِي بَيْتِ الْمَقِدْسِ، قَالَ:” أَرْضُ الْمَحْشَر ِو الْمَنْشَر، ائْتُوهُ فَصَلُّوا فيِه، فَإِنَّ صَلاَةً فِيِه كَأَلْف صَلاَة فِي غَيْرِهِ”. قَلتُ: أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أَتَحَمَّلَ إليه؟  قال:” فَتُهْدِي لَهُ زَيْتاً يُسْرَجُ فِيهِ، فَمَنْ فَعَلَ ذِلكَ فَهُوَ كَمَنْ أَتَاهُ”)(2) .

هذه دعوة نبوية إلى أبناء الأمتين العربية والإسلامية بوجوب الوقوف مع أشقائهم المرابطين في بيت المقدس ودعمهم ومساندتهم؛ كي يبقوا محافظين على مسرى رسولنا محمد – صلى الله عليه وسلم- من اعتداءات المعتدين صباح مساء.

إنَّ مدينة القدس اليوم ليست بحاجة إلى الأقوال ولا التصريحات التي تَمْتَصّ النقمة من النفوس، ولكنها بحاجة إلى ترجمة هذه الأقوال إلى أفعال على أرض الواقع،حيث إن الواجب على أبناء الأمتين العربية والإسلامية دعم المقدسيين في شتى المجالات الصحية والإسكانية والتعليمية والتجارية والإغاثية،كي يبقوا مرابطين صامدين ثابتين فوق أرضهم المباركة؛لأن المواطن المقدسي هو الذي يُدافع عن الأقصى والقدس والمقدسات، وَيُشَكّل الصخرة التي تتحطم عليها جميع المؤامرات.

دروس وعِبَرٌ من الإسراء والمعراج

نتعلم من ذكرى الإسراء والمعراج بأن العرب والمسلمين بصفة عامة وأبناء شعبنا الفلسطيني بصفة خاصة، أحوج ما يكونون اليوم في هذه الذكرى المباركة إلى توحيد كلمتهم وجمع صفوفهم وأن يعودوا متحابين متآلفين، امتثالاً لقوله  سبحانه وتعالى: {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ}(3).

كما نتعلم من هذه الذكرى المباركة ضرورة  الثقة في الله سبحانه وتعالى لمواجهة ما نحن فيه من مصاعب، فعندما تَشْتَدّ الأزمات يكون السبيل إلى الخلاص منها باللجوء إلى الله عزَّ وجلَّ، وصفاء النفوس ، والسير على هدي القرآن الكريم وسنة رسولنا الأمين محمد – صلى الله عليه وسلم – .

كما تعلمنا أحداث الإسراء والمعراج أنّ مع العسر يُسْرا وأنّ النصر مع الصبر إن شاء الله.

من كل هذه المعاني نفهم ونستنتج أن الأمل يأتي بعد الألم ، وأنَّ المِحَنَ تسبق المِنَح، وأن الضيق يأتي بعده الفرج ، وأن مع العسر يسراً ، فقد علمنا القرآن الكريم هذه المفاهيم ليؤصل فينا عدم اليأس والقنوط، والاستبشار دائماً ، والثقة في نصر الله لعباده المؤمنين، مهما ضاقت بهم السُّبُل  وَتَقَطَّعَتْ بهم الأسباب ،  فهذه سنة الله في خلقه، ليمحِّصَ المؤمنين ويمحق الكافرين ، كما جاء في قوله سبحانه وتعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ}(4).

كما نتعرف من خلال دراستنا لحادثة الإسراء والمعراج على مكانة المسجد الأقصى المبارك والقدس وفلسطين، وأن المسجد الأقصى المبارك بالقدس شقيقٌ للمسجد الحرام بمكة المكرمة، وهذه العلاقة الوثيقة بين المسجدين تُوجب على الأمتين العربية والإسلامية ضرورة المحافظة على المسجد الأقصى والقدس وفلسطين، ومساندة هذا الشعب ودعم المرابطين في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس.

فالقدس لا يمكن أن تُنسى أو تُترك لغير أهلها، مهما تآمر المتآمرون وخطَّط المحتلون، الذين يسعون لطمس طابعها العربي الإسلامي، ومحو معالمها التاريخية والحضارية، وتحويلها إلى مدينة يهودية، ففي

كل يوم تدفن جرافات الاحتلال الصهيوني جزءاً عزيزاً من تراثنا، كما تتهيأ معاول الهدم لتقويض جزء جديد، إنهم يريدون لمدينة القدس أن تندثر وأن يندثر أهلها، ولكنّ القدس يجب أن تبقى، فليس في العالم قاطبة مدينة تُثير الخواطر، وتشحذُ خيال المؤمنين، مثل القدس الشريف التي وصفها ابنها العلامة الجغرافي شمس الدين أبو عبد الله المقدسي في كتابه (أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم )، بأنها “أجلّ المدن قاطبةً، لأنها مهبط الوحي ومدينة الأنبياء ، ومجتمع الدنيا والآخرة”، هذه العبارات على إيجازها ، تختصر تاريخاً ممتداً طوله أكثر من أربعة آلاف سنة، شهدت المدينة خلالها أُمَمًا وحضارات، وتعاقب عليها أفواج من الغزاة والطامعين.

القدس تقول لكم: سوف يتراجع الظلم وينهزم الأعداء، فالليل مهما طال فلا بُدَّ من بزوغ الفجر، وإن الفجر آتٍ بإذن الله رغم أعداء أمتنا كلهم.

نسأل الله أن يحفظ الأقصى والقدس وفلسطين وسائر بلاد المسلمين من كل سوء

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين

الهوامش:

 1- سورة الإسراء الآية (1)     

2- أخرجه ابن ماجه  

3- سورة آل عمران الآية(103)

4-سورة البقرة الآية (214)    

عن المحرر

شاهد أيضاً

كلنا فداك يا رسول الله – صلّى الله عليه وسلّم –

د. يوسف جمعة سلامة* / يقول الله سبحانه وتعالى: {لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ …