الجمعة 13 شوال 1441ﻫ 5-6-2020م
أخبار عاجلة
الرئيسية | وراء الأحداث | الجزائر بين ضغوط وباء كورونا وبلاء انهيار أسعار النفط

الجزائر بين ضغوط وباء كورونا وبلاء انهيار أسعار النفط

عبد الحميد عبدوس

أصبح انتشار فيروس كرونا “كوفيد 19” وانهيار أسعار النفط  أكبر هاجسين للإنسانية، ومصدرين من أكبر مصادر الرعب الصحي والتراجع الاقتصادي العالمي، خصوصا بعد أن صنفت منظمة الصحة العالمية يوم 11 مارس الجاري (2020) مرض فيروس كورونا وباء عالميا، فهل تأخر العالم في الانتباه إلى خطورته؟ خصوصا أن هذا الوباء لا يعترف بالحدود بين الدول والأديان والأجناس والطبقات، فهو يصيب الدول المتقدمة والمتخلفة، ويصيب العرب والعجم، وينتقل بين الأغنياء والفقراء وبين الشعوب والحكام.

ومنذ أن أبلغت الصين في 31 ديسمبر 2019، منظمة الصحة العالمية عن اكتشاف داء “التهاب رئوي غير معروف السبب” في مدينة ووهان بمقاطعة خوبى، اكتفت المنظمة بإعلان الطوارئ القصوى لمواجهة الداء، ومع استمرار انتشار ما أصبح يعرف بفيروس “كورونا”، اعتبرته المنظمة جائحة تجوب بلاد العالم إلا أنها ظلت ترى أنه لم يرتقِ إلى مستوى الوباء. ومع تنامي القلق من سرعة تفشي الجائحة في دول كثيرة من مختلف قارات العالم، والازدياد السريع في عدد الإصابات والوفيات، لم يعد هناك مهرب من الاعتراف بخطورة الوضع وتصنيف المرض في خانة الوباء، بل إن البعض يعتبر وباء كرونا من أخطر الأوبئة التي عرفتها الإنسانية في القرن الأخير، ويعرف مدير الطوارئ بمنظمة الصحة العالمية الوباء على أنه ” مرض يكون العالم أجمع مهدداً بالإصابة به، وينتشر في وقت واحد وفى دول مختلفة، ولا يكون له علاج فعال يساعد على الشفاء منه”.

لقد ملأ موضوع وباء كورونا الدنيا وشغل الناس، فلم يبق مقتصرا على المخبريين والاختصاصيين والباحثين، بل أصبح موضوعا  يتصدر وسائل الإعلام، ويطغى على أحاديث الناس في الشوارع والمقاهي ووسائل النقل الجماعي، وامتد الاهتمام به إلى المواعظ المسجدية والدروس التربوية، وضربت آثاره السلبية الميادين الرياضية والثقافية والسياحية، فضلا عن الميادين الاقتصادية والتجارية.

في هذا السياق عقد أعضاء منظمة أوبك  يومي الخميس والجمعة ( 5و6)  مارس اجتماعا بعاصمة النمسا فيينا لإقرار الإجراءات المناسبة لوضع حد لتراجع أسعار النفط من جراء تفشي فيروس كورونا، وكان رئيس الاجتماع  وزير الطاقة الجزائري محمد عرقاب الذي  كان قد تسلم رئاسة منظمة الدول المصدرة للبترول (أوبك) منذ الفاتح جانفي 2020 متفائلا بقدرة الدول المصدرة للنفط من أعضاء الأوبك، وأوبك + (الدول المصدرة للنفط من خارج منظمة أوبك) على اتخاذ  قرارات مناسبة للتصدي لأثر وباء فيروس كورونا على تطور الاقتصاد العالمي وحالة العرض والطلب، وصرح أنه ” ستتخذ إجراءات خلال اجتماع الأوبك الجاري لضمان استقرار السوق والأسعار وتكون مطابقة لحقائق الأسواق وآمال البلدان المنتجة”. ولكن هذا التفاؤل سرعان ما تبخر تحت تأثير الأنانية والعناد لكبار المنتجين العالميين على غرار السعودية وروسيا. بدأت الأزمة برفض روسيا لمقترح أوبك بخفض إضافي للإنتاج بـ1,5 مليون برميل حتى نهاية العام على أن يتحمل  أعضاء أوبك + ( روسيا وحلفاؤها) ثلث مجمل الخفض الجديد أي 500 ألف برميل يوميا، وتذرعت روسيا بأن اقتصادها الذي يعتبر أكثر تنوعا وأنها تستطيع الاكتفاء بسعر يتراوح بين  50 إلى 40 للبرميل، وهو الأمر الذي أدى إلى انهيار أسعار النفط بالفعل يوم الجمعة الماضية 6 مارس الجاري (2020)، حيث شهدت انخفاض الأسعار بنسبة 9% في يوم واحد، لينزل من 51.58 دولار يوم الخميس 5 مارس إلى 47.02 للبرميل يوم الجمعة 6 مارس. وصرح الأمين العام للمنظمة أن أوبك لن تقدم على تخفيض الانتاج بصفة منفردة، أما وزير الطاقة الروسي فقد قال إن منتجي النفط “سيتخذون قراراتهم بشكل فردي بداية من أول أفريل المقبل، هذا القرار الروسي قوبل برد حاد وسريع من طرف السعودية أكبر المنتجين في منظمة أوبك، فقررت رفع حصتها الانتاجية وخفض أسعار نفطها في الأسواق الدولية. هذه الحرب النفطية بين دولتين من أكبر منتجي النفط في العالم سرعت انهيار الأسعار فقد تراجعت يوم الاثنين 9 مارس 2020،  المعروف بـ “الاثنين الأسود” العقود الآجلة لخام برنت إلى 31.02 دولار للبرميل وهو أدنى مستوى منذ  فيفري 2016، هنا العودة وهذا الموقف مشابه  لما حدث في الفترة من 2014 و2016، عندما قررت السعودية بدعم من الولايات المتحدة الأمريكية التأثير على الاقتصاد الروسي لمعاقبة روسيا على غزو أوكرانيا في 2014 وكذلك معاقبة إيران التي تم تخفيف العقوبات المفروضة عليها، وأصبح لديها قدرة أكبر على بيع نفطها في الخارج.

هذه الحرب الاقتصادية للسيطرة على السوق العالمية من جهة، وللحد من طفرة إنتاج النفط الصخري الأمريكي من جهة أخرى حيث أصبحت الولايات المتحدة الأمريكية الدولة الأولى عالمياً في إنتاج النفط ، غير أن النفط الصخري يتم إنتاجه بكلفة عالية مقارنة بإنتاج النفط في السعودية وبقية دول الأوبك وحتى بالنسبة لروسيا، تصبح في حالة استمرارها لمدة طويلة كارثة حقيقية على الاقتصاد الجزائري الذي مازال يعتمد بأكثر من 95% من المداخيل بالعملة الصعبة رغم كل الشعارات المرفوعة طوال عدة سنوات على ضرورة تنويع مصادر الاقتصاد والخروج من نمط الاقتصاد الريعي والتبعية لتصدير المحروقات.

لقد سعت الجزائر دائما لتعويض تواضع مكانتها من حيث حجم الإنتاج بين مصاف كبار منتجي النفط في العالم بفاعلية دبلوماسيتها وقدرتها التفاوضية وحسن سمعتها الدولية، وهكذا استطاعت بعد 15 سنة من تأسيس منظمة الأوبك من تنظيم القمة الأولى للمنظمة التي عقدت في الجزائر بين 4 و6 مارس 1975 وتمكنت القمة من وضع أسس تعاون دولي بين المنتجين والمستهلكين  والحفاظ على سوق مستقرة، والحصول على عائد عادل للثروة النفطية بمقاييس  ذلك الزمان وارتفعت الأسعار من 12  إلى 14 دولارا، كما استطاعت الجزائر أن تجمع بين المنتجين للنفط من الأوبك ومن خارج الأوبك في الاجتماع الذي عقد  بالجزائر في 28 سبتمبر 2016، وضع أسس تعاون بينها، وكان سعر برميل النفط قد هوى  من 40 دولار في ديسمبر 2015 إلى 30 دولاراً في فيفري2016 ثم ارتفع بعد اجتماع الجزائر إلى 50 دولار.

ورغم أن أسعار النفط ظلت على مدى عقود تتأرجح بين الصعود والنزول بسبب عدة عوامل إلا أن الاقتصاد الجزائري مازال  يعتمد بشكل أساسي على هذه الثروة الزائلة والمتقلبة، ولكن بعد كل هبوط حاد في الأسعار يعاد الجدل إلى ساحة التداول بين أفراد النخبة الجزائرية حول ما إذا كانت النفط نعمة أم نقمة؟ ثم تعود حليمة إلى عادتها القديمة.

 

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

مجـــازر الثــامـــن مـــــاي 1945 … مازال قانون تجريم الاستعمار الفرنسي معطــــلا !

أ. عبد الحميد عبدوس / رغم أن مظاهر إحياء ذكرى مجازر الثامن ماي 1945 في …