أخبار عاجلة
الرئيسية | في رحاب الشريعة | منهج النبي الكريم في التربية والتعليم من آيات الذكر الحكيم

منهج النبي الكريم في التربية والتعليم من آيات الذكر الحكيم

  •  محمد مكركب
  • النبي عليه الصلاة والسلام إمام المربين، والكتاب المبين أعظم وأكمل منهاج في التربية والتعليم والدين، وفي كل ميادين العلم والعمران، والنهضة والإصلاح والبنيان، وكلمة التربية كلمة جامعة لمعاني الرعاية والعناية والإعداد والتهذيب والتنمية، وغيرها مما يخص المحافظة على الفطرة الإنسانية واكتساب ما يلزم من العلوم ليستطيع الإنسان التعامل مع السنن الكونية والعمل بالسنن الشرعية، ثم ليعمر الأرض بالعمران مع إخوانه من بني الإنسان:﴿وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً قالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾[هود:61] وجه الاستدلال بالآية الدعوة إلى العبادة والاستعمار، من قوله سبحانه وتعالى:﴿ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها﴾. قال القرطبي:{ قال مجاهد: وَمَعْنَى﴿ اسْتَعْمَرَكُمْ﴾ أَعْمَرَكُمْ مِنْ قَوْلِهِ: أَعْمَرَ فُلَانٌ فُلَانًا دَارَهُ، فَهِيَ لَهُ عُمْرَى. وَقَالَ قتادةُ:﴿اسْتَعْمَرَكُمْ﴾ أَسْكَنَكُمْ فيها، وعلى هذين الْقَوْلَيْنِ تَكُونُ اسْتَفْعَلَ بِمَعْنَى أَفْعَلَ، مِثْلَ اسْتَجَابَ بِمَعْنَى أَجَابَ}(9/56).

    والسيرة النبوية ليست مجرد تاريخ عام لحقبة من الزمن يُنْقَل مما كتبه المؤرخون، أو مجرد مذكرة لتصوير قصة عن خاتم النبيين حكاية عن مولده ووفاته بروايات الأدباء والقصاصين، وإنما هي ذلك الخبر المؤصل بالقرآن أو الحديث عن وقائع وحوادث ومواقف مؤصلة بالأدلة الشرعية والحقائق التاريخية المجمع عليها، أقول: المجمع عليها، فلا يجوز بل يحرم على مسلم أن يقول عن رسول الله أو عن آل بيته خبرا بهواه أما لو كان متعمدا الكذب أو نقل خبرا مكذوبا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يتب يكون ذلك سببا على نفسه لدخول النار. ففي الحديث. عن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، قال: قلت للزبير: إني لا أسمعك تحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يحدث فلان وفلان؟ قال: أما إني لم أفارقه، ولكن سمعته يقول:[ مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ](البخاري:107). وعن سلمة، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول:[مَنْ يَقُلْ عَلَيَّ مَا لَمْ أَقُلْ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ](البخاري:109).

    وأقول للقارئ الكريم إن ما ورد عن النبي محمد خاتم النبيين عليه الصلاة والسلام، في القرآن والحديث وما أجمع عليه المفسرون من العلماء المجتهدين كاف لما ينفع الأمة فلا ينبغي للعقلاء أن يتتبعوا الأخبار والحكايات من آثار الظن والمتشابهات، أو من مواطن الجدل العقيم، والاستدلال السقيم، مما لم يطلب منهم ومما لايقوم عليه واجبٌ شرعيٌّ، فانتبهوا إلى هذه الملاحظة التي لم ينتبه إليها الموقدون لنيران الجدل الخلافي الْعِدائي، الذين أدخلوا طرفا من الدعاة في متاهات التغريد الأحمق والرد عليه، وفي ذلك ما فيه من ضياع الوقت، وهَدْرٍ للطاقات، وفِتَنٍ لغير المتحصنين بالآيات البينات، فالسيرة ليست نص روايةٍ مُدَبَّجة بانطباعات القصاصين، وإنما هي خَبَرٌ علمي يقيني عن صاحب الرسالة الخاتمة العالمية العامة لكل بني الإنسان.

    إن منهج النبي عليه الصلاة والسلام في التربية والتعليم يقوم على أصول (والأصول هنا أعني بها: الأسس الثابتة التي تقام عليها المسائل التربوية). ومن أصول التربية عموما: الوحي، والتشريع، وإجماع العلماء، والآيات الكونية، والبحوث التجريبية. وإنما بحثنا هذا خاص بأصول التربية في منهج النبي عليه الصلاة والسلام من خلال السيرة النبوية. فما هي المبادئ المستمدة من الأصول الكبرى في التربية النبوية؟ ونأخذ ذلك من القرآن، لماذا؟ لأن الله أمر النبي بأن يستقيم كما أمر، بالأوامر المنزلة عليه:﴿فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَمَنْ تابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [هود:112]. وأوحى إليه هذا القرآن لينذر به. ففي القرآن:﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾[الأنعام:19].

    وسيرته التي تعنينا هنا في الجانب التربوي هو تعليم الناس العمل بما كلفهم الله بدءا من الإيمان إلى العبادات والجهاد، والأسرة، والبيوع، والمعاملات، والأخلاق كلها، وكان محمد عليه الصلاة والسلام خلقه القرآن، ففي الحديث: عن سعد بن هشام بن عامر، قال: أتيت عائشةَ، فقلت: يا أمَّ المؤمنين، أخبريني بخلق رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت:[ كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ، أَمَا تَقْرَأُ قَوْلَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾[القلم: 4] قُلْتُ: فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَتَبَتَّلَ (التَّبَتُّلُ: الانقطاع للعبادة وترك الزواج) قَالَتْ: لَا تَفْعَلْ، أَمَا تَقْرَأُ:﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ﴾}[الأحزاب:21] حَسَنَةٌ؟ فَقَدْ تَزَوَّجَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَدْ وُلِدَ لَهُ](مسند أحمد:24601).

    فكيف بِكُتَّابِ السيرة يتركون الآيات القرآنية والأحاديث النبوية ويتبعون الأثر غير المؤصل؟ قال الله تعالى:﴿كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾[البقرة:151].

      من مبادئ التربية النبوية القرآنية تعميم التعليم: وهو أن يتعلم الكبير والصغير في نفس الزمن حتى لا يبقى أمي في المجتمع، المسح التعليمي الشامل للجيل. فعن عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ الْمُجَاشِعِيِّ، أَن رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ ذَاتَ يَوْمٍ فِي خُطْبَتِهِ:[أَلَا إِنَّ رَبِّي أَمَرَنِي أَنْ أُعَلِّمَكُمْ مَا جَهِلْتُمْ، مِمَّا عَلَّمَنِي يَوْمِي هَذَا، كُلُّ مَالٍ نَحَلْتُهُ عَبْدًا حَلَالٌ، وَإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ، وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ، وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أُنْزِلْ بِهِ سُلْطَانًا](مسلم:2865). فما هو المقتضى إذن؟ هو أن يتعلم الناس كلية المال وضوابط التعاملات المالية، والتوحيد وكيف يكونون حنفاء غير مشركين بالله سبحانه، ويتعلمون الحلال والحرام، وقد أمر الله سبحانه النبي بأن ينادي الناس ويلزمهم بالتعلم وهذا هو المبدأ الثاني الذي نبينه فيما بعد إن شاء الله. قال الله تعالى:﴿قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ إلى آخر الوصايا العشر.

    وفي الحديث عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: [إِنَّ الْحَلَالَ بَيِّنٌ، وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ، وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ، كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ، أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلَا وَإِنَّ حِمَى اللهِ مَحَارِمُهُ، أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ، صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ، فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ] (مسلم:1599).

    والتعليم لا يقتصر على الكتابة وفقه اللغة ونظريات عناصر الطبيعة وسائر الكائنات، وإن كانت الكتابة وفقه اللغة أهم الأصول في التربية والتعليم لأنهما المفتاح الأول لتلقي العلم، إنما على الناس أن يتعلموا أحكام الإيمان، والحلال والحرام، والمعاملات والعلاقات.

    ومن مقتضيات تعميم التعليم في المنهج النبوي العناية بتعليم المرأة، كما هي العناية بتعليم الرجل.

       من مبادئ التربية النبوية إلزام الناس بالتعلم: لأن طلب العلم فريضة الفرائض، وأصل الأصول في العبادات والمعاملات، فعن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قال رسول الله صلى اللهُ عليه وسلم: [طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ](ابن ماجة:224).

    ثلاثة علوم يلزم كل فرد بتعلمها ثم حسب قدراته وإرادته. أولا: تعليم الجميع الكتابة والقراءة ومنه فقه اللغة. ثانيا: تعليم الناس أحكام الشريعة بالقدر المطلوب. ثالثا: تعليم الناس القيم المجتمعية، ومنها على سبيل المثال:{حفظ الملكية العامة، حق الطريق، حفظ النظام، قاعدة التكامل، التطاوع الأخوي، الالتزام الوسطي، حق المواطنة، ممارسة الحرية الإيمانية} الناس في المجتمع كسائقي السيارات، فمن أجل أن لا يحدث نزاع ومخالفات بين السائقين يجبرون على تعلم قانون المرور، فكذلك الأفراد في المجتمع كل يغدو في وجهته ومن أجل تفادي الصدام والصراع كان لابد من  الفرض على الناس أن يتعلموا قانون المرور في الحياة المجتمعية، قانون الحياة الإنسانية، وهذا القانون هو الشريعة ومنها القيم المجتمعية.

عن المحرر

شاهد أيضاً

السياسة النبوية في الدعوة الإسلامية والغزوات الجهادية

الشيخ محمد مكركب أبران/ إن مفهوم السياسة النبوية تخص طريقة وآليات الدعوة إلى الله تعالى، …