أخبار عاجلة
الرئيسية | حوار | البروفيسور عمار جيدل في حوار لا تنقصه الصراحة مع “البصائر”:

البروفيسور عمار جيدل في حوار لا تنقصه الصراحة مع “البصائر”:

  •  حاوره :أ. حسن خليفة
  • الجامعة هي قاطرة التنمية و مصدر كلّ الطاقات البشرية التي تؤسس لنهضة مجتمع.

·      لا نهضة بغير مبدأ باعث على النهضة، بشرط أن يتحوّل من رؤية إلى تدبير.

 

البروفيسور عمار جيدل غني عن التعريف في فضاء المجتمع الجزائري خاصة، وفي مجتمعات عربية و إ سلامية هنا  وهناك، من خلال نشاطه العلمي (الأكاديمي) وأيضا نشاطه الفكري الرسالي في كل منتدى ذي شأن، وفي كل منتظم حراكي ثقافي فكري ..تحاورنا معه في عدد من القضايا ذات الصلة بواقعنا …وكانت إجاباته شاملة ولا تنقصها الصراحة.. وإلى الحوار.

  • نبذة غير مختصرة عن حياتك ومسارك العلمي والمهني حتى الآن؟
  • انتسبت ككل الجزائريين في مقتبل العمر إلى المدرسة القرآنية، والتي كانت معقد آمال والدي رحمه الله، ودرست كلّ مراحل التحصيل في الجزائر العاصمة، وكان لمعلمي وأساتذتي أثر بالغ في تنمية قدراتي المعرفية والتهذيبي والروحي الذي كان مركز العناية في مراحل التحصيل الأولى، فكنت اغترف منهم التربية قبل التعليم، وهم بهذا يجعلون للتعلم والعلم وجهة أساسية هي خدمة المجتمع، ثم انتسبت للتعليم مُعَلِّما منذ ما يقرب من الأربعين سنة، أكثر ثلاثة أرباعها في التعليم الجامعي.

تتعدد اهتماماتك بتعدد شعب الحياة …هل يمكن أن يعرف القاريء أي الحقول أكثر التصاقا بالبروفيسور عمار جيدل ؟

  • العناية بالحقول مُتَعَدِّدٌ تَعَدُّدَ قلاع المرابطة الرسالية التي ينتظر أن يكون للمثقف العضوي فيها خدمة للمجتمع والأمة والإنسانية، فقد يكون الإنسان مضطرا لقلّة المرابطة في بعض القلاع أن يهتم بها بالرغم عدم تعلّقها المباشر بالتخصص المعرفي الأكاديمي الدقيق، لهذا تجدني في تكويني القاعدي متفرّغا للعلوم الإسلامية عموما، ولكن عنايتي الميدانية في رُبُط التعليم المتخصص معتنيا بالدراسات العقدية والفكرية، وما له صلة بها خدمة أو تشويشا أو تشويها، من هذا المنطلق أُشْرَكُ في قلعة المرابطة الفكرية والوعي الحضاري والتربية الفكرية، فأُدْعَى إلى المناقشات الأكاديمية في ميادين العلوم الاجتماعية والعلوم الإنسانية، فأُسْتَضَاف في مناقشات الرسائل العلمية في الفلسفة، والعلوم السياسية، وعلوم الإعلام والاتصال، وعلم الاجتماع، والتربية وعلم النفس، والتاريخ، والعلوم الاقتصادية، والأدب العربي، و… كما أُدْعَى إلى مناقشات إعلامية في ميادين الفكر والسياسة والوعي والتربية والتدافعات الفكرية والمعرفية والحضارية، فأنا حيث تستدعي الوظيفة الوجودية العامة والوظيفة الحضارية الحضور، سواء كان بالمحاضرات العامة أو الخاصة أو اللقاءات الإعلامية المحلية والدولية.

كباحث متمرس وأكاديمي ممارس …هل يمكن أن نعرف منك بالتدقيق سبب تأخر جامعاتنا الوطنية ـ على كثرتها ـ عن أمر أساسي فيها وهو إنتاج المعرفة، الابتكار والإبداع، إيجاد الحلول للمشكلات الواقعية المجتمعية؟

  • يحسن في المستهل التوقّف مليًا عند المصطلحات التي عليها مدار السؤال، تأخر الجامعة، وإنتاج المعرفة، والابتكار والإبداع، والحلول الواقعية، .. وهذه بحاجة إلى وقفات معرفية ومنهجية تدقيقية لا يستوعبها حوار، لهذا سأكتفي بإجابات عامة تنفع في التأسيس لقيمة إيجابية مضافة لأجل السير في اتّجاه البعث الحضاري المنشود.

هل الجامعة هي التي تكوّن وظيفتها أم أنّها مؤسسة في سياق عام تسيّرها السلطة السياسة؟ وهي وإنْ كانت كذلك؛ فإنّها ليست بمعزل عن حركية المعرفة وتدفقاتها من جهة، ومن جهة أخرى تجتهد إطاراتها في القيام بدورها في صناعة المعرفة وتطبيقاتها، في ضوء ما سبقت الإشارة إليه: نتساءل ما دور الجامعة بالنسبة لواضع سياسات الدولة، ما دور الجامعة في المجتمع، ماذا ينتظر منها؟

إذا قبلنا بتشخيصك أنّ الجامعة متأخرة، نتساءل: متأخرة عن ماذا؟ ما معيار التأخر والتقدّم، هل هو امتلاك الوسائل المادية وإهمال الوسائل المعنوية، أم هو الإغراق في العوامل المعنوية وإهمال الوسائل المادية، هل هو إنتاج الجامعة المادي والمعنوي؟ وما أساس  تقويم ذلك، هل هو الإنتاج المعرفي وتطبيقاته في الدول المتقدّمة فنكون متأخرين، أم معيارنا هو الدوّل المبتدئة في رحلة التعليم الجامعي وتطبيقاته فنكون متقدمين؟  لهذا فنحن بحاجة إلى تحقيق القول في المعيار، وما المعيار الذي اختارته السلطة السياسية في التخطيط للجامعة؟ أم أنّ الجامعة لا تزيد عن كونها “حَجْزٌ” للشباب والشابات عن الخروج إلى الشارع، فيدركهم العمر بعد التخرّج من الجامعة، فيستعجل الشاب الخدمة الوطنية ثم الزواج، أما بالنسبة للإناث فينتظرن الزواج، فأين الجامعة المنخرطة في العملية التنموية الهادفة والراشدة؟

الجامعة في أصل الوضع قاطرة التنمية فهي مصدر كلّ الطاقات البشرية التي تؤسس لنهضة مجتمع، ليس المقصود الطاقات التقنية بل الميدانية المتعلّقة بالنشاط الإنساني والاجتماعي، ما نصيب الجامعة في تقرير المصير السياسي والاجتماعي والرياضي والفني للدولة؟ بل ما دور الجامعة في تقرير مصير الجامعة؟ فقد عرفت هذه المؤسسة قرارات فوقية يسهر على تنفيذها رؤساء جامعات وعمداء، بل ويستميتون في كتابة تقارير يسترضون بها الوصاية على حساب التعليم والعلم والبحث العلمي ومن ثمَّ الوطن، ولعلّ نظام (ل م د) أكبر شاهد على ذلك، فبالرغم من الرفض العام لفكرة هذا النظام التعليمي منذ مراحله الأولى، استماتت الإدارة المركزة ورؤساء المؤسسات واللجان الجهوية ورؤساء المؤسسات على تنفيذ سياسة تعليمية فاشلة، والقضية لا تتوقّف عند التعليم العالي، بل تجاوزه لمراحل أخرى من التعليم، وعلى سبيل المثال لا الحصر،  اتّخاذ قرار تدريس المواد العلمية في مراحل التعليم الابتدائي والمتوسط والثانوي باللغة الفرنسية قرار فوقي إداري لا صلة له لا بالمعلمين ولا بالمتعلمين ولا بالجدوى العلمية والتعليمية، قرار سلطوي فوقي، فعوض تدريس المواد العلمية في المرحلة الجامعية باللغة العربية، وفق خطة علمية متدرّجة مدروسة تسعف  أساتذة التعليم العالي لأجل تدريس هذه المعارف باللغة العربية، خطة تستوعب المؤطرين في التعليم العالي، وهي أقل كلفة وقتا وطاقة من تدرسيها باللغة الفرنسية في المراحل التعليمية المتقدمة، فضلا عن أنّ عدم توافقها من اللغة العربية نظاما، والأنكى من كلّ ذلك أنّها تنفث في روع الناشئة أنّ اللغة العربية (التي حملت أسرار الخليقة إلى الناس) عاجزة عن التعبير عن المفاهيم العلمية، ويبدو أنّه الغرض الأصلي من استبعادها في ميادين علوم البحت.

التعليم بصفة عامة والعالي على الخصوص لا قوامة له إلاّ إذا ساهم أهل الميدان المنخرطون في مسعى نهضة الجزائر العلمية وتطبيقاتها التكنولوجية، بدايته استشارة الذين خرّجهم النظام التعليمي الوطني، وزاولوا مهامه الميدانية، هذا طريق  تطويره وإبلاغه وظيفته الحضارية المنشودة.

4 بالمناسبة إلامَ ترد هذا الضعف الكبير في “نظامنا الأكاديمي” ومردوده الهزيل للغاية؟

  • أشرت في الإجابة عن سؤالكم السابق إلى الأثر السلبي لنظام (ل م د) على مستوى التحصيل العلمي والبحثي، فضلا عن التفكير السلطوي المتفرّد في تصوّر الحلول ووضع البرامج، ففي الغالب يفتّش الرسمي على منفّذ لقرار ومتبرّع بشرحه في المؤسسات الجامعية، وفد عايشنا مرافعات عن الخطأ الظاهر في مجال التعليم العالي، زيادة إلى مسالك التعيين في المراكز المفصلية في الحياة الجامعية، فكثيرا ما يختار لها كَتَبَة الحواشي على القرار الرسمي، من هنا كان التعيين في المناصب المفصلية في الجامعة مناقضا لروح الوثبة الحراكية المباركة التي تجاوزت التفكير التقليدي في مستقبل الوطن، ومنه مستقبل التعليم والبحث العاليين، فأحسن طريقة لتجاوز هذه الطريقة دمقرطة المناصب المفصلية في التعليم العالي، على أن يكون مشروطا بالإنتاج العلمي النوعي، ومما زاد في الطين بلّة أن تظهر نقابات طلابية ترافع عن الرداءة وتضغط لأجل مرورها، ولعلّ تحالفها مع الإدارة الرديئة غوّلها.

ومما يؤسف له قلّة ثقة مؤسسات الدولة ومؤسسات المجتمع المادية والمعنوية في الجامعة، إذ لو كان لها بها ثقة لاعتمدتها في التخطيط والتنفيذ لبرامج التطوير التكنولوجي وتنمية المجتمع ماديا ومعنويا، ومما زاد الأمر شناعة أن يصدر “الرسمي” توجيهات في أمور – الظاهر أنّها وليدة ارتجال أو مستشار مُتَوَرٍّط أو مُوَرِّط أو جاهل – لا يفهم شيئا في العلوم الاجتماعية والإنسانية وأهميتها في تقرير مصائر المجتمعات الإنسانية وشحذ هممها للانخراط في التنمية العامة، ولا شكّ أنّ توسيع الاستشارات في العملية الإصلاحية، استشارة عُمْدَتُها أهل الميدان الذين عُرِفَت عنهم التضحيات الجسام في خدمة الوطن في ميراثه ماضيا وحاضرا، وماضيهم التعليمي والعلمي شاهد على ذلك.

5ـ نتحدث إليك الآن كمثقف رسالي ..إن سمحت َ ..كيف رأيت الحراك السلمي الشعبي في الوطن ..وكيف توصفه لنا كباحث ومثقف؟

  • يُعَدُّ سؤالكم في لُبِّ القضايا التي عليها مدار النقاش في السياقات الراهنة، فيتصوّر بعض الناس أنّ الحراك غضب شعبي مؤقت سيخبو بعد أيام، أو ستكون الأيام القادمة كفيلة بكتمه، وفريق آخر يرى أنّ الحراك عجز عن تقديم حلول لأزمة البلد، وفريق ثالث يريد من الحراك أنْ يختار ممثليه، وفريق رابع يريد حراكا على مقاسه، وخامس لم يفكّر مرّة في الانتساب إليه، ويريد أن يسوّد كلّ صحائف الحراك المبارك، وفريق سادس اُسْتُدْرِجَ ليتّخذ موقفا من الحراك، مفاده القبول في البداية ثم معاداته في اللاحق، أو على الأقل يجعله محايدا بالنسبة إلى الحراك، وقد استدرج هؤلاء بحيل من الحيل التي يستعملها الاستبداد، استدرج الاستبدادُ بعضنا فنَفَثَ في روعه خطورة بعض المجتمع على البعض الآخر، فقبل المستدرج أن يستعمل كواقي صدام في زحام ليس طرفا فيه.

نريد بهذا التشخيص السريع التأكيد على حقيقة الحراك وطبيعته، الحراك وعي استراتيجي استرجع بموجبه عموم الشعب الذي كان عازفا عن السياسي، اهتمامه بتقرير المصير السياسي للوطن، عندما استشعر خطورة الوضع انخرط في العناية باسترجاع وطن، ومدافعة الاستبداد وتفكيك مؤسسات استنساخ الفساد، وقد تشبّث الحراكيون بهذه المطالب في ثبات وصبر وسلمية تُحْفَظُ للجزائريين عموما والميدانيين على الخصوص،  وما دام الحراك شعبي عاما، فهو ليس حزبا سياسيا وإن كان الحراك أكبر  قوة سياسية وطنية في الوقت الراهن، فإنّنا ننتظر منه إزالة المادة “الزفتية”التي وضعت على بعض الأرض التي استصلحها الحراك المبارك لغرس فسائل سياسية، ينتظر الحراك تفعيلا عمليا وميدانيا لتجريف هذا الزفت وتهيئة الظروف الموضوعية لاستنبات قوى سياسية ناهضة تدفع إلى تجديد الحياة السياسية، وتأسيس دولة القانون والحريات والمؤسسات، وتكون وسيلة فعّالة لتجديد القوى السياسية التقليدية أو تبديدها.

في ضوء ما سبقت الإشارة إليه فإنّ مكمن قوّة الحراك في كونه وعيا استراتيجيا حاضنا لفسائل التغيير السلمي السياسي العام، فلا ينتظر منه التحوّل إلى حزب سياسي، ومن انتظر  مثل هذا منه، انتظر المحال، الحراك قوة سياسية شعبية عارمة، تهيّئ الظروف الموضوعية لتكتلات سياسية شعبية تمثّل سندا للحراك، وليست بديلا عنه، فينتظر منها أن تكون ظهيرا له، وليست مزاحمة له أو وسيلة لتشتيت تركيزه على مدافعة الاستبداد وتفكيك مؤسسات استنساخ الفساد، ولقد كان الثبات على هذه المطالب سببا في تفعيل آلية التَطَهُّر الذاتي للحراك.

6 ـ هل تستطيع أن تميز بين الغث والسمين في كل ماطرحه الحراك؟ حدد لنا ذلك بدقة العالم المنهجي ؟

  • نسجّل أنّ الحراك بوصفه عملا احتجاجيا عاما استوعب كلّ طبقات الشعب الجزائري الأبي، وتنوّعت الألوان الإيديولوجية التي تبنّته، وكان حراكا جزائريا عارما بامتياز، له ذات السمات العامة للشعب الجزائري، فلم يكن عدوا للقيم ولا متنصلا من تاريخه القديم والحديث والمعاصر، فلم يكن عدوا للوثائق المؤسسة للدولة، وإذ وجد شيء من ذلك فهو الاستثناء الذي يحفظ ولا يقاس عليه، وتدقيقا في الإجابة على سؤالكم، نلخّص ما طلبت في النقاط الآتية:
  • ضعف الخبرة السياسية، وعدم القدرة على التحديد الدقيق لأولويات التدافع السياسي، ومع ذلك وقع الإجماع على مدافعة الاستبداد وتفكيك مؤسسات استنساخ الفساد، والثبات على ذلك، والصبر على تحمّل أعباء هذه المدافعة والحفاظ على السلمية بكلّ الوسائل. لاشكّ أنّ مردّ هذا الخلل يعود بالمقام الأول إلى التجريف الرسمي الذي تعرّضت له الحياة السياسية والجمعوية بصفة عامة، فتفرّد بذلك كتبة الحواشي على المتن الرسمي، وما زلنا على المسلك نفسه في التعامل مع استنبات القوى السياسية الجديدة. ومما زاد الأمر شناعة أن يشمل التجريف سلطة النخب الثقافية والعلمية، فلا حظ في التأطير الفكري لغير  شارح للمتن الرسمي، وهذا كلّه لا يؤسس دولة، بل يؤسس سلطة تخدمها دولة.
  • وترتّب على قلّة الخبرة السياسية والتدافع الفكري، الوقوع تحت طائلة العواطف، وتقديمها في التفكير والتخطيط وتقدير الأولويات، وهذا وإن كان محمودا ولا مفرّ منه في مستهل الحركات الاحتجاجية وإيجاد زخم تدافعي؛ فإنّه يصبح ضارا إذا ما استمر لمدّة طويلة، ولكنّ تغييبه بإطلاق لا يقلّ خطورة عن تغوّله، لهذا فهو بحاجة إلى تذكير بأهمية التفكير الجماعي في تقدير متطلبات المرحلة الحالية والاستعداد لما بعدها.
  • عرف الحراك زخما شعبيا عاما، وقد شاهدنا في أوّل مراحله تلاحما شعبيا ضاغطا، حدث بعض الشرخ فيه، بسبب عدم تطعيم البعض ضد الاستبداد أو عدم تجديد تطعيمه لدى البعض الآخر لانتهاء صلاحيته، فكان سببا في ظهور من مال عن الحراك، وقَدَّر أنّ الوضعية بناء على ما نُفِثَ في روعه هي خطر  بعض الحراكيين على الحراك (الإسلامي/ العلماني/ الاصطفاف الإثني/ …) فوقع بعضهم تحت طائلة التنافي ونُسيَت القضية المركزية، مدافعة الاستبداد وتفكيك مؤسسات استنساخ الفساد، فتغيّر الموضوع بالنسبة إليهم، فآثروا الميل عن الحراك، أقصد بهذا الصدد أولئك الذين التحقوا به مبكرا ثم انسحبوا، وبالتالي ليس من موضوعنا أولئك الذي عَادَوْه من أوّل وهلة، كما استبعد أولئك الذي ناضلوا من بيوتهم – من غير مانع – في الحراك بعد استقرار مطالبه، ثم تحوّلوا إلى مادحين حامدين كل تصرّفات السلطة، ومصوّبين كلّ ما صدر عنها..

7ـ ما هي علل وأمراض النخبة المثقفة عندنا ونعني النخبة الأصيلة تحديدا…أي ذات المنبت الإسلامي الوطني؟

  • يظن بعض المشتغلين بالتفكير والتدبير العام، أنّ النخبة هي التي تحسن الكلام الذي يصل حدّ الثرثرة، وأقصد بها تلك التي تسمع لها أصواتا ولا ترى لها عملا، أو التي تتفنّن في كتابة شرح على متن الغالب الوقتي المحلي، وهي تظن أن من غلب وقتيا ينبغي أن يبقى دائما، وهو تصوّر ينسفه تاريخ الحراك الاجتماعي في كلّ المجتمعات البشرية، فليس في البَشَر من وصل إلى السلطة وبقي فيها، فالغالب المطلق هو الله، قال تعالى: {وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} [يوسف: 21]، فالقوة دُوَلٌ بين الناس، فليس فيهم من دالت له، فكان الأصل أن يبرمجوا أنفسهم على الباقي الدائم الذي هو الله، فالمتعلّق به هو الذي يكتب لك البقاء عند الله ثم في الضمير الجمعي للمرابطين، لأنّ المكاسب الدنيوية مهما كانت قيمتها عند أهلها لا يحفظها التاريخ، التاريخ يحفظ المكاسب المعنوية المتعدِّيَة الأثر، التي يَعُمُّ خيرها المجتمع في جلّ الأوقات.
  • سكوت النخبة الثقافية العضوية (الرسالية) أطمع القاصرين وقليلي المواهب، فتصدّروا المشهد، وتحالفوا مع من مُلِّك سلطة القول في المعرفة والتربية والإدارة والسياسة، فصار بينهم نوع تقارض، كلّ يمدح الآخر، يَمْدح ويُمدَح المسؤول ليستمر في منصبه، ويبادله الخدم من المحسوبين على النخبة الحمد المتبادل، وكلّ ذلك كان على حساب الوظيفة الرسالية للمؤسسات والمجتمع.
  • شيوع الأمراض المعنوية، وخاصة مرض الكِبْر المُبَطّن، فكان من نتائجه الجلية فقد ” التواضع” للعلم أولا، والمخالف ثانيا، والمجتمع ثالثا، يريد هذا المحسوب على “النخبة” أن يعامل بصفة السيّد لا بصفة الخادم، وهذا داء عضال، يصيب المثقف في مقتل، فالنخبة المعتبرة هي التي تعيش آلام وآمال المجتمع وتشاركه في تحمّل أعباء المدافعة، هذا أقلُّ ما تنتظره المجتمعات من نخبها العضوية.
  • الطمع في نيل رغيف أو وظيف، و من كان له حظّ منها يستشرف الاستحواذ على ظروف محسّنة، مبدأه نحو حياة دنيوية أفضل على حساب المبادئ والوظيفة الوجودية للنخبة، والنخبة التي هذا شأنها ستكون معقولة اللسان، ومكسورة السواعد، فلا ننتظر منها مساهمة في نهضة، بل قد تكون وسيلة لإطالة عهد النومة، وعلى الأقل إطالة وقت الغفوة، فتكون سببا في تخدير المجتمع، ووضع معوّقات تسرطن الإرادة الجمعية، بالنفث في روعها فكرة استحالة التغيير. وأنّ الاستبداد لا يُدْفَعُ ولا يُرْفَعُ، وأنّ مؤسسات استنساخ الفساد أقوى من المجتمع.
  • ضعف مزاولة الثقافة المدنية ميدانيا، نخب – بالرغم من مستواها المعرفي و”وعيها” الحضاري- ليست مستعدة للاستماع للرأي الآخر، منطلقها إقصائي “بدوي” مفاده لا أريكم إلاّ ما أرى، كيف لعقلية فاقدة للقدرة على محاورة المخالف أن تكون أنموذجا في استيعاب التناقضات العريضة في المجتمع؟ العقلية المدنية مستفادة من الثقافة المدنية المؤسسة على ثقافتنا الأصيلة، التي تؤسس لعدم الضيق بالرأي المخالف بل والرؤية المخالفة، لهذا ننتظر من نخبنا حضورا في ميادين الحراك الثقافي الميداني، الحراك الثقافي الجواري.
  • النخبة المحافظة بالرغم من كونها تمثل الغالبية الغالبة في الوطن، إلاّ أنّنا لا نستشف منها استعدادا للتلاقي فيما بينها، كأنّها ليست مستعدة للحوار البيني، تأسيسا لما ينفع البلاد والعباد، فبعضنا استقال، واختار الاستقرار في بُرْجِه العاجي ليكيل منه للمجتمع تهما، هو مُصْدِرُها، ومصدرها الرئيس النخب الساكتة، والطامعة في الوظيف، أو النخب الموسمية، أو تلك تَعُدُّ نفسها في النخب، وهي لا تفكّر في غير المكوث بقرب دفء السلطة، وقد عايشت نماذج “حيّة” من هذا الصنف، فيتّخذ منك موقفًا لمجرّد نقد موقف رسمي، لأنّه برمج نفسه على حركة السلطة لا حركة الفكرة أو الثقافة، والمجتمع الذي يفتقد نُقّادا اجتماعيين عضويين على خطر عظيم، يعرّض الدولة إلى خطر  الإهمال في القابل.

ويحسن أن أختم الإجابة عن هذا السؤال بما يأتي: النخبة التي تُصَدِّقُ السلطة في جميع الحالات ليست صادقة مع نفسها، وليست صادقة مع الوطن، هذه هي النخبة موسمية، وهذه لا تؤسس ثقافة ولا تؤسس مؤسسات تسترجع أمجاد وطن، إنّها طفيليات تنخر كيان الدولة، وتكذب على الله أولا، وعلى السلطة ثانيا، وعلى الأجيال القابلة والمستقبل ثالثا، لهذا ينتظر من الذين يرغبون في مستقبل الوطن إبعاد هؤلاء من تأطير القول في المعرفة والثقافة والتربية، وهي أكبر خدمة تقدّم للمجتمع.

8 ـ طرحت الكثير من الأفكار النضهوية الهامة في بعض كتبك ..هل يمكن أن تجملها للقاريء حتى يحيط بحقول اهتماماتك الفكرية؟

  • النهضة مبدأ يسكن الوجدان ويهيمن عليه بالمقام الأوّل، فلا نهضة بغير مبدأ باعث على النهضة، بشرط أن يتحوّل من رؤية إلى تدبير، وبهذا الصدد أؤكّد أنّ التفكير ووضع الرؤى يختلف عن وضع مسالك التدبير، فليس كلّ مفكّر صاحب رؤية يصلح أن يكون مدبّرا، لهذا فنحن بحاجة إلى مستويات ثلاث:
  • الرؤية أولا، والتدبير ثانيا (وهو البرنامج العملي القابل للتطبيق)، والتطبيق ثالثا، وهذا بحاجة إلى معرفة تفصيلية بالسواعد التي تجسّد المشروع في شعاب الحياة، ولكلّ مقام رجاله وأهله، فنحن بحاجة إلى تكاتف الجهود ورصِّ الصفوف كلّ في القلعة التي يرابط فيها.
  • التغيير حركة جماعية تحوّل المناجاة الفردية إلى مناجاة جماعية تتحرّك في شعاب الحياة، وليست معارف نظرية صرف، وهذه العملية مقدور عليها فرديا وجماعيا، ومن ينشر في الناس العجز عن التفكير والتدبير في حاضرنا ومستقبلنا فهو في مقدّم جيش المعادين للوطن والأمة، لهذا فالبشر خلقوا قادرين على التَغَيُّرِ ومزاولة التغيير فرديا وجماعيا، و ما حلّ بهم من عجز  ليس أمرا أصيلا في الإنسان أي ليس خِلْقِيًا بل مكتسب من الحاضنة التربوية والسياسية والثقافية، فالمنظومات التعليمية والسياسية والمجتمعية هي مصدر  إصابة الإرادة في المقاتل، لهذا ينتظر النظر في الحضانة (وهي مؤسسات صناعة أنموذج الإنسان) من جهة موادها ووجهتها لمنع استئصال ّالقدرة على التغيير(خُلِقَ به الإنسان مزوّدا في أصل الخلقة)، ثم تنمية هذه القدرات بالتعليم العملي الميداني.
  • يمثّل الإيمان كما في الاستعمال القرآني والنبوي عاملا مهمًّا في النهضة الحضارية إنشاءً واستبقاءً وانتشارا ، وهذا أمر لا يُنْكِرُه إلاّ مكابر، ولكن تسويق نسخ شبيهة به بعنوان النسخة الأصلية حال دون الخلوص إلى المراد، لهذا نحن بحاجة إلى الاستئناف الإيماني بالنسخة الأصلية لا بالنسخة المضروبة، الإيمان الحاضر فينا والحاضر بنا في شعاب الحياة، إيمان يبعث على الانخراط في خدمة الخلق مرضاة للحق، نعتني بالإيمان الباعث على الحضارة، ونظرا لتعرَّض الإنسان لحالتي الضعف والقوة، فإنّ الإيمان بحاجة إلى تجدّد، ولكن نجَدِّد ما به نتجدّد ونجدّد صلتنا بالله وحضورنا في شعاب الحياة، إيمان يدفعنا إلى مركز الحركة بالفكرة في التاريخ، وبالتالي يدفعنا إلى تجديد الوقوف عند الوظائف الوجودية للإيمان، فيتحوّل الإيمان من موضوع للتنازع إلى مبدأ دافع على الحركة، إيمان يؤسس الرؤية الضابطة لموقفنا من الكون والحياة والإنسان، ويبعث الوعي بقدرتنا على تدبير شأننا العام والخاص بمقتضيات الإيمان، إيمان هذا شأنه يغرس فسائل التحضّر في الأنفس، ويسترخص المهج لأجل التفكير الجدي في حضارة راشدة إنسانية الأفق، ولا يتحقق المقصود بغير تدافع إنساني يعمل على إسعاف الإنسانية للخروج من ورطة الاضطراب في التعامل مع الهدايات الإلهية المبثوثة في كل تفاصيل الكون وجزئياته.

 9ـ أنت على معرفة، وربما على صلة مباشرة، ببعض التجارب الناجحة في العالم الإسلامي كالتجربة الماليزية والتجربة التركية ..حدثنا عن ذلك وما يمكن أن تستفيده الجزائر من ذلك ؟

  • ما النجاح أولا؟ وثانيا: هل يمكن تقويم التجربة وهي في مرحلة تحرّك، بمعنى هل يمكن تقويم تجربة لم تكتمل؟ وهو ممكن إذا كان المعيار هو المكاسب الآنية سواء كانت مادية أو معنوية، من غير تدقيق في إمكان دوامها واحتوائها على عوامل استبقائها؟

المكاسب المادية للدول التي أشرت إليها لا تنكر، مستويات المعيشة مقارنة إلى ماضيهم القريب إيجابية، ولكن استمرار النمو بحاجة إلى وقت ليتيسّر لك الحكم على التجربة.

لا حكم على التجارب قبل اكتمال دورتها، لهذا نسجّل لها نوع نجاحات مرحلية، تسعفنا في التفتيش عما ننتفع به من تجارب الآخرين، رأس ما يطلب التنبيه له أنّه لا نهضة بغير مبدأ باعث على الانخراط في الحركية التنموية العامة، يتعيّن أن يكون المبدأ متّسما بقوّة ذاتية تبعث في النفس الدافعية الإيجابية، كما يطلب أن يكون التعبير عنه بسيطا قابلا للفهم وقابلا للامتثال والتجسيد، فلا يكون فكرة معقّدة، وإغراقا تنظيريا جافا، ولا مطمع في إيجاد هذه المبدأ في غير الإسلام، وعمدة ما يركن إليه في هذا الدين “الإيمان”، ولكن ليس الإيمان الذي انزاح به متداولوه عن استشراف أفق الإنسان الكامل (سيّدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلّم)، فأصبح مقولة للنقاش ومقولة للغلبة وإذلال المخالفين المليين والمذهبيين.

الإيمان الأصلي يقوم على الحرية في مواجهة كلّ أشكال الاستبداد المعطّلة للمواهب والاستعدادت، لأنّ الله علّمنا عمليا بطريق الخبرة النبوية الماثلة أنّ الإيمان إفراد الله بالعبادة، فلا يسوغ أن نعامل الخلق معاملة الحق، فالخلق خلق والحق حق، فلا يستثنى من النظر  النقدي للتصورات والتصرفات أحد، بشرط أنْ يتولاه مؤهّلون معرفيا وأخلاقيا، و لا مدخل لذلك بغير الحرية، وقد قال سيّدنا عمر بن الخطاب (رضي الله عنه): متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أحرارا، فالمدخل  الرئيس هو الحريات، وقد يدفعها البعض بأنّ الحرية رأس كلّ بليّة، والواقع أن الاستبداد هو أُمُّ الخبائث السياسية، والحرية حتى بالموازين البشرية أحسن من الاستبداد ألف مرّة، لأنّ الحرية وفق النسخ البشرية المتداولة فيها من السلبية ما لا ينكر، ولكنّها الفرصة الموضوعية للإنكار على ما يسوّق بعنوان الحرية وليس منها، الحرية هي الوسط المثالي لاستنبات الفكر الصحيح والبديل الصحيح.

والمرافعة عن الحرية تحتاج إلى مستويات وعي ثقافي وحضاري مقبولة على الأقل، وهذا يـتأتى نيله بيسر في أجواء التعليم الجيّد، لهذا يعدّ إصلاح نظام التعليم وأوضاع المعلمين والأساتذة مدخلا مُهمّا للنهضة الراشدة، وبتطوير التعليم تنمو الحاجة إلى تطوير تطبيقاته (التكنلوجيا)، قياما بوظيفة الحياة العامة ومتطلباتها. ومأتى الفعالية في ذلك هي المبدأ الموجّه للإرادات الفردية والجماعية  المستفاد من الإيمان بوصفه باعثا على الانخراط في خدمة الخلق مرضاة للحق، طبعا كلّ الخلق فيشمل ما (ما حولك من عالم غير العاقل) ومن حولك (عالم العقلاء).

  • مدافعة الفُرْقَة بالاتّحاد والوحدة، والعمل على استجلاب كل ما من شأنه أن يقرّب الناس من بعضهم، والابتعاد عن الخطاب الذي يفرّق، لأنّه سيكون خطابا صارفا للطاقات في غير أبوابها النافعة، وطريق تحقيق ذلك الحوار الجاد المفضي إلى وضع تصور مشترك لمشاريع النهضة وتنفيذها في شعاب الحياة، وهذا بحاجة إلى حوار مجتمعي عميق، نبتعد فيه عن منطق الأمالي الذي مورس منذ لحظة الدولة الوطنية (دولة الاستقلال)، فالشراكة الحقيقية مبناها الحريات وتفعيل الطاقات بشكل إيجابي فعّال، ووسيلته الحوار بين النزهاء في الوطن.

ونلاحظ أنّ جو الحريات في مجتمع متمدّن، يسمح بالنشوء السنني لقوى التغيير  السياسي والاجتماعي والثقافي، ويسمح بظهور النخب العضوية، كما يمثّل هذا الوسط مُبِيدًا موضوعيا للطفيليات السياسية والثقافية، فلا شكّ أن الحرية تفعل ذلك مع الصبر والمصابرة في المرابطة الفكرية، إنّها ستطهّر الوسط من الطفيليات الملوّثة للبيئة الفكرية والمادية، ولا يضيق بالحرية إلاّ فاقد حجّة أو نصير استبداد أو أن يكون مشغولا بالغنيمة التي نالها بغير وجه حق.

ويستشف مما سلف أنّ خصوصيات التجارب لا يمنع من وجود نوع من المشتركات المؤسسة للنهضة، وكلّ محاولات استنساخ التجارب من غير نظر في التربة التي استجلبت لها التجربة، تعرّض المجتمع بل وحامل المشاريع نفسه إلى نكسات لا قبل له بتحمّلها.

10ـ ألا يبدو  لك أن هناك إشكالا فيما يتصل ب”النقد الذاتي”الذي تخلو منه ساحاتنا الثقافية والفكرية والدينية؟.

  • يُمَثِّلُ النقد الذاتي أهمّ عوامل الإصلاح، والتجديد نفسه في حقيقة الأمر عملية نقد ذاتي، فلو راجعت تجارب المصلحين العضويين، لوجدتهم عاملين على إحياء ما اندرس أو استبعاد من أقحم من عوامل مثبطة للعزائم، لهذا فالنقد الذاتي إذا أتى من العاملين (وبالتالي أستبعد نقد البطّالين) العضويين، سيكون بمثابة قيمة إيجابية مضافة.

النقد الذاتي ليس مسموعا ولا مما يعار له البال، إذا مارسه ناقم على المجتمع ، كأنّه يريده التنصّل من كلّ ميراثه العلمي والقيمي وتاريخه النضالي العريق، فهذا ليس نقدا ذاتيا هذا تدمير شبه ذاتي، وسيلته الإغارة على الميراث المعرفي للمجتمع بتحريض غير الأكفاء من المنتسبين إلى البحث العلمي، ويريد آخر نقد التراث، لا بصفة الناقد البصير المبدع ولكن بصفة الناقل الباث لمقولة غيره من غير استيعاب لها ولا معرفة بمصباتها، فتجد الناقد ينقد محمد بن إدريس الشافعي (رضي الله عنه)، ويدّعي على ملء من الناس أنّه لا يريد أن يكون مقلّدا له، وهو في كلّ ما قاله مقلّد لمعاصر لا يصل معرفيا ورساليا وأخلاقيا، عُشُرَ  عُشُر معشار الشافعي، وأنا أعلم بأن أحسن أحوال هؤلاء أن يفهموا كلام شرّاح رسالة الشافعي، فضلا عن فهمها من غير وسيط ميسّر، ومن كان هذه  طبقته، كيف له أن يفكّر بتجاوزه، وليس معنى ما ذكرناه القول بعصمة الشافعي، ولكن البحث العلمي الرصين، يفرض التدقيق فيمن يحقّ له أن يقول هذا القول؟ ما مستواه العلمي، فيما يريد نقده؟ فضلا عن كون هذا الموقف مبناه ربط المعرفة بالتاريخ، وهو غير موضوعي، إذ ليس كلّ لاحق أحسن من السابق، وبهذا نذكر قصّة مهتم بالدراسات الشرقية، كتب عن “تجديد الفكر” وهِيَ محاولة حَرَي بأن تنزل في خانة محاولات تبديد الإسلام نفسه، ملأ  ضجيج هذا “الأستاذ” الشرق، والشرق فقط، فلا قيمة لما كتبه في الغرب، سأله مستشرق يقرب أن يكون من جيل أساتذته، هل تملك القدرة المعرفية والكفاءة العلمية التي تسمح لك بفهم الجاحظ فضلا عن إفهامنا كلامه؟ فسكت ولم ينبس ببنت شفة.

النقد الذاتي مهمّ في كل الميادين المعرفية والثقافية والسياسية، ولكن موضوعيا لا يزاوله إلاّ من تأهّل لمثل هذه المهمّة الحضارية الرائدة، فلا ينتظر لحاقد تشرّب الحقد على أهل السنة مثلا أن يزاول نقدا علميا متعلّقا بخبرتهم المعرفية والاجتماعية والسياسية، وخاصة إذا أضاف إلى الحقد النظرة الشعوبية النَتِنَة المُنْتِنَة، نعم ننتظر أن تتحوّل ثقافة النقد الذاتي إلى مشروع عام يقوم به كلّ مؤهّل في القلعة التي يرابط فيها، هذا هو المنتظر لأنّنا أمّة قال فيها الله تعالى:{ كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ}، فهي خصيصة الأمة، وليست خصيصة طبقية أو مهمّة بعض المجتمع دون البعض، ومحاولات جعل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خاصا بفئة من المجتمع محاولات تشتم منها رائحة مناصرة الاستبداد والتخلّف، لهذا يجتهد العقلاء في استعادة الأمة لهذه الخصيصة الجوهرية.

11ـ لو سألتك هذا السؤال الصريخ المختصر …”ماذا ينقصنا بالضبط ” .ما هو جوابك؟

  • ينقصنا استعادة العامل الأخلاقي إلى مركز السعي النهضوي، فالأمم الأخلاق ما بقيت، فإن ذهبت أخلاقهم ذهبوا، والأخلاق ليست كما تُصَوَّر معارف يُتَبَاهى بها في المجالس، ويناظر بها المخالف، بل هي مراعاة الأمر والنهي الإِلَهِيَيْن في التعامل مع كلّ ما ومن حولك، وما الخلل الذي نعيشه في حياتنا العامة إلاّ ثمرة من الثمار الضرورية لغياب البُعْد الأخلاقي في تصرّفاتنا، الأخلاق برنامج مكثّف يستغرق الأنفاس، ويضبط التصرّفات، ويؤطّر التصوّرات ويعيّن الوجهة، ويوجد الدافعية ويحافظ عليها. ولا مطمع في تحقيقه ما لم يكن الباعث الأخلاقي مُنْطَبِعا في الوجدان متمكّنا من القلب مهيمنا على العقل، فيزيد العقل عقلا والقلب اتّقادا والسواعد بذلا في شعاب الحياة.لهذا ليس المقصود معرفة الأخلاق، بل المُراد التحلي بها واستشعارها في حركة الفكر  والفعل المترجم في المجتمع.

الأخلاق مدخل مهمّ لعدم الزهو بحالة الإيمان، لأنّ إيمان الموافاة لا يعلمه إلا الله (نسأل الله الثبات)، الأخلاق مدخل للتواضع للخلق الذي هم مثلنا ضحايا لنوع ما من أنواع المحاضن الفكرية والنظرية أو هم ضحايا قصور معرفي أو  مكبّلات إيديولوجية، المدخل الأخلاقي للتواصل الموصل، يَعُدُ المخالف الملي ميدانا للبلاغ والتذكير والتعارف والتعاون، ويعدُ المخالف المذهبي معينا على بذل المعروف للمجتمع، ويتعامل مع المخالف الوطني –بصرف النظر عن خلفيته – معاملة الشريك في الأرض الأخ في الإنسانية على الأقل، أما إذا تعلّق الأمر بمدافعة التشويه فهذا شأن سنني، لأنّ الذي يقبل الدَنِيَّة في دينه ووطنه استحكم فيه داء فقد المناعة الفكرية، يصل به إلى حدّ مرض انتكاس الفطرة، والذي يعادي لمجرّد الاختلاف ويرغب في ممارسة الأمالي لا يقل مرضه عن السالف الذكر، وفي هذا السياق يعدّ كلام ابن باديس في الإنسانية من المفاتيح الأساسية للتأسيس للتعاون الإنساني الراشد، فضلا عن كونه غنيا في الإيحاءات الإيجابية للميزة الإنسانية، فحب من أحسن إليك أو توسّمت فيه الإحسان فطري، وبُغْضُ من أساء إليك أو توسّمت فيه الإساءة فطري، والميل عن ذلك حين وجود دواعيه انتكاس للفطرة.

12 ـ بصراحة ..هل تمتليء بالأمل والرجاء في غد أفضل وأثمر ..أم العكس ..في ضوء ما يجري في الساحة اليوم ؟

  • لو لا الأمل لتوقّفت الحياة، فالأمل في تحسين الوضع الاجتماعي سبب في التعلّم والتعليم، والأمل في إنجاب سبب في الزواج، والأمل في النجاح سبب في البذل، فالحياة أمل وسير واجتهاد، فلو استسلم الإنسان لليأس لكان في مُقَدَّم جيش الغزاة، ينفث في روع عموم الناس اليأس والتيئيس الذي يمثّل مرضا أخطر من السرطان، لهذا ندفع اليأس بالأمل المبني على العمل الجدي المخطط له.

ننتظر حراكا فكريا ميدانيا يخطط لتحقيق أهدافه، ويستنفر المجتمع لأجل تحقيق هذه الغاية، لا نريد أملا كاذبا ، نريد أملا تصدّقه القلوب وتخطط له العقول  وتترجمه السواعد، خدمة في شعاب الحياة.

إنّنا إن لم نعمل على بثّ الأمل بالحركة الميدانية سيأتي غيرنا ليقوم بهذه المهمّة الرسالية، لأنّ المجتمعات مهما كانت فترات كبواتها، ستستعيد بإذن الله مبادرات نهضتها بنا أو بغيرنا. لهذا حدّث نفسك بالخدمة واتّخذ لها أسبابها ستكون أحد المستعملين في ميدان النهضة الحضارية الراشدة

13– أخيرا…كلمة منك للقراء والقارئات..

  • تحرّكوا بالعمل الميداني فهو ما يحفظ لكم وجودكم المعنوي والمادي، ولا تكتفوا بترديد المقولات، عيشوا في ضوء أمانة الاستخلاف، تعيشون باذلين للمجتمع والأمة لما استخلفتهم فيه من منح ربانية مادية ومعنوية، فأنتم لستم مالكين أصليين لها، بل هي أمانات استؤمنتم عليها، فأدوا حقّ الله فيها.

لنا حقّ التصرّف فيها تصرف المؤتمن، فيحرم علينا بذلها في غير ما جُعلت له، فلا يسوغ التصرّف فيها تصرّف المالك الأصلي. فما نصيب الاستخلاف في مراعاة صحتنا المادية والمعنوية، وما نصيبه في أولادنا، وما نصيبه من أوقاتنا، وما نصيبه من سعينا في شعاب الحياة، استحضار الاستخلاف أن تكون في حراك دائم يستغرق الأنفاس، وهو عين  استرجاع استشعار العنصر الأخلاقي في تصوّراتنا وتصرّفاتنا.

عن المحرر

شاهد أيضاً

الدكتــــور خالـــد بلعربـــي فــي حـــوار مع جريدة البصائر: هي ثورة ألهمت أحرار العالم وحرّرت القارة الإفريقية

تحدث الدكتور خالد بلعربي، أستاذ بجامعة سيدي بلعباس، في حوار له مع جريدة البصائر الجزائرية، …