أخبار عاجلة
الرئيسية | على بصيرة | ظلموك وما أنصفوك أيتها المرأة!

ظلموك وما أنصفوك أيتها المرأة!

أ. د. عبد الرزاق قسوم

حيوا معي، بالحب والوفاء، حاضنة الأجيال، وصانعة الرجال، وزارعة القيم في نفوس الأبطال.

حيوا معي المرأة الإنسان؛ وهي الأم التي تفيض بالعطف والحنان، والزوجة التي يطبعها الوفاء للزوج والولدان، والأخت التي تتفانى في خدمة الأب والإخوان.

إن هذه المرأة، التي هي رمز الخصوبة والنماء، وعنوان الطهر والصفاء، هي التي ظلموها في جاهلية الدهر، حينما حكموا عليها بالإذلال والإقصاء، وحرموها معاني الوجود والبقاء، وحكموا عليها في جاهلية العصر بكشف الغطاء، وتجريدها من العفة والحياء، ومنحها نصف يوم في السنة هبة وسخاء.

لقد تلاقت الجاهليتان القديمة والحديثة على ظلم المرأة فكشفتا عن سترها المصون، وألقوا بها في عالم الفسق والمجون، وقالوا عنها:

هكذا يجب أن تكون، أو لا تكون!

بئست الجاهلية في كل صورها، هذه التي تعمد إلى إنسانية المرأة، فتعدم قيمها؛ وبئست الحداثة التي تعبث بصورة المرأة البهية النقية فتلوثها، وتشوه أنوثتها.

يصنع الصانعون وردا ولكنْ           

وردة الروض، لا تضارع شكلا.

وتبارك الله الذي، أنزل القرآن رمزا للإسلام، فبوأ المرأة مكانا عليا، وصانها من كل إسفاف وعاملها  بكل إيلاف بما تستحق من الإنصاف.

لقد ضمن الإسلام للمرأة حقها في العبادة، فسوّى بينها وبين الرجل.

﴿ إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً ﴾ [سورة الأحزاب، الآية : 35].

وقال تعالى أيضا: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [ سورة النحل، الآية : 97].

هكذا إذن خلق الله المرأة شريكة للرجل في كل مجالات الحياة، وجعلها آية من آياته: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [ سورة الروم، الآية : 21].

فهل يستوي هذا القول الإلهي الإسلامي، مع الظلم الحداثي للمرأة، الذي اختزل الجاهليون كل معالمها، الجليلة والنبيلة، في المفاتن، وحوّلوها إلى أداة للإشهار، وعرضوا جسدها متعة للأنظار؟

وهل من العدل تخصيص نصف يوم من السنة للمرأة، كعنوان، للاعتراف بحقوقها، في حين أن الواجب هو أن تكون كل السنة، مخصصة للإنسان في جانبيه الذكوري والأنثوي؟

إن المتأمل في واقع المرأة، الغربية، مقارنة بالمرأة المسلمة، يكتشف مدى معاناة المرأة الغربية، التي فقدت إنسانيتها في سوق المنافسة، فحولت إلى شيء، شأنها في ذلك، شأن أي شيء مادي، في حين تمتاز المرأة المسلمة بالصيانة، تماما، كما تصان الجواهر الكريمة، والأشياء العظيمة.

ففي مجال التعامل الاجتماعي، تبرز المرأة المسلمة، بحجابها، محفوظة الكرامة، موفورة العزة والشهامة.

فقد ضمن الإسلام للمرأة المسلمة، مهراً هو رمز مكانتها، وجعل للمهر حداً أدنى، ولم يجعل له حدا أقصى، فقال تعالى: ﴿ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَاراً فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً ﴾ [سورة النساء، الآية: 20 ].

كما ضمن لها، الذمة المالية، باستقلالية ملكيتها، فأسقط عنها النفقة، إلا بإرادتها وخاطب الإسلام الرجل بقوله: ﴿ لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ﴾ [سورة الطلاق، الآية: 07].

لذلك، أوجب الإسلام على الأب أو من يعول المرأة، حق تعليمها، فقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً﴾ [سورة التحريم، الآية: 06].

وقارن بعض المفسرين بين من كان يدفن ابنته حية في الجاهلية كَحَالِ من يترك ابنته تسبح في الجهل. ﴿وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ﴾ [سورة التكوير، الآية: 08،09].

من هنا تتجلى لنا، الرابطة القوية بين المرأة، والأسرة، والمدرسة، فرسالة التربية والتعليم، سواء في البيت أو في المدرسة، منوطة بالمرأة، لأن المرأة هي المطالبة بإرساء قواعد الهوية، والانتماء.

فمن التحديات الكبرى التي تواجه المرأة المسلمة، في عصرنا الحديث، عملية التفتيت الممنهجة التي تتم داخل الوطن العربي، والأمة الإسلامية، فإذا تبين لنا ، دخول المرأة عالم الإجرام، فلنعلم أن ذلك هو نهاية المجتمع.

فلنخضع، بدعة الاحتفال بيوم المرأة العالمي، إلى التأمل الدقيق والعميق في ضوء الممارسات السائدة، لنكتشف مدى الظلم الذي يسلط على المرأة، بدءًا بالتحرش الجنسي، وانتهاءً بالاغتصاب، والعنف الجسدي.

ينبغي أن تكون قراءتنا، للاحتفال بيوم المرأة العالمي، بعقل مفتوح، وقلب واع، ولنجعل من اليوم العالمي للمرأة، العام العالمي لها، نكرمها، ونعلمها، ونبوئها المكانة اللائقة بها، لأنها حارسة القيم الإنسانية العليا، والمؤتمنة على تحصين الأجيال الصاعدة ضد داء فقد المناعة البدني والإيديولوجي.

وإذا كان لنا من همسة نهمس بها في أذن المرأة المسلمة، فهو أن نقول لها، كوني حيث أراد لك الإسلام أن تكوني، أي القدوة للطفل، والمثل الأعلى في السلوك والمعاملة للجميع.

ولكي يتحقق هذا، لا بد على المرأة المسلمة أن تكون، واعية بالعطب الحضاري الذي أصيب به المجتمع المسلم، لأسباب يعود جانب منها إلى المرأة، سواء عن وعي أو عن غير وعي.

أما البهرجة التي يتعلق بها بعض النساء باسم المدنية، وتقليد المرأة الغربية، فهي لا تعدو أن تكون غثاء كغثاء السيل، كما جاء في الحديث النبوي الشريف.

إن الجراحات التي يفتحها الاحتفال بيوم عيد المرأة العالمي، أكثر من أن تضمد مما يذكرنا بقول أبو الطيب المتنبي:

فَصِرْتُ إذا أصابَتْني سِهامٌ         

تكَسّرَتِ النّصالُ على النّصالِ

إنها آهة مكلوم، فرضتها سموم هبت على محيطنا ، باسم التقليد الأعمى والتجديد المزيف، وإذا لم تعِ المرأة المسلمة عواقب وخطورة، ما يتهددها من مخاطر، بسبب هذا التقليد الأعمى، فعلى الدنيا السلام.

وإذا أصيب القوم في أخلاقهم           

فأقم عليهم مأتما وعويلا

لقد ظلموك حقا، وما أنصفوك أيتها المرأة العزيزة.

 

 

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

أحسنوا الإصغاء لدرس الشعب في الاستفتاء

أ.د. عبد الرزاق قسوم رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين/ سما شعبنا الجزائري، بفطرته، وفطنته، إلى …