السبت 14 شوال 1441ﻫ 6-6-2020م
أخبار عاجلة
الرئيسية | وراء الأحداث | في ذكرى العالم الذي أحب الجزائر

في ذكرى العالم الذي أحب الجزائر

عبد الحميد عبدوس

تمر اليوم الاثنين ( 9مارس2020) الذكرى الرابعة والعشرون على رحيل العالم المجدد، ونجم الدعوة الإسلامية الراشدة  الشيخ محمد الغزالي الذي وافته المنية يوم 9 مارس 1996م بالسعودية أثناء مشاركته في مؤتمر حول الإسلام وتحديات العصر، الذي نظمته العربية السعودية، ودفن بجوار الإمام مالك بمقبرة البقيع بالمدينة المنورة، وكان قبلها صرح بأن أمنيته أن يدفن في البقيع وحقق له الله تعالى ما تمنى عن عمر ناهز 79سنة.

ولد الشيخ محمد الغزالي أحمد السقا يوم 22 سبتمبر 1917م في قرية نكلا العنب في محافظة البحيرة، بجمهورية مصر، سمي الشيخ محمد الغزالي لأن والده رأى في منامه الشيخ الغزالي الذي قال له : “إنه سوف ينجب ولدا” ونصحه أن يسميه على اسمه الغزالي فما كان من الأب إلا أن عمل بما رآه في منامه،   نشأ الشيخ الراحل في أسرة بسيطة محافظة  متدينة، متكونة من الأب والأم و5 إخوة.

تخرج  العلامة محمد الغزالي من جامعة الأزهر عام 1941، ثم حصل على درجة “العالمية” سنة 1943م ، بدأ رحلته في الدعوة إلى الله في مساجد القاهرة وخارجها،  وفي سنة 1945 أ طلق عليه الشيخ حسن البنا  مؤسس جماعة الاخوان المسلمين لقب ” أديب الدعوة ”.. تدرج الشيخ في المناصب في السلك الديني، فصار مفتشًا في المساجد، ثم واعظًا بالأزهر الشريف، ثم وكيلاً لقسم المساجد، ثم مديرًا للمساجد، ثم مديرًا للتدريب فمديرًا للدعوة والإرشاد.

كان الشيخ الغزالي غزير العلم متمكنا من ناصية العديد من العلوم الإسلامية، ومنفتحا على الثقافات الغربية، وبقدر صلابته في الدعوة إلى الحق ومعارضة الاستبداد ،و رفض الرضوخ لنزوات الحكام  كانت دعوته إلى الدين تسير وفق منهجية الوسطية والاعتدال، وكان يعبر عن آرائه بطريقة سمحة متحضرة، وكانت مواعظه تتسم بالليونة والجاذبية والتأثير . ساهم في إثراء الفكر الإسلامي بتأليف عشرات الكتب التي ترجمت إلى عدة لغات منها الإنجليزية والفرنسية والتركية، وآلاف من المقالات والحوارات الصحفية والأحاديث الإذاعية والتلفزيونية ومئات المناظرات الفكرية التي خصصها للدفاع عن الإسلام ضد أعدائه من الملحدين والمرتدين والمنصرين والصهاينة والصليبيين.

في سنة 1972  زار الشيخ الغزالي الجزائر للمشاركة في الملتقى السادس للفكر الإسلامي المنعقد  بالجزائر من 24 جويلية إلى 10 أوت 1972،وقد تميز الملتقى المصادف للذكرى العاشرة لاستعادة الجزائر لاستقلالها الوطني بإلقاء الشاعر الثوري العملاق مفدي زكريا لقصيدته الخالدة ( إلياذة الجزائر). ، ثم تواصلت المشاركة المميزة للعلامة الشيخ الغزالي في ملتقيات الفكر الإسلامي طوال سنوات الثمانينيات ( من 1980 إلى 1990). ربطت الشيخ الغزالي بالجزائر علاقة مشحونة بالحب والتقدير والعطاء العلمي الخصيب

في عام1984 اكتمل تشييد جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية بقسنطينة، روى لي الشيخ عبد الرحمن شيبان الذي جمعته علاقة صداقة وتقدير متبادل بالشيخ العزالي، أنه لما كان يشرف على ملتقيات الفكر الإسلامي بصفته وزيرا للشؤون الدينية ( من 1980إلى 1986) وبعد استشارة الرئيس الشاذلي بن جديد ،طلب من الشيخ الغزالي الإشراف على المجلس العلمي للصرح الجامعي الجديد، فاعتذر الشيخ الغزالي عن قبول العرض لكونه مرتبطا مع دولة قطر بعقد عمل ، فقال له الشيخ شيبان : أسألك يا شيخ ،أي الخيارين أولى لخدمة الإسلام :العمل في الجزائر التي هي بوابة إفريقيا و تقع على مقربة من أوروبا في ضفتها الجنوبية، أم العمل في قطر التي تقع في محيط عربي إسلامي متجانس ولا تعاني من أي تهديد لهويتها  أو مساس باستقرار ها؟

قرأت في بعض وسائل الإعلام الجزائرية  رواية أخرى عن حادثة استقدام الشيخ محمد الغزالي إلى الجزائر لتولي رئاسة المجلس العلمي للجامعة وتقول الرواية أن الرئيس الأسبق الشاذلي بن جديد هو الذي طلب شخصيا من الشيخ الغزالي ذلك الأمر ،وربط فتح جامعة العلوم الإسلامية بقسنطينة بقبول الشيخ الغزالي الإشراف على مجلسها العلمي .

والثابت أن علاقة الرئيس بن جديد بالعلامة الشيخ الغزالي كانت علاقة مباشرة ودية ومتينة وأن الرئيس بن جديد وفر للشيخ الغزالي كل وسائل الراحة من إقامة مريحة وسائق خاص، وكل ما يحتاجه الشيخ في عمله الأكاديمي والدعوي، وهو الذي اقترح عليه تقديم برنامج ” حديث الاثنين” في التلفزة الجزائرية الذي كان من أنجح البرامج الدينية في فترة الثمانينيات من القرن الماضي.  وكان الرئيس الشاذلي بن جديد  يستضيف في بيته وعلى مائدته الشخصية الشيخ الغزالي في شهر رمضان .وللتذكير فإن الشيخ الغزالي كان قد فقد زوجته في السنة الأولى التي قدم فيها إلى الجزائر فحضر جنازتها في القاهرة، وعاش وحيدا على مدار تواجده في قسنطينة، و رفض إعادة الزواج مرة اخرى رغم العديد من الاقتراحات  والعروض التي حاول البعض اقناعه بها.

أتذكر أنه في سنة 1984 كنت موفدا عن جريدة ” الشعب ” الوطنية لتغطية الملتقى الثامن عشر للفكر الإسلامي الذي عقد بفندق الأوراسي، تحت عنوان “الصحوة الإسلامية والمجتمع الإسلامي”، ، وكان الشيخ الغزالي جالسا في منصة الندوة التي ترأّسها الدكتور عبد الرزاق قسوم، وشارك فيها الدكتور محمد أركون كمحاضر، وعرض الدكتور أركون في مداخلته رأيه القائم على اعتبار القرآن الكريم خطابا لغويا يجب أن نخضعه لأحكام ومقاييس النقد البنيوي، أي أن نعامل القرآن الكريم الذي يؤمن المسلمون بأنه وحي إلهي مقدس كما نعامل أي نص بشري، نطبق عليه مناهج العلوم الاجتماعية لتحليله وفهمه.

وقد استفز هذا الرأي الشيخ الغزالي الذي قاطع الدكتور أركون قائلا له: ” إن أباك رحمه اللّه قد أطلق عليك خير الأسماء، وهو اسم محمد صلى اللّه عليه وسلم قناعة منه بأنك مسلم، ولكن إذا كنت تعتقد صحة ما تدعو إليه فأنت مرتد” ،  فردّ الدكتور أركون بعصبية: ” أنا مسلم ولا أحد يعلمني الإسلام ،ولا أقبل من أي أحد أن يشكك في إسلامي”. وعقّب الشيخ الغزالي قائلا: ” إذن عليك أن تكرر أمام هؤلاء الحضور شهادة أن لا إله إلا اللّه وأن محمدا رسول اللّه” ، وصدرت من بعض الحضور صيحات مؤيدة لكلام الشيخ الغزالي، فانسحب الدكتور أركون من الجلسة غاضبا ، بعدها طلب مني المفكر الإسلامي مولود قاسم وزير الشؤون الدينية الأسبق أن أحاول تطييب خاطر الدكتور أركون بأن أجري معه مقابلة صحفية لجريدة الشعب.

بعد بذلك بسنوات طلبت من الصديق المفكر حمزة يدوغي أن يربطني بموعد مع الشيخ الغزالي لإجراء حوار صحفي معنه واستقبلني  في غرفته بفندق الأوراسي وحاورته في عدد من القضايا الإشكالية يومها، وعلى رأسها رأيه في الغناء، واعجبت خلال اللقاء بحجم تواضعه ورقة مشاعره  ودماثة أخلاقه بقدر إعجابي بغزارة علمه ووضوح أفكاره وقوة حجته.

بقي الشيخ الغزالي مدة 5 سنوات في الجزائر، لم يبخل فيها بجهده وعلمه على أبناء هذا الشعب طيلة فترة وجوده في الجزائر ،ومازال الكثير من الجزائريين يذكرون إسهامه المتميز في تطوير جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية بقسنطينة، التي ترأس مجلسها العلمي. و ساهم الشيخ بشكل فعال في تحديد الاستراتيجية العلمية للجامعة الكبيرة ، وأسس لبرامج تعليمية واضحة وثرية، ودرس فيها الفقه والتفسير لطلبة أصبحوا من خيرة الإطارات الجزائرية في المجال العلمي والدعوي .

قبل مغادرة العلامة الشيخ محمد الغزالي الجزائر في سنة 1989  لأسباب صحية كرم الرئيس الشاذلي بن جديد الشيخ الغزالي في يوم 31 مايو1989 بوسام الأثير ، اعترافاً بجهوده التي قدّمها للجزائر، ولجامعة الأمير عبد القادر. رحم الله العلامة المجدد الشيخ الغزالي الذي سخر حياته وعلمه لخدمة الإسلام وكان آخر ما نطق به قبل التحاقه بالرفيق الأعلى : ” نريد أن نحقّق في الأرض لا إله إلا الله”.

عن المحرر

شاهد أيضاً

مجـــازر الثــامـــن مـــــاي 1945 … مازال قانون تجريم الاستعمار الفرنسي معطــــلا !

أ. عبد الحميد عبدوس / رغم أن مظاهر إحياء ذكرى مجازر الثامن ماي 1945 في …