الرئيسية | وراء الأحداث | عهد الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف؟!/عبد الحميد عبدوسا

عهد الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف؟!/عبد الحميد عبدوسا

بعد التصريح الذي أدلى به سفير الإمارات العربية المتحدة في واشنطن، يوسف العتيبة في شهر جويلية الماضي (2017) القائل بأن “ما تريده الإمارات والسعودية والأردن ومصر والبحرين للشرق الأوسط بعد عشر سنوات هو حكومات علمانية مستقرة ومزدهرة”، بدأت تظهر في تصرفات السلطات السعودية مؤشرات تؤكد صحة ما صرح به السفير الإماراتي عن التوجهات السياسية الجديدة لعدد من الدول الخليجية التي تصنفها دولة الاحتلال الإسرائيلي في خانة “الدول السنية المعتدلة”، فبعد إعلان ولي العهد السعودي محمد بن سلمان في الفاتح أغسطس 2017 عن إطلاق “مشروع البحر الأحمر”، بتحويل 50 جزيرة ومجموعة من المواقع على ساحل البحر الأحمر إلى منتجعات سياحية. والذي سيوضع حجر الأساس له عام 2019، اعتبرت صحيفة “التايمز” البريطانية، أن إطلاق هذا المشروع سيكسر التقاليد الدينية الصارمة في السعودية، حيث سيسمح للنساء بأخذ حمامات الشمس وهن يرتدين لباس السباحة “البكيني”، جنباً إلى جنب مع الرجال، وأضافت الصحيفة أن إطلاق مثل هذا المشروع يدل على أن البلاد آخذةٌ في الانفتاح رويداً رويداً، وذلك في ظل تشجيع شخصيات نافذة مثل ولي العهد على التغيير التدريجي، وسط رغبة لجذب الاستثمار والسياحة الأجنبيين.

وفي الوقت الذي أصبح فيه أصحاب الفكر الليبرالي والعلماني بالسعودية يعبرون عن آرائهم بكل حرية، تشن السلطات السعودية حملة اعتقالات طالت مجموعة من خيرة الدعاة والعلماء، الذين عبروا عن قناعاتهم ومبادئهم في مواضيع تهم واقع الأمة الإسلامية. فقد نشرت العديد من مواقع التواصل والاجتماعي، ووسائل الإعلام من بينها وكالة “رويترز” نبأ اعتقال عدد العلماء ودعاة المملكة من أبرزهم: سلمان العودة -وعوض القرني – وعلي العمري، وقد أكد خالد العودة شقيق الداعية سلمان العودة خبر اعتقال شقيقه من قبل السلطات السعودية يوم 10 سبتمبر 2017.

وأوضحت مواقع التواصل الاجتماعي أن سبب الاعتقال هو تغريدة نشرها الداعية سلمان العودة على صفحته تدعو إلى الصلح بين قطر والدول الخليجية المقاطعة، فبعد الاتصال الهاتفي بين أمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز الذي كان يفترض فيه أن يفتح أبواب الحوار بين البلدين، ويضع حدا للقطيعة التي استمرت لأكثر من ثلاثة أشهر بين قطر وأربعة دول إسلامية، كتب الداعية الإسلامي المعروف والأكاديمي السعودي الدكتور سلمان العودة على صفحته في تويتر تغريدة قال فيها: “ربنا لك الحمد لا نحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك..اللهم ألف بين قلوبهم لما فيه خير شعوبهم”.

وبعد يوم واحد من اعتقال الدكتور سلمان العودة وإخوانه من العلماء والدعاة، نشرت هيئة كبار العلماء أعلى هيئة دينية في السعودية يوم الاثنين 11 سبتمبر2017 سلسلة تغريدات على حسابها الرسمي في موقع “تويتر”، شكلت دعماً لقرارات سلطات المملكة السعودية جاء فيها: “الدولة السعودية دولة مباركة؛ نصر الله بها الحق ونصر بها الدين، والعداء لهذه الدولة عداء للحق وعداء للتوحيد”. كما أعادت الهيئة نشر تغريدة قديمة سبق لها أن نشرتها في جوان الماضي، وجاء فيها: “المملكة العربية السعودية تأسست على الكتاب والسنة، ونحن مع ولاة أمرنا في كل ما يرونه مصلحة للبلاد والعباد، وهذا مقتضى البيعة الشرعية”.

ويبدو أن هيئة كبار العلماء في السعودية أصبحت مجرد ناد لعلماء السلطان، ففي خطبة عرفات ـ ذلك اليوم والمكان المقدس عند المسلمين، الذي يمثل رمز وحدتهم الدينية وذكرى لموقف نبيهم عليه الصلاة والسلام من خلال توجيهاته الشريفة للأمة الإسلامية في خطبة حجة الوداع في وقفة عرفات ـ استمع ملايين المسلمين إلى خطبة الشيخ سعد الشثري المستشار في الديوان الملكي السعودي وعضو هيئة كبار العلماء، وهو يدعو حجاج بيت الله الحرام إلى التقرب إلى الله بالدعاء للملك السعودي وولي عهده. ولم يذكر الخطيب ولاة الأمر الذين سقطوا في غواية الفرقة والخصام والتدابر بالحديث النبوي الشريف الذي رواه أبو داود القائل -: “لا يحل لمؤمن أن يهجر أخاه فوق ثلاث، فإن مرت به ثلاث فليلقه فليسلم عليه، فإن رد عليه السلام فقد اشتركا في الأجر، وإن لم يرد عليه فقد باء بالإثم.

وكذلك حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الذي رواه البخاري ومسلم: “لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، يلتقيان فيعرض هذا، ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام“.

وحتى مناسبة العيد – رمز التغافر والتواصل – استغل الشاعر السعودي مشعل الحارثي المناسبة لكيل المديح والتزلف للملك سلمان بن عبد العزيز، وولي العهد الأمير محمد بن سلمان، واغتياب أمير دولة قطر تميم بن حمد وهجائه أمام الحاضرين في حفل استقبال كبار القادة العسكريين المشرفين على حج 1438.

ويبدو أننا نعيش في زمن أصبح فيه الذي يدعو إلى صلة الأرحام ونبذ الشقاق ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر يساق إلى السجن، ولم يعد مستغربا أن تصدر في دول إسلامية تفتتح دساتيرها بمادة “الإسلام دين الدولة والمصدر الرئيسي للتشريع ” قرارات تعاقب من يتعاطف أو يتواصل مع أشقائه بالغرامة والسجن، فعلى سبيل المثال صرح النائب العام لدولة الإمارات العربية المتحدة بعد إعلان القطيعة مع قطر في شهر جوان: الماضي: “أن إبداء التعاطف أو الميل أو المحاباة تجاه  قطر، أو الاعتراض على موقف دولة الإمارات العربية المتحدة وما اتخذته من إجراءات صارمة وحازمة مع حكومة قطر، سواء عبر وسائل التواصل الاجتماعي بتغريدات أو مشاركات، أو بأي وسيلة أخرى قولاً أو كتابة، يعد جريمة معاقبا عليها بالسجن المؤقت من 3 إلى 15 سنة وبالغرامة التي لا تقل عن 500 ألف درهم”.

ولم يصدر -حسبما نعلم – أي اعتراض أو رفض من طرف علماء الدين الرسميين في الإمارات على هذا المساس بأسس الدين الإسلامي وحقوق الإنسان، فمن يوقف هذا التردي؟.

عن المحرر

شاهد أيضاً

لعنة اضطهاد الروهينغيا تطارد رئيسة حكومة ميانمار

أ. عبد الحميد عبدوس/ عادت احداث ميانمار لتتصدر الأحداث في مطلع الشهر الجاري (الاثنين 1 …