الرئيسية | في رحاب الشريعة | ما قل و دل | في جهنم قبل أن يموت

في جهنم قبل أن يموت

محمد الصالح الصديق

زارني شاب في نحو السابعة والعشرين من عمره، طويل القامة، سريع الحركة، كثيف اللحية، لا تفارق البسمة محيّاه، ولما انتهى من تقديم نفسه في كلمة وجيزة مقتضبة، أدخل يدَه في كيس وأخرج مخطوطا قال إنه أنجزه عن الإمام المصلح الشيخ عبد الحميد بن باديس، وهو يريد أن يعرضه علي ليرى رأيي فيه، فشكرته على هذا الإنجاز قبل أن أتصفحه لدلالته على طموحه، وعلوّ همته، ونزوله إلى هذا الميدان الصعب الخطير.

ثم أخذتُ في تصفح الكتاب وهو صامت، وفجأةً انطلق في البكاء منتحبا، ومحالا حاولتُ أن أعرف سبب بكائه، أو أن يكُفَّ عنه، وبعد مدة من البكاء الذي يمزق الفؤاد ألما، استغفر ربَّه وأخذ يمسح دموعه التي تبللت منها لحيته الطويلة الكثيفة، واعتذر لي عن هذه الحال التي لم يكن له منها بد.

ولما سألته عن سبب بكائه، وأبديت له عجبي من بكائه في الوقت الذي كنت أنوه بجهاده الفكري والقلمي، والمجال المتميز الذي اختار العمل فيه، تنفس الصعداء وعاوده البكاء، لولا أنه هذه المرة غلبه، ومسح عينيه بسرعة وانطلق يقول:

إن الوضع الذي أعيشه مع أمي وإخوتي وضعٌ لا أقدر على وصفه لك، ومهما بالغت في وصفه واعتمدت أساليب في التعبير فإنه يبقى دون حقيقته، فإذا كان أهل الكفر يدخلون النار بعد موتهم فإني دخلتها قبل موتي.

صدقني –يا أستاذ- إن أمي وإخوتي قد استطاعوا أن يحولوا حياتي إلى جحيم، فمنذ بضعة أعوام لم أشعر لحظة واحدة برغد العيش، حتى أنني حينما أكون بعيدا عنهم في مكان طغت عليه الطبيعة بجمالها السحري، واتحد فيها الجمال البشري بالجمال الإلهي الماثل في وشاء الحقول، وأفواف الحدائق، وعطر الورود، فإن نفسي تظل بسببهم في انقباض وتكدر وتعاسة.

ولما سألته عن سبب هذا الوضع الجهنمي الذي يعيشه، اكتفى بقوله في تحسر وتألم سببه زوجة أخي التي فاقت إبليس في مكائده، وإخوتي الذين يصدقونها في كل ما تختلق، والظروف القاهرة التي احوجتني إلى الحياة معهم.

أما أمي فإنها لما كانت تحت رحمة هذه الأفعى فإنها آثرت ربحها وتخسرني، وفي ذلك كله عذابي وشقائي، وما عبرت عنه دموعي.

إن أعجب ما يقال ويسمع، أن يتحول الإنسان الذي كرمه الله بالعقل إلى شيطان مريد، همه تعكير الحياة، وزرع الأشواك فيها، وهو يعلم أن أجله محدود فوق هذه الأرض، وأن محطة انتهاء أجله وارتحاله من هذه الدنيا مجهولة مرشحة في كل وقت، ثم إنه في الآخرة سوف يحاسب حسابا عسيرا في محكمة عادلة على كل كبير وصغير، ومع ذلك يركب رأسه، ويلج في غوايته، ويفوق إبليس خبثا ومكرا، وكيدا وضلالا.

إنه ضلال ما بعده ضلال، وإقدام وقح جريء، لا أدّل منه على إفلاس الحياة حينما ينطمس العقل وتهوي النفس في مدارج الضلال.

أما الشاب فقد وجهت إليه نصائح أعتقد أنه عمل بها –كما وعدني- يخرج من جحيمه، ويبدأ حياة تمكنه من مواصلة مسيرته الابداعية التي بدأها بهذا الزعيم الروحي الإمام عبد الحميد بن باديس رحمه الله.

عن المحرر

شاهد أيضاً

الكتابة وضوح وبيان

 محمد الصالح الصديق جاءتني كاتبة بكتاب أنجزته وأعدته للطبع، وقالت أنها تريد أن تعرف رأيي …