أخبار عاجلة
الرئيسية | في رحاب الشريعة | هنيئاً للجزائر… بألفية البصائر

هنيئاً للجزائر… بألفية البصائر

الدكتور/يوسف جمعة سلامة

يقول الله تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء* تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ}(1).

الكلمة الطيبة هي التي بعث الله بها رُسُلَهُ الكرام –عليهم الصلاة والسلام – لهداية الناس إلى الحق، طلباً لسعادة الدنيا والنجاة في الآخرة، فالكلمة الطيبة حَوّلت البشرية من حال إلى حال ونقلتهم من الظلمات إلى النور، ومن عبادة العباد إلى عبادة ربّ العباد، ومن جوْر الأديان إلى عدل وسماحة الإسلام، وللكلمة مكانة عظيمة في ديننا الإسلامي الحنيف، فقد علّم رسولنا –صلى الله عليه وسلم – البشرية كلّها أثر الكلمة الطيبة، الكلمة الصادقة الثابتة كالطّودِ الأشم الذي لا تهزّه العواصف الهوجاء ولا الرياح العاتية، فيوم أحاطت به الأشرار تُحاول أن تُطفئ جذوة الإيمان ، قال –عليه الصلاة والسلام- كلمته المشهورة التي طالما اهتزت لها أعواد المنابر، ووصل رنينها إلى أعماق القلوب، قال بلسان الحق: (والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري، على أن أترك هذا الأمر ما تركته، حتى يظهره الله أو أهلك دونه!).

جريدة البصائر… والقضية الفلسطينية

يسعدني أن أتقدم بالتهنئة القلبية الصادقة إلى رئيس وأعضاء جمعية العلماء المسلمين الجزائريين والأخوة الكرام أسرة تحرير جريدة البصائر، والشعب الجزائري الشقيق، بمناسبة احتفائهم بألفية البصائر، هذه الجريدة الغرّاء التي أنشأها السلف الصالح من العلماء العاملين، ويحمل لواءها اليوم الخلف الصالح الذي يسير على درب المؤسسين، وهذا ما يؤكده رئيس جمعية العلماء الأستاذ الدكتور/ عبد الرزاق قسوم، حيث يقول: (إن البصائر هبة الله للجزائر، واكبت مختلف مراحل ثورتها، وأسهمت بالكلمة الطيبة في إيقاظ ضمير نهضتها، وكانت من بناة فلسفة المعنى في صرح أمتها، ولئن كبرت البصائر، وبلغ سِنّها ما يربو على الثمانين سنة، فإنها مَا شَاخَتْ، ولا عجزت، بل إن الأيام والسنين لم تزدها إلا بهاءً ونماءً، وإشعاعًا وإبداعًا، تبارك الذي وهبَ الجزائر جمعية العلماء، ووهبَ جمعية العلماء البصائر، المَعْلَم الإعلامي الجدير بالاقتداء والاهتداء، إنّ إرثاً هذه معالمه، وتراثاً هذه كنوزه وعوالمه، لجديرٌ بالأمة التي نَبَتَ فيها أن تحتضنه بالحبّ والوفاء، وأن تفرش له القلوب والأعضاء، وكلّ مقومات الإيواء) (2).

فليس غريباً على أرض الجهاد والاستشهاد، أرض الثورة والثوار، أرض الجزائر الحبيبة أن تحتضن هذه الجريدة الإيمانية، التي ترشد الناس إلى الخير والهدى، وتسير على الهدي القرآني والتوجيه النبوي،كيف لا ؟ وهي الجريدة الرائدة.

إنّ حبّ الجزائريين لفلسطين حبٌّ منقطع النظير، فالجزائر مع فلسطين ظالمة أو مظلومة، وإن جريدة البصائر التي تُمثل وجهاً مُشرقاً للشعب الجزائري الشقيق لا يُطبع منها عددٌ إلاّ وتجد فلسطين مذكورة فيه، وهذا العمل يُعتبر امتدادًا لدور الجزائر القيادة والشعب في نُصرة القضية الفلسطينية العادلة، فالبصائر منذ تأسيسها إلى اليوم تتوالى أعدادها ومقالاتها تُدافع عن القضية الفلسطينية دفاعاً شريفاً كلّه عزيمة وبطولة وإيمان.

وأذكر مثالاً لذلك ما جاء في كلمة رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين الأستاذ الدكتور/ عبد الرزاق قسوم بمناسبة عقد ملتقى القدس الدولي الأول، في شهر فبراير سنة 2018م، تحت شعار: “واقع القدس والمسجد الأقصى ومستقبل الصراع”، حيث يقول: (إن قضية القدس أيها الإخوة والأخوات كما لا يخفى عليكم، هي القضية التي نَتَوَحَّدُ حولها جميعاً، فهي في عقيدتنا كمكة، فالقدس قبلتنا الأولى، ومكة قبلتنا الثانية، ومكة هي مهبط الوحي من السماء، والقدس هي صعود الوحي إلى السماء، والقدس عاصمتنا السياسية والدينية لأنها رمز فلسطين، ورمز المتدينين من مسلمين ومسيحيين)(3).

كما أسوق مثالاً آخر لهذا الحرص والحبّ من الشعب الجزائري لفلسطين وأهلها، وهو النداء الذي وجهته جمعية العلماء المسلمين الجزائريين إلى أبناء شعبنا الفلسطيني بتاريخ 26/4/2018م، ونشرته جريدة البصائر يوم الاثنين 30/4/2018م ص 2 العدد (908)، بمناسبة عقد المجلس الوطني الفلسطيني، وجاء فيه:

نداء إلى إخواننا الفلسطينيين

 بمناسبة انعقاد المجلس الوطني الفلسطيني

(قال الله سبحانه وتعالى: {وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} (الأنفال:46).

يا إخواننا الفلسطينيين الأشاوس!

أيها المرابطون في ساحة الكفاح ، المُثْخنون بالجراح دفاعاً عن الأرض، وصيانة للعرض، وأداء للفرض.

نحن أبناء جمعية العلماء المسلمين الجزائريين النابضين بضمير شعب المليون ونصف المليون شهيد، هذا الشعب الجزائري الذي لا يزال يعتبر استقلاله الوطني منقوصاً مَا لمْ يُتَوَّج باستقلال فلسطين.

إننا نهيب بكم، بقدسية دماء الشهداء، وعرق السجناء ، وآلام الجرحى، وأَنّات الثكالى والأرامل والضعفاء ، أن تَهُبُّوا لتلبية النداء.

إن المؤتمر الوطني الفلسطيني، الذي ينعقد في نهاية شهر أفريل”نيسان” 2018، نريده أن يكون مؤتمر الإخاء، وعودة الصفاء، وتوحيد الصف والكلمة ضد الأعداء…).

الكلمة الطيبة ترفع قدر صاحبها

إن الكلمة الطيبة ترفع قدر صاحبها وَتُعلي شأنه، فهذا بلال –رضي الله عنه – كانت نفسه تهون عليه في الله عز وجل، وكان الذي يتولى كِبْرَ تعذيبه أُمية بن خلف وزبانيته، فقد كانوا يُلهبون ظهره بالسياط، فيقول: أَحدٌ أَحدٌ…، وَيُطْبقون على صدره الصخور، فيُنادي: أَحدٌ أَحدٌ…، ويشتدون عليه في النَّكال، فيهتفُ: أَحدٌ أحدٌ …

لقد كان بلالٌ –رضي الله عنه – يستعذب العذاب في سبيل الله ورسوله، ويردد على الدَّوام نشيده العُلوِيَّ: أَحدٌ أَحدٌ…أَحدٌ أَحدٌ، فلا يَمَلُّ من ترداده، ولا يشبعُ من إنشاده.

هذا الموقف المشرف لبلال –رضي الله عنه –  من المواقف المشرفة له، والتي أهلته ليكون أول مؤذن في الإسلام، كما ورد في كتب السيرة أنه لمّا دخل –صلى الله عليه وسلم – مكة المكرمة فاتحاً كان معه داعي السماء بلال بن رباح -رضي الله عنه -، ولمّا حانت صلاة الظهر كانت الألوف المؤلفة تحيط بالرسول –صلى الله عليه وسلم -، وكان الذين أسلموا من كفار قريش يشهدون ذلك المشهد الكبير، عند ذلك دعا الرسول –صلى الله عليه وسلم –بلال بن رباح- رضي الله عنه، وأمره أن يَصْعدَ على ظهر الكعبة ، وأن يُعْلِنَ من فوقها كلمة التوحيد، فَصَدَعَ بلالٌ بالأمر، وأرسل صوته النديّ بالأذان، فامتدت آلاف الأعناق نحوه تنظر إليه، وانطلقت آلاف الألسُنِ تُرَدِّدُ وراءه في خشوع .

الإعلام… والكلمة الطيبة  

الكلمة الطيبة تُطمئن النفس، وَتُؤلف بين القلوب، وَتُحَوّل العدو إلى صديق بإذن الله ، كما تُحَبِّبك إلى الآخرين ، فهي مفتاح الدعوة والقبول، ومن المعلوم أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- قد بدأ دعوته بالحكمة والموعظة الحسنة من خلال الكلمة الطيبة.

ونحن هنا نشير إلى دور الإعلام في نشر الدعوة الإسلامية، خصوصاً في عصر العولمة والتقنيات التكنولوجية وتطور الأعلام، لذلك فإن الواجب على الإعلاميين ضرورة التأكد من صحة الأخبار قبل نشرها حفاظاً على تماسك المجتمع والابتعاد عن تعكير الأجواء، وكذلك العمل على هداية الناس إلى طريق الحق والخير، والدعوة إلى جمع شمل الأمة ووحدة كلمتها، لأن الوحدة سرّ قوة الأمتين العربية والإسلامية، وغرس حبّ الوطن والتعايش فيه، فحبُّ الوطن من الإيمان، والعيش فيه مع قسوة الحياة يُعَدُّ نعمة عظيمة لا يعرفها إلا من فقدها، والاهتمام بشريحة الشباب لأن الشباب في كل أمة هم قلبها النابض، ودمها المتدفق،وبحر علمها الفيّاض، والعمل على تعزيز ثقافة الحوار والتعايش، والدفاع عن قضايا الأمتين العربية والإسلامية، وضرورة إبراز مكانة المسجد الأقصى والمدينة المقدسة وفلسطين في عقيدة الأمة.

وفي الختام ألف تحية من أرض الأنبياء إلى أرض الشهداء، ومن أرض المقدسات إلى أرض البطولات، و من أرض المرابطين إلى أرض المجاهدين، ونحن هنا نُردد قول الشاعر:

حيي الجزائر واخطب في نواحيها… وابعث لها الشوق قاصيها و دانيها

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين

الهوامش:  1-سورة إبراهيم الآيات (24-25)        2- أ.د. عبد الرزاق قسوم، ألفية البصائر ومستقبل الجزائر، البصائر عدد 1000، الاثنين 24/ 2/2020م

 3- كملة أ.د. عبد الرزاق قسوم، في ملتقى القدس الدولي الأول، البصائر عدد 896، الاثنين 5/ فبراير/2018م

عن المحرر

شاهد أيضاً

السياسة النبوية في الدعوة الإسلامية والغزوات الجهادية

الشيخ محمد مكركب أبران/ إن مفهوم السياسة النبوية تخص طريقة وآليات الدعوة إلى الله تعالى، …