الجمعة 13 شوال 1441ﻫ 5-6-2020م
أخبار عاجلة
الرئيسية | وراء الأحداث | مظاهر التردي العربي من خلال جنازتين!

مظاهر التردي العربي من خلال جنازتين!

بكل مظاهر التكريم والتشريفات شيعت مصر يوم الأربعاء الماضي (26 فيفري 2020) جنازة الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك بحضور الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وكبار المسؤولين في الدولة، وأعلنت الرئاسة المصرية الحداد لمدة 3 أيام في جميع أنحاء مصر، ورغم أن المبرر المقدم عن إقامة جنازة عسكرية لمبارك، هو  ما قام به كقائد للقوات الجوية المصرية في حرب أكتوبر 1973 ضد إسرائيل، إلا أن قادة إسرائيل الحاليين والسابقين لم يتأخروا عن إبداء مشاعر الحزن على وفاة محمد حسني مبارك والإشادة بدوره في قيادة مصر، فقد نعى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الرئيس الأسبق حسني مبارك قائلا: “باسم الشعب الإسرائيلي والحكومة الإسرائيلية، أود أن أعبّر عن حزني البالغ على رحيل الرئيس المصري الأسبق محمد حسني مبارك”، كما أشار رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك إلى أن ” مبارك كان متمسكا باتفاقية السلام مع إسرائيل حتى حين كانت إسرائيل تقتحم دولا عربية أخرى”.

العديد من المتابعين والمحللين استرعى انتباههم التمييز الواضح والفرق الشاسع والازدواجية المتعمدة في تعامل السلطات المصرية وخصوصا الإعلام المصري مع جنازة محمد حسني مبارك الرئيس الأسبق لمصر، وجنازة الدكتور  محمد مرسي الرئيس السابق لمصر.

ورغم  الظروف المشبوهة التي أحاطت بوفاة الدكتور محمد مرسي رحمه الله الذي  بقي  ـ حسب تقارير صحفية :” ملقى على الأرض في القفص الزجاجي الذي وضع فيه مع بقية السجناء، لمدة 20 دقيقة”، وهو ما جعل تقرير مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان يشير إلى أن وفاة محمد مرسي، قد ترقى إلى “اغتيال تعسفي بموافقة الدولة”.

فقد تعمدت السلطات المصرية التعتيم على موت محمد مرسي وتهميش جنازته من خلال إجبار أسرته على دفن جثمانه  في جو من السرية في ساعات الفجر الأولى بحضور محدود من ذويه، وحصار منزل الأسرة بالقاهرة، واعتقال كل من حاول الوصول للمنزل لتقديم العزاء، كما تعاملت وسائل الإعلام المصرية بشكل هامشي مع وفاة الرئيس المصري السابق محمد مصري حيث نشر خبر وفاته في الصفحات الداخلية لأغلب الجرائد المصرية، كما ذكرت القنوات المصرية خبر وفاته بصيغة مقتضبة دون ذكر صفته “الرئيس السابق”، أما تعاليق بعض الإعلاميين المصريين  على وفاة مرسي فقد تراوحت بين التشفي والإهانة، ولم يردعهم ضمير ولا خلق ولا التزام بشرف المهنة من توجيه الشتائم والاتهامات بالخيانة والإرهاب للرئيس المتوفي محمد مرسي.

أما تعامل وسائل الإعلام المصرية مع وفاة الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك فلم يختلف عن تعامل السلطات الرسمية، حيث وضعت العديد من القنوات التليفزيونية الشارات السوداء على شاشاتها حدادا على وفاته، ورأى أحمد موسى المذيع المقرب من الأجهزة الأمنية في برنامج ” على مسؤوليتي” في قناة ( صدى البلد) المصرية الخاصة  أن مشهد الجنازة “يعني أن مصر بلد لديها تقاليد عسكرية لا يقدر أحد على زحزحتها.. طلقات المدفعية لا يتم إطلاقها لأي حد، أعلى مستوى من التكريم”، وكان أحمد موسى قد وصف الرئيس السابق مرسي بالإرهابي والجاسوس والعميل، معتبرا “أن الله يحب مصر ودليله في ذلك هو الطريقة التي توفي بها مرسي”.

ورغم أن المادة الرابعة من الدستور المصري تنص على أن ” السيادة للشعب وحده، يمارسها ويحميها، وهو مصدر السلطات”  فقد عوملت جنازة الرئيس السابق محمد مرسي بكل تجاهل وإهانة وتحقير مع كونه أول رئيس مدني ينتخبه الشعب بكل شفافية وديمقراطية، أما جنازة الرئيس الأسبق الذي أطاحت بحكمه ثورة شعبية عارمة فقد عوملت بكل تكريم وتشريف .

وتعليقا على هذا الوضع قال عضو المجلس القومي لحقوق الإنسان، ناصر أمين، إن “مبارك لا تنطبق عليه شروط إقامة جنازة عسكرية، لأن الحكم الجنائي النهائي ضده يمنعه من ذلك، أيا ما كانت العقوبة، ولذلك فهو قائد عسكري تم الحكم عليه بجريمة جنائية”.

وللتذكير فقد قضت دائرة في محكمة جنايات القاهرة في ماي2015 بسجن مبارك وابنيه 3 سنوات لكل منهم. وقضى مبارك عقوبة الحبس عن الحكم النهائي الذي أيدته محكمة النقض ضده في القضية المعروفة إعلاميا بـ “القصور الرئاسية”. كما رفضت محكمة النقض طعنا تقدم به مبارك ونجلاه في قضايا فساد.

وبعد كل ما حدث تبقى الحقيقة التي لا مراء فيها أن كل من محمد مرسي ومحمد حسني مبارك قد أصبحا تحت الثرى في قبريهما وبين يدي ربهما. ومن عدل الله سبحانه وتعالى ولطفه بعباده أنه جعل أعمال الإنسان هي التي تدخله الجنة أو النار، وليس كتابات الإعلام وتشريفات الحكام .

قال الله سبحانه وتعالى في الآية 109 من سورة النساء { هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلا}. قال العلامة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي من علماء السنة في تفسير هذه الآية: ” هب كم جادلتم عنهم في هذه الحياة الدنيا، ودفع عنهم جدالُكم بعض ما تحذرون من العار والفضيحة عند الخَلْق، فماذا يغني عنهم وينفعهم؟ ومن يجادل الله عنهم يوم القيامة حين تتوجه عليهم الحجة، وتشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون؟ ”

وقال أيضا آية الله العظمى العلامة الشيخ  محمد حسين فضل الله من علماء الشيعة في تفسير الآية: ” إن على الإنسان المؤمن أن يفكر بقضية الأمن والمصير على مستوى الآخرة لا على مستوى الدنيا، لأن أمر الدنيا زائل بثوابها وعذابها، أما أمر الآخرة فإلى خلود في كل أجواء النعيم والجحيم؛ وهذا هو المفهوم الإسلامي الذي يريد أن يوحي للناس، أن يتجاوزوا حياتهم إلى الحياة الآخرة، من خلال ما يخوضون فيه من جدال حول القضايا التي يختلف فيها أمر الحق والباطل، مما يدفعهم إلى مراقبة الله في ذلك كله، ليكون هو الأساس في النظرة إلى الأشياء”.

وقال عز وجل في الآية 20 من سورة الحديد { اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ  كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا  وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ  وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ}.

عن المحرر

شاهد أيضاً

مجـــازر الثــامـــن مـــــاي 1945 … مازال قانون تجريم الاستعمار الفرنسي معطــــلا !

أ. عبد الحميد عبدوس / رغم أن مظاهر إحياء ذكرى مجازر الثامن ماي 1945 في …