الرئيسية | قضايا و آراء | النصح الخالص من محاسن الرجال

النصح الخالص من محاسن الرجال

آمنة فداني المقرية

مكانة الدنيا وسيلة للحياة الآخرة، يسعى الإنسان فيها لابتغاء مرضاة الله، عز وجل، بحيث يتقوى بالدنيا للآخرة، المستقبل المحتوم لكل بشر بعد رحلة العمر ونهاية مطاف كل موجود.

اقتضت حكمة المولى تبارك وتعالى أن يتسلم الخلق الصالح الأمانة من السلف الصالح وذلك منذ تلقي سيد العلماء رسول الله صلى الله عليه وسلم النبوة والعلم والرسالة من رب العالمين، ويتوالى هذا التلقي في الأمة خلفا عن سلف إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، قال تعالى:{قَدْ جَاءَكُم بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا ۚ وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ}[الأنعام/ 104].

إن دين الله عز وجل حمل العلماء والصلحاء أمانة توجيه الأمة بالتوعية الراشدة والغايات القاصدة، لأن بهم تسمو الإنسانية وترتقي، ولا تتقدم الأمة إلا بالعلم وجهود العلماء الذين يضيئون بعلمهم مسالك الدنيا، ويطهرون دروبها، رجال أفنوا أعمارهم في طلبه وتلقوا مصاعب في سبيله، وكما قيل “فقد حرصوا على تحصيل العلم حرص البخيل على درهمه”، فهي بذلك مجموعة من نخبة الأمة أيقنوا أن للعمر حدا وللأجل نهاية، وسعوا من أجل التمكين لهدي السماء من ناصية الأرض، وهم يدركون أن الثمرة المرجوة من العمل الصالح لا ترى في المنام ولا تنال بالأوهام وإنما ينالها المخلصون العاملون.

غادر من مسرح العلماء في مثل هذا اليوم 8 فبراير2015، عالم من أعلام الإصلاح والوطنية في الجزائر وقامة من قامات جمعية العلماء المسلمين الجزائريين الشيخ محمد الأكحل شرفاء عليه رحمه الله، الذي جاء لهذه الفانية يوم 18 فبراير 1925 وغادرها إلى الباقية يوم 8 فبراير2015 رئيسا شرفيا لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، نقف وقفة تذكير قصيرة في مسيرة هذا الرجل الصالح والتي كانت فيها محطات حافلة ومتنوعة، تخرج من مدرسة ابن باديس، وكان من الذين حملوا نعشه في وفاته رحمه الله، حاملا لكتاب الله، اعتمد التربية والتوجيه مسلكا المتمثل في تفسير القرآن الكريم، وفقه الدعوة وتراجم أعلام [ج.ع. م.ج]، ومن أبرز خطباء نادي الترقي، وركن ثابت بجريدة البصائر في رحاب القرآن، كما كانت له صولات وجولات توعوية توجيهية في عدة مساجد بالعاصمة لسنوات عدة منها على الخصوص مسجد أبي حنيفة النعمان المقرية.

إن ميزة الإنسان الصادق هي أن يألف الناس ويألفوه ويودهم ويودوه على الحق والهدي، هذه هي ميزاته مع سكان حي المقرية.

فآثاره لا تحتاج إلى دليل، فقد أدى هذا الارتباط الوثيق بين هذا الرجل الصالح وسكان هذا الحي دورا كبيرا في نشر الوعي والخير فيه، كما منحه إخلاصه ووفاءه الاتزان في التفكير، البلاغة في التعبير، الصدق في القول، الإخلاص في العمل، إرادة الخير للخير هو ما نعرفه في الرجل، قال تعالى:{… وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ ۚ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ…} [البقرة:283].

إننا لا ننسى ولن ننسى قولته الشهيرة في حق سكان هذا الحي المحب للعلماء بتسميته “مقرية الخير” وكان جواب أهلها سريعا من خلال التأبينية التي أقيمت له بعد وفاته بقاعة قرطبة بالمقرية وكان شعارها “المقرية كلها شرفاء”.

نظرا لما لهذا المسجد من رمزية ومكانة وسيرا على درب الرجل تداول بعض رفقاء دربه من دكاترة وأساتذة أفاضل من حين لآخر لإلقاء بعض دروس التوعية التربوية، حبا في الأثر الطيب الذي تركه فيه، ونخص بالذكر الدكتور عبد الرزاق قسوم رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، والأستاذ الهادي الحسني، والشيخ محمد مكركب، والشيخ نور الدين رزيق وغيرهم كثير.

هكذا ينبغي أن تكون نظرة المخلصين للدنيا الفانية ومتاعها القليل، فبصدق النية والتفاني في العمل تظهر محاسن الرجال، ويبقى القبر بالنسبة لهم مستنيرا مأنوسا، بقي أن نعطي الأوفياء الأكفاء حقهم ونقتفي أثرهم خدمة لهذا الوطن المعطاء في زمن قل فيه أمثالهم.

تغمده الله برحمته الواسعة وأسكنه فسيح جناته وجمعنا الله وإياه في جنة النعيم.

عن المحرر

شاهد أيضاً

سورة العهد الأسبوعي…(1) واصبر نفسك

مداني حديبي / سورة الكهف سماها شيوخ العلم بسورة العهد الأسبوعي لأنك تعاهد الله على …