الرئيسية | قضايا و آراء | العام الهجري الجديد وقفات تقويمية مع واقع الشعوب الإسلامية: محمد مكركب

العام الهجري الجديد وقفات تقويمية مع واقع الشعوب الإسلامية: محمد مكركب

حلَّ العامُ الهجري الجديد(1439هـ) ليعلن من خلال إطلالته للعالم الإنساني أن البشرية على شفا جرف هار، وأن معالم الأمان في تدهور وانهيار. ونصيب المسلمين من أزمات التردي أخطر من غيرهم في الانكسار والانحدار، إلا أن هذا الضعف والهوان، كان في الحسبان منذ عقود من الزمان. فلم يكف العرب أنهم ضيعوا الأندلس، وتسببوا في وقوع فلسطين تحت جرائم الشنآن، وأهانوا لغة القرآن، وانسلخوا من وحدة الخلافة التي تجمعهم، وشتتوا شبابهم  بأحزاب الخُرافة لتي تفرقهم.

هذه هي ساحة العالم الأرضي التي سيطل عليها العام الجديد، وهل يأتي  بما يبشر ويفيد، أم لا يزال الأمر مجرد تغريد ممزوج بصراخ العبيد. يعود التاريخ في صورة عام عظيم، ونحن معشر المسلمين نعاني الواقع الأليم، نراوح مكاننا، أو نتدحرج إلى الخلف من كيد بعضنا. هذا الواقع المتردي الحزين جعل المسلم يستحيي من نفسه إن سألها عن درجات التطور والتقدم التي وصلت إليها هذه الشعوب العربية خاصة، والمسلمة عامة؟ لو يعود إلينا أبو عبيدة بن الجراح، أو صلاح الدين ماذا نقول لهما عن فلسطين؟ ولو عاد إلينا طارق بن زياد ماذا نقول له عن الأندلس؟

قال محاوري: هذا النقد لا يفيد الضمائر الجامدة، والنفوس الراكدة، والعقول التائهة، في متاهات سياسات لا أصل لها ولا فصل، فما هي وقفات التذكير؟ لمن قد يستفيد من التدبر، ويشارك في التفكير والتدبير.

قلت: نعم، صدقت إن الأحداث والجراح لا توقظ الموتى، ولا تحرك السياسة الجامدة ببرودة صقيع الغرب. وصدق المتنبي إذ قال:

مَنْ يَهُنْ يَسْهُلِ الْهَوَانُ  عَلَيْهِ…مَا لِجُرْحٍ بِمَيِّتٍ إِيلاَمُ

فليست هذه الكلمات من قبيل البكاء على الأطلال، أو من قبيل الحزن القاضي على التفاؤل والآمال، وإنما من باب التدبر والاستبصار، والتقييم والاعتبار، مع إطلالة العام الجديد. فقد أمر لله تعالى بالتذكر، وبين جل جلاله أن الذكرى تنفع المؤمنين. إنَّ تَعَاقُب السنين عبر الزمن يوقظ في العقل الذكي والضمير الواعي الحي روح النهوض والإعداد، وعزيمة الاستمرار بالجد والاجتهاد، أما المتخلفون تمر عليهم الشهور والسنون والعقود، وكأنهم رقود، لا إعداد ولا تقدم ولا صعود. الوقفة الأولى: لماذا أمة اقرأ تتخلف عن القراءة والحساب؟ عبرة العام الجديد أن يقوم عمل الفرد ونظام الدولة على الحساب، والحساب يعني الإحصاء، والتخطيط، ورسم المقاصد والغايات، والإعداد لما تقتضيه المراحل والمناسبات. فالذي لا يعمل بالحساب، -أي التخطيط العلمي المنهجي- لا يستفيد من العام الجديد، إِذْ ماذا يهمه من العام، إذا جاء أو مضى؟ فالمتخلف كالتلميذ العاجز الكسول يعيد السنة ولا يبالي، وبعض الدول تعيد السنوات والسنوات وهي في سبات ولا تبالي بما ذهب ولا بما هو آت، فقد ألِفُوا الإعادة، وقالوا: في الإعادة إفادة؟ ولم يفرقوا بين إعادة شرح النظرية العلمية للفهم، وبين إعادة المشاريع والخطط الفاشلة للهم والغم.

والذي لا يتعلم استخدام الحساب (التخطيط العلمي المنهجي) سيتكرر معه الفشل في كل مشاريعه، ولا يتقدم نحو مستقبله، لأن الفوضى والارتجال، لا ينتجان إلا الضياع والإهمال. لماذا لا يعمل المتخلف بالحساب؟ لأنه يجهل قيمة ذلك، فالجاهل عنده الفوضى والتخطيط نِدَّان، والخطأ والصواب سيان. قال محاوري: ولكن حال العرب هو هكذا في القضاء والقدر لا يعملون بالحساب، ولذلك تكرار الفشل صار مرضا مزمنا.

قلت: سبحان الله العظيم، لمن أنزل الله هذه الآيات؟ ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ قدر الله هذه المنازل لحساب الأوقات من الأشهر والأيام لضبط العبادات، والمعاملات المالية والمدنية. في حين أنه بعد: 1439 سنة هجرية مازال بعض الأقطار العربية يختلفون في حساب بداية الشهور؟ فهم لا يَحْسُبون للشهور، ولا يتفقون على رمضان القادم، ولا يوم العيد، ولا يوم الوقوف بعرفة، ولوحسبوا لملتقياتهم بالحساب الهجري لما التقوا جميعا في يوم واحد.

الوقفة الثانية: إجراء عملية تقييمية وتقويمية. للإجابة عن هذه التساؤلات، لماذا آل أمر الشعوب الإسلامية إلى هذا الحال، وهذا الواقع الذي لا تحسد عليه، قد تختلف الإجابات من شخص لآخر، ولكنها متفقة على فشل الأنظمة السياسية، وعلامات ذلك تكرار نفس الخطيئات، وتعود نفس الأزمات، وتتكر نفس الوعود، بلا حدود ولا قيود، ولا وفاء بالعهود. فالأمراض الاجتماعية هي نفسها صارت مزمنة، والاقتصادية، والتربوية التعليمية، فأغلب الشعوب العربية تعاني أزمة السكن التي لا مسوغ لوجودها، وأزمة البطالة التي دفعت ببعض الشباب إلى مغامرات حَرَّاقِيَة، وحِرَابِيَة، ولُصُوصِيَة، ومُخَدَّرَاتِيَة، وَهِبِّيَة. وأزمات اقتصادية يأتي العام ويمضي العام، بل ويمضي القرن، ولم تُحَقِّق الشعوب العربية الاكتفاء الذاتي، وهذه وقفة الوقفات.

الوقفة الثالثة: إلى متى وفلسطين في حصار تحت الحديد والنار. وكثير من الدول العربية تسرح وتمرح في إعاداتهم، وكأن الأمر لا يعنيهم، وبعضهم راحوا يتقاتلون بينهم كالصبيان، في حروب أهلية، بين عصبيات الطوائف والفرق والمذاهب، وتركوا قضاياهم الأساسية. حتى إن المساعدات الإنسانية التي بعثتها جمعية العلماء المسلمين الجزائريين لإخواننا الفلسطينيين المحاصرين، بخصوص القافلة الرابعة للإغاثة، أُوقِفَتْ في بورسعيد بمصر، ومنعت من الوصول إلى فلسطين؟ من قبل القوات العسكرية المصرية، ولم يسمحوا لها بالمرور عبر معبر رفح، لماذا؟ هذا هو سؤال إشكالية  هذا العام. ولم تتحرك السياسات الصامتة، لَا مِنْ آسْيا، ولا من إفريقيا، وإلى حين كتابة هذا المقال: (14/09/2017م) مازالت قافلة الإغاثة مركونة بميناء بورسعيد بمصر، تنتظر إخواننا المصريين ليفرجوا عن القافلة لإغاثة إخواننا الفلسطينيين؟ وهذا من غرائب الزمان، وقد رفضت مصر السماح للقافلة بالمرور إلى غزة. إنه لغز القرن، بل والتاريخ كله، أن يمنع إخوانُنا، إغاثةَ إخْوانِنا؟.

الوقفة الرابعة: مأساة المسلمين في (ميانمار). ذلك العنف الإرهابي البغيض الذي يمارس على المسلمين في(ميانمار ـ بورما) بولاية (أركان) وغيرها. حيث شاهد العالم كيف يُعَذَّبُ المسلمون هناك، من طرف الجيش، وكيف يبيدون القرى إبادة جماعية بالحرق والنهب، والدول تتفرج، ولو جرح فرد من دول أصحاب الفيتوا لقامت الأمم المتحدة ولم تقعد، ولتحرك العالم بالتهديد والوعيد. لقد تحول (هناك في بورما) البوذيون إلى وحوش على مرآى من سماسرة السياسة العالمية، بل هناك مَنْ تواطؤوا مع حكومة بورما، مع صمت الجامعة العربية والمنظمات الإسلامية الأخرى.

الوقفة الخامسة: الحروب الأهلية في الشام واليمن وغيرهما. بمناسبة حلول العام الهجري الجديد (1439هـ) نقول لإخواننا المسلمين في كل البلدان الإسلامية، في نداء ثالث من قيام الصرع في تلك البلدان: إن استمرر النزاع بين أبناء الأمة الإسلامية، لا يخدم إلا أعداء الأمة، ولا يحق لأي طرف من المسلمين وتحت أي اسم أو تنظيم أن يرفع السلاح في وجه مسالم. إننا نناديكم بما أمر رب العالمين. ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ وفي الحديث عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [من حمل علينا السلاح فليس منا] وها أنا بلغكم ما بلغه الإمام مسلم  في صحيحه، عن الأحنف بن قيس، قال: خرجت وأنا أريد هذا الرجل فلقيني أبو بكرة، فقال: أين تريد يا أحنف؟، قال: قلت: أريد نصر ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم -يعني عليا – قال: فقال لي: يا أحنف ارجع، فإني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: [إذا تواجه المسلمان بسيفيهما، فالقاتل والمقتول في النار] قال فقلت: أو قيل: يا رسول الله هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: [إنه قد أراد قتل صاحبه] (مسلم. كتاب الفتن.2888) وليعلم المسلم أنه إذا توقفت طائفة عن القتال وظلت الأخرى لم تستجب فتكون باغية، في حكم البغاة الذين يُقَاتَلُون شرعا. قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾

فما بقيت حجة لمن يحملون السلاح على بعضهم، وليس للمتقاتلين مسوغ يبيح لهم جرائم القتل. فقد وقف سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في منى يوم النحر في حجة الوداع وقال في البيان المبين للعالم يومها. [فإن دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم، حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا، وستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم، فلا ترجعن بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض، ألا ليبلغ الشاهد الغائب، فلعل بعض من يبلغه يكون أوعى له من بعض من سمعه ] ثم قال: [ألا هل بلغت؟] (مسلم.كتاب القسامة.1679).

إن الذي يحمل السلاح ليقتل الناس يرتكب أعظم الجرائم، ويتحمل أعظم الذنوب، فبالإضافة إلى الجريمة الشنعاء التي يرتكبها بيده، أو بيد من يتبعه ويتعاون معه، أو يساعده من قريب أو من بعيد بكل وسيلة، فإن كل ما يترتب بعد ذلك من سلبيات ومصائب على الأمة يتحمله إلى يوم الدين، بسبب جريمة القتل، ومنه جرائم  اغتيال المسلمين، والمسالمين، بالتفجير، والتخريب. قال جابر: سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: [المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده] (مسلم.كتاب الإيمان.40) وقال عليه الصلاة والسلام: [لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ] هل الخلافات السياسية عذر مسوغ، للتقاتل؟ أي هل الحروب التي تشب بين طوائف سياسية على كراسي الحكم تُبَرِّرُ ما يقع من القتل وإراقة الدماء والتخريب والتدمير؟ والجواب مع الأسف، لا، لا شيء يبرر قتل النفس البشرية المسالمة بأي حال من الأحوال، ثم لا يجوز رفع السلاح بداية للخروج على مجتمع آمن. ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْها جائِرٌ وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ﴾.

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

رأي في حريــــة الفكـــــر والـمعتقــــد

د/ عاشور توامة/ أعتقد بأن الاختلاف رحمة كما هو وارد في المعتقد الديني والمنظومة الاجتماعية، …