الرئيسية | وراء الأحداث | في ذكرى الشيخ عبد الرحمن شيبان محطات مضيئة في حياة مجيدة

في ذكرى الشيخ عبد الرحمن شيبان محطات مضيئة في حياة مجيدة

بقلم: عبد الحميد عبدوس

مرت يوم الأحد الماضي الذكرى الثانية بعد المائة لميلاد العلامة المصلح المجاهد الشيخ عبد الرحمن شيبان الرئيس السابق لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين ( 23 فيفري 1918 ـ 23 فيفري 2020-) . كان الشيخ شيبان ـ رحمه الله ـ أحد شهود العصر المؤثرين، ومن ألمع نجوم الجزائر المعاصرين.

ولد الشيخ عبد الرحمن شيبان في الثالث والعشرين من شهر فيفري 1918، ببلدية الشرفة، دائرة أمشدّالة، التابعة لولاية البويرة. تعلم القرآن الكريم ومبادئ العربية، والتوحيد، والفقه، بمسقط رأسه في سنة 1938م التحق بجامعة الزيتونية بتونس، ونال شهادة التحصيل في العلوم سنة 1947م، في عام 1948م عيّنه الرئيس الثاني لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين الإمام الراحل محمد البشير الإبراهيمي أستاذاً للبلاغة والأدب العربي، بمعهد الإمام عبد الحميد بن باديس بقسنطينة، وكان من الكُتاب الدائمين في جريدة (البصائر) لسان حال جمعية العلماء المسلمين الجزائريين.

ـ في سنة 1954 كتب عنه صديقه الأديب الشهيد أحمد رضا حوحو، الأمين العام لمعهد عبد الحميد بن باديس في جريدة (البصائر)، قائلا :”الشيخ عبد الرحمن شيبان، ديمقراطي الأفكار إلى حد بعيد، ولكنه أرستقراطي الشخصية إلى حد بعيد أيضا! ومنشأ هذا التناقض العجيب هو أن صاحبنا نشأ في أسرة أرستقراطية، مثالية في التحفظ، والتقاليد، ثم انتقل إلى بيئة الطلبة الديمقراطية، وحياتهم الشعبية الحرة، فتغذى بهذه المبادئ، فآمن بها دون أن يقطع صلته بماضيه، وتقاليد أسرته وذويه، لكن أدبه يمثل الجانب الديمقراطي منه فقط. الأستاذ شيبان، أديب يمتاز بدقة الملاحظة، ورقة الشعور، وتوقد الإحساس، ومن هنا تبدو لك أناقته في الأدب في مطالعاته، في أسلوبه، في مناقشاته، كما تبدو أناقته في ملبسه، وهندامه”.

ـ بعد سنة1954  التحق بالمنظمة المدنية لجبهة التحرير الوطني، وكان عضواً في لجنة الإعلام فيها، وشارك في تحرير جريدة المقاومة الجزائرية، لسان حال جبهة وجيش التحرير الوطني.

ـ في سنة 1962 بعد  استرجاع الاستقلال انتخِب عضوا في المجلس الوطني التأسيسي، حيث كان مُقررا “للجنة التربية الوطنية”، ومن أعضاء اللجنة المكلفة بإعداد دستور الجزائر، حيث ساهم مساهمة إيجابية مع مجموعة من النواب من أهل العلم والجهاد في جعل الإسلام دين الدولة واللغة العربية لغة وطنية ورسمية.

ـ في مارس 1964م عُيِّنَ مفتشاً عاما للغة والأدب العربي، والتربية الإسلامية في مؤسسات التعليم الثانوي الرسمي بمرسوم رئاسي، وتولى رئاسة اللجنة الوطنية المكلفة بالبحث التربوي التطبيقي والتأليف المدرسي، للمرحلتين: الإعدادية والثانوية بوزارة التربية الوطنية، وأشرف على تأليف نحو (20) كتاباً في القراءة، والأدب، والنقد، والتراجم، والبلاغة، والعروض، والتربية الإسلامية.

وساهم إلى جانب العلامة الشيخ البشير الإبراهيمي في إدراج المعلمين والأساتذة الذين كانوا في التعليم العربي الإسلامي الحرفي سلك التعليم الرسمي، وبذلك تحصل المعلمون والأساتذة المعربون على حقوقهم المادية التي كانت مهضومة من طرف الإدارة الموروثة عن الاستعمار الفرنسي.

ـ في16 إبريل 1964م وخلال انعقاد المؤتمر الثالث لحزب جبهة التحرير الوطني قام الشيخ عبد الرحمن شيبان بإجراء مصالحة بين الرئيس أحمد بن بلة والشيخ محمد البشير الإبراهيمي الذي كان خاضعا للإقامة الجبرية، وأقنع الرئيس بن بلة بزيارة الشيخ الإبراهيمي في بيته بمناسبة عيد الأضحى المبارك، وهذه الواقعة أكدها الرئيس الراحل أحمد بن بلة خلال استضافته في حصة “شاهد على العصر” على قناة الجزيرة.

ـ في سنة 1966 شارك في الوفد الجزائري الذي ترأسه معالي الدكتور “أحمد طالب الإبراهيمي” وزير التربية الوطنية، وتمكن من إدخال اللغة العربية في الأمم المتحدة واعتمادها لغة رسمية إلى جانب اللغات العالمية وهي الإنجليزية والألمانية والفرنسية والروسية.

ـ في سنة 1980 عين وزيراً للشؤون الدينية لمدة ست سنوات (1980- 1986 م) وترأس بعثات الحج الجزائرية إلى الأراضي المقدسة (1980-1986 م).

ـ في 1981بعد خروج الشيخين محفوظ نحناح ومحمد بوسليماني استقدمهما إلى وزارة الشؤون الدينية ووضع تحت تصرفهما سيارة تابعة للوزارة وكلفهما بالقيام بجولات تفتيشية في مساجد الجزائر وتقديم النصائح لتطوير الخطب والدروس المسجدية، هذا العمل أثار حفيظة مسؤول جهاز المخابرات آنذاك العقيد نور الدين يزيد زرهوني الذي اتصل بالشيخ شيبان محذرا أياه من عواقب إدماجه في وزارته لشخصين معارضين للنظام ( نحناح وبوسليماني) فرد عليه الشيخ شيبان بأنه يتحمل كامل المسؤولية عن قرارته وعن تصرفات مساعديه في مجال قطاع الشؤون الدينية، وبذلك تمكن الشيخان محفوظ نحناح ومحمد بوسليماني من مواصلة نشاطهما الدعوي، وظلا طوال حياتهما مقدرين للشيخ شيبان موقفه الشهم معهما في وقت الشدة.

ـ في سنة 1981 ساهم  ممثلا عن الجزائر في تأسيس مجمع الفقه الإسلامي الدولي التابع لمنظمة التعاون الاسلامي.

ـ  في سنة 1981 أعاد إلى مساجد الجزائر سنة قراءة صحيح البخاري في أول أحد من شهر رجب من كل سنة ويختم في يوم السادس والعشرين من رمضان.

ـ ابتداء من سنة 1981 أشرف على تنظيم ملتقيات الفكر الإسلامي ( القرآن الكريم) ثم (السنة النبوية) سنة 1982، ثم (الاجتهاد،) سنة 1983 ثم (الصحوة الإسلامية) سنة 1984 ثم (الإسلام والغزو الثقافي) سنة 1985، وأخيرا (الإسلام والعلوم الإنسانية) 1986.

–  في سنة 1982ساهم مساهمة فعالة في تأسيس معهد أصول الدين بالعاصمة (كلية العلوم الإسلامية ـ حاليا).

ـ  في سنة 1982 قام بإقناع الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد بتمكين أول رئيس للحكومة المؤقتة للجزائر الزعيم فرحات عباس – عليهما رحمة الله – من استعادة جواز سفره وصيدليته اللذين صودرا منه بسبب مواقفه المعارضة للنظام في ذلك الوقت، وفي سنة 1984 كرم الرئيس الشاذلي بن جديد السيد فرحات عباس بوسام المقاومة.

– في سنة 1984 بذل جهدا في افتتاح “جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية” بقسنطينة، وأقنع الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد باستقدام العلامة الداعية المصلح المرحوم الشيخ محمد الغزالي لتولي رئاسة المجلس العلمي للجامعة.

ـ في 1 جويلية 1985م، قام الشيخ عبد الرحمن شيبان بتدشين معهد تكوين إطارات الشؤون الدينية بزاوية سيدي عبد الرحمن اليلولي التي أسسها في عام 1635م، أبو زيد عبد الرحمن بن يسعد المصباحي الخردوشي اليلولي الزواوي،  والتي فجّرها الاستعمار الفرنسي في سنة 1956م، ثم أعيد بناؤها بعد استرجاع الاستقلال الوطني.

ـ في سنة 1991 انتخب نائبا أول لرئيس الجمعية الشيخ الراحل أحمد حماني، بعد إعادة بعث جمعية العلماء المسلمين الجزائريين  بعد صدور دستور فيفري 1989.

ـ في سنة 1992 تولى رئاسة تحرير السلسلة الثالثة من جريدة البصائر.

ـ في 1998 انتخب الشيخ عبد الرحمن شيبان رئيسا لجمعية العلماء المسلمين وبقي على رأس الجمعية إلى 2011.

ـ في سنة 1999 تحصل بفضل علاقته الخاصة على المقر الذي مازال يأوي مصالح جمعية العلماء المسلمين الجزائريين إلى جانب مديرية الشؤون الدينية لولاية الجزائر ببلدية حسين داي.

ـ في 20 ماي 2000 أشرف على إعادة إصدار السلسلة الرابعة لجريدة البصائر التي مازالت تصدر إلى اليوم، وتولى إدارتها وكتابة افتتاحيتها تحت تسمية (سانحة).

ـ استرجع في 27 يناير 2002م (نادي الترقي) التاريخي الذي وُلدت في أحضانه جمعية العلماء بالعاصمة سنة 1931م فاستأنف نشاطاته بمحاضرات أسبوعية، كما أنه بعث تراث جمعية العلماء المتمثل في جرائدها: الشريعة، السنة، الصراط، الشهاب، والبصائر كاملة (12 مجلداً) وأسس وأشرف على شُعب جمعية العلماء في مختلف الولايات.

ـ  في ماي 2005 أشرف الشيخ شيبان على تنظيم الملتقى  الدولي عن  العلامة الراحل الشيخ محمد البشير الإبراهيمي بمناسبة الذكرى الأربعين لرحيله واستطاع  أن يجمع نخبة الجزائر والأمة الإسلامية في قصر الثقافة بالعاصمة.

ـ في شهر أوت 2008 أعيد انتخاب الشيخ شيبان على رأس جمعية العلماء في المؤتمر الثالث الذي حضره معظم رموز السلطة والمعارضة والشخصيات الوطنية وممثلو أغلب التيارات والأحزاب الجزائرية وجمعيات المجتمع المدني.

ـ في جوان 2009، كرمته جامعة الأوزاعي للعلوم الإسلامية اللبنانية بشهادة الدكتوراه الفخرية في علوم الشريعة الإسلامية اعترافا له بالجهود الكبيرة التي بذلها في خدمة الإسلام والمسلمين.

في فجر يوم الجمعة 12 رمضان 1432هـ الموافق 12 أوت 2011 التحق الشيخ عبد الرحمن شيبان بالرفيق الأعلى عن عمر ناهز 93سنة، وحرص أبناؤه وإخوته على تنفيذ وصيته بدفنه في مسقط رأسه، وفي عصر يوم الجمعة وري جثمانه بمقبرة الشرفة بدائرة أمشدالة ولاية البويرة في جنازة حاشدة حضرتها كل أطياف المجتمع.

ومن المؤسف أنه بعد قرابة 9 سنوات من رحيل هذا العلامة المربي المجاهد الأديب الإعلامي المصلح والسياسي لم تفكر السلطات الجزائرية في تنظيم ملتقى دولي أو وطني لتخليد مآثره، وتعريف الأجيال الصاعدة بأحد مفاخر الجزائر.

للشيخ الراحل عبد الرحمن شيبان خمسة أبناء: الدكتور عبد الحميد (طبيب ورئيس بلدية فسنطينة سابقا)، الدكتور محمد الأمين ( طبيب وناشط جمعوي) الأستاذ شهاب ( توفى في حياة والده) الدكتور خالد ( طبيب مدير الصحة بولاية الجلفة سابقا) الدكتور نوفل (طبيب ناشط نقابي) . وله بنتان حاصلتان على دكتوراه في العلوم الطبية. كما له مجموعة من الإخوة والأخوات من أشهرهم المفكر الدكتور سعيد شيبان وزير الشؤون الدينية الأسبق.

عن المحرر

شاهد أيضاً

إلى متى ستظل فرنسا تكيل بمكيالين ؟

أ. عبد الحميد عبدوس/ هستيريا سياسية استبدت بالطبقة السياسية في فرنسا التي توافقت على استلال …