الرئيسية | قضايا و آراء | الاقتصاد الإسلامي والتوازن الاجتماعي/ غسان الطالب

الاقتصاد الإسلامي والتوازن الاجتماعي/ غسان الطالب

للحديث عن الاقتصاد الإسلامي والمعاني السامية التي يرسخها في مفهوم العدالة الاجتماعية والتي يمكن التعبير عنها بحالة التوازن الاجتماعي، لابد لنا من التوقف عند مضمون أو مفهوم حالة التوازن هذه رغم اختلاف المفاهيم باختلاف النظم الاقتصادية والاجتماعية التي تسود حياة الأمم والشعوب في زمننا هذا، إلا أن الجميع يتفق على أنها أي «حالة التوازن الاجتماعي» نظام اقتصادي اجتماعي يرمي إلى إزالة الفوارق الاقتصادية بين افراد المجتمع، أما في فلسفة الاقتصاد الإسلامي والتي سبقت جميع النظريات الاقتصادية المعاصرة بمئات السنين فإن مفهوم العدالة الاجتماعية شمل جميع النواحي التي تتعلق بحياة الإنسان وسلوكياته مع نفسة ومع الآخرين، فرفض الظلم بكل أشكاله وأول ما حارب نظام العبودية واستغلال البشر وتحرير فكر الفرد من الجمود والتشتت وعبادة الأصنام إلى الإيمان ووحدانية الخالق، فالعدالة الاجتماعية في الإسلام هي ذات طابع أكثر شمولية من الأنظمة الاقتصادية الأخرى سواءً النظام الرأسمالي أو النظام الاشتراكي « الشيوعي»، الذي يلغي دور الفرد في الحياة الاقتصادية وجميعها تدور حول محوَر واحد هو ملكية الثروة ووسائل جمعها، {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}[النحل الآية 90]. لهذا كان لابد من وجود أسس أخلاقية لإعادة توزيع الثروة بين أفراد المجتمع، وهذا ما جاء به الإسلام حيث وضع معايير ونظام تشريعي لإعادة توزيع الثروة ضمن الأسس والضوابط التي وردت في القرآن الكريم والسنة النبوية والتي تهدف إلى تعميق روح التكافل والتعاون بين المسلمين ورفع الظلم عنهم، فكان فرض الزكاة وتنظيم الميراث، والحث على الصدقات وأعمال البر والإحسان وجميع النشاطات الخيرية وكل ما من شأنه أن يساهم في رفع المعاناة وعبء الفقر والحاجة عن كاهل المسلمين، وفي هذا يقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم:” من واسى الفقير وأنصف الناس من نفسه فذلك هو المؤمن حقاً “، وبناء على هذا فقد حرم الإسلام الربا {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ}[البقره: 275]. كما حرم الاكتناز بقوله تعالى :{وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}[التوبة:34]. كذلك حارب الغش والاحتكار واستغلال الإنسان للإنسان والهدر غير المبرر للموارد الاقتصادية للمجتمع، والأمثلة عديدة بهذا الخصوص .

ومن أوجه التوازن الاجتماعي التي أكد عليها الإسلام والمتمثلة في الحث على الصدقات ودعم الفئات المحتاجة في المجتمع  لسد حاجاتهم لنصل إلى مجتمع متوازن تسوده العدالة والمساواة، حيث قال تعالى:{إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}[التوبة:60].

ومن مظاهر التوازن الاجتماعي إلغاء الفوارق بين أفراد المجتمع، ودعا إلى التمسك بمبدأ الأخوة والمساواة كونها الأساس القوي والمتين في العلاقة بين أفراد المجتمع المسلم، وفي أكثر من آية كريمة أكد القرآن الكريم بأن أصل البشر واحد، وأنه مخلوق من نفس واحدة ومن تراب، ففي قوله تعالى:{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبا}[النساء:01]، فالعدالة الاجتماعية المنشودة هنا هي التي تكفل للمجتمع ولإفراده على السواء جميع الحقوق والواجبات، فإذا اختار المجتمع هذا النهج وطبقه فإنه وبكل تأكيد سيصل إلى حالة التوازن الاجتماعي المنشودة، والتي تكسب المجتمع حيوية، يساهم فيه الجميع  في عملية الإنتاج والتطور عندما يكون لديهم الشعور بالعدالة والمساواة في مجتمعهم.

 

* باحث ومتخصص في التمويل  الإسلامي

عن المحرر

شاهد أيضاً

فائدة ودليلها ومعناها وحكمها وصيغتها/ أ .. لخضر لقدي

أما الفائدة فهي: من أعظم مطالب الدنيا “كفاية الهم”، ومن أعظم مطالب اﻵخرة “غفران الذنب”، …