الرئيسية | شؤون اقتصادية | تحليل جودة أصول صناعة التمويل الإسلامي

تحليل جودة أصول صناعة التمويل الإسلامي

بقلم .. أحمد شوقي سليمان

محاضر وخبير مصرفي

باحث دكتوراه كلية تجارة جامعة الأزهر

بعد مرور أكثر من نصف قرن على ممارسة التمويل الإسلامي ونمو الانتشار الجغرافي لصناعة التمويل الإسلامي عن التمويل التقليدي في دول الشرق الأوسط وجنوب شرق آسيا، وامتدت تطبيقات التمويل الإسلامي لتضم أسواق جديدة من مختلف أنحاء العالم مثل إفريقيا والأمريكتين وشرق آسيا واكتسابه إقبالاً كبيراً في الآونة الأخيرة، فمن الضروري معرفة أهم العوامل المؤدية لانتشار هذه الصناعة على المستوى العالمي والتي تقدر أصولها 2,524 مليار دولار أمريكي بنهاية العام 2018. وبلغت عدد المؤسسات المالية الإسلامية 1396 مؤسسة في أكثر من 70 دولة ويرجع ذلك لصلابة المبادئ والركائز الأساسية التي يقوم عليها التمويل الإسلامي والتي تتمثل في تحريم التعامل بالربا أخذا وعطاء والذي اتفقت عليه جميع الأديان السماوية والذي اعتبره معظم الاقتصاديين الخطأ الأساسي في النظام النقدي والمالي الحالي، والمشاركة في الربح والخسارة والتي تستند على قاعدة الغنم بالغرم والمستمدة من قول سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم (الخراج بالضمان) والتي يقصد بها أن الحق في النفع أو الكسب (العائد أو الربح) يكون بقدر تحمل المشقة أو التكاليف أو المخاطر، وتحريم بيع الغرر وهو بيع غير المملوك وغير المعلوم والمثبت بالحديث الشريف في السنة النبوية والوضوح والشفافية، وقدسية عقود التمويل بأركانها الثلاثة: الصيغة ومحل العقد والعاقدان، وارتباط التمويل الإسلامي بالنشاط الاقتصادي الحقيقي أخذا بعين الاعتبار أولويات المجتمع الاجتماعية والاقتصادية (الضروريات – الحاجيات – التحسينيات) وتحقيق التماسك والتكافل الاجتماعي.

ويمتلك التمويل الإسلامي مجموعة من الصيغ التي تتوافق وتتلاءم مع كافة الأنشطة الاقتصادية وبشكل معاصر، حيث تتفق صيغة المرابحة مع كافة عمليات البيع والشراء لكافة السلع والخدمات، وتساهم صيغة الإجارة في تخفيف عبء شراء الأصول والآلات والمعدات والتي تمثل جزءا كبيرا من التكلفة الاستثمارية لأي مشروع من خلال الإجارة التشغيلية أو الإجارة المنتهية بالتمليك، وتم استحداث صيغة التورق في الآونة الأخيرة والتي تم تطبيقها بشكل واسع لتوفير السيولة التي يحتاجها العديد من الأفراد والمؤسسات، وتدعم صيغة الاستصناع عمليات التصنيع سواء في الصناعات الكبيرة أو الصناعات الصغيرة والمتوسطة، وكل هذه الصيغ تندرج تحت تصنيف صيغ البيوع، هناك تصنيف آخر وهو المشاركات والتي يندرج تحتها صيغة المضاربة وهي التي يقوم عليها عمل المصارف الإسلامية بشكل رئيسي، وصيغة المشاركة والتي تلائم الدخول في تمويل العديد من القطاعات كالتجارية والإنشائية وغيرها.  ويعرض الشكل التالي نسب تطبيق صيغ التمويل الإسلامي في المصارف الإسلامية والذي يتبين منه أن صيغ البيوع هي الأكثر تطبيقاً وصيغ المشاركة والمضاربة والمشاركة المتناقصة هم الأقل تطبيقاً بنسبة 5,5% تقريباً.

ولتركز اعتماد المصارف الإسلامية على صيغ البيوع فأصبح هناك أهمية لدراسة وتحليل جودة أصول المصارف الإسلامية في ضوء البيانات الدولية المنشورة كتقرير استقرار صناعة الخدمات المالية الإسلامية، والبيانات الصادرة عن البنوك المركزية والتي أظهرت من خلال العديد من الدول تحسناً نسبياً في جودة الأصول من خلال نسبة التمويلات المتعثرة Non performing Finance  (NPF) حيث بلغت 4,9% خلال العام 2019 بالمصارف الإسلامية ونوافذها مقارنة  بالفترات السابقة كما هو موضح بالشكل التالي:

وعلى الرغم من التحسن في معدلات NPF في المصرفية الإسلامية إلا أنها لا تزال أعلى من معدلات الديون المتعثرة بالبنوك بانجلترا والتي سجلت 3,6%، وفي أمريكا 1%، وبالنسبة للمتوسط العالمي 3,6% للعام 2017. وارتفع المعدل في السعودية ليصل إلى 1,2% عام 2018 مقارنة بــ 1% للعام السابق، وفي تركيا ارتفع ليصل 3,9% مقارنة بـ 3,1% لنفس الفترة، كما شهد المعدل ارتفاع نسبي في دولة ماليزيا بنسبة 0,1% خلال العامين 2018 و2017 وتعتبر دولتي السعودية وماليزيا هم الأقل في نسبة المعدل حيث يبلغ 1,3% بالمصارف الإسلامية الماليزية، وقد انخفض المعدل بالمصارف الإسلامية في الإمارات ليصل إلى 5,7 % مقارنة بــ 6,3%  لنفس الفترة السابقة مقارنة بنسبة 6,7% لإجمالي القطاع المصرفي الإماراتي. وقد سجلت المصارف الإسلامية بجمهورية مصر العربية تحسنا عاما في جودة أصولها حيث بلغ NPF  5,21 % لعام 2018، مقارنة بــ 7,24% لعام 2017، و8,3% لعام 2016. وقد سجلت مجوعة من الدول استقراراً نسبياً في جودة الأصول حيث سجل NPF بالمصارف الإسلامية في الأردن وفلسطين والكويت 2,8%، 1,7%، 2,2% على التوالي.

وبتحليل القطاعات الاقتصادية الأكثر تعثراً خلال النسبة يتضح أن قطاعي التجزئة والقطاع الشخصي والمنزلي يستحوذ على أكثر من 41% من النسبة والذي يظهر أن القطاع الاستهلاكي هو الأكثر تعثراً والذي يعتمد منح التمويل للأفراد، يليهم القطاع الصناعي 14,3% من نسبة التمويل المتعثر ثم القطاع العقاري 12,3%  من النسبة يليهم قطاع التشييد والبناء 9,9%  من نسبة التمويل المتعثر، ويعتبر القطاع الزراعي هو الأقل حيث يمثل 0,8% من نسبة التمويل المتعثر بصناعة التمويل الإسلامية.

ويتطلب الأمر لتحسين جودة أصول التمويل الإسلامي اتخاذ مجموعة من التدابير أهمها القياس الدقيق للجدارة المالية للشركات والملاءة المالية للأفراد وتحديد العبء الشهري للأفراد وعدم تجاوزه ومتابعة أوجه الاستخدام للتأكد من التطبيق السليم لصيغ التمويل الإسلامي وتقليل الاعتماد على صيغة التورق وذلك لأن الجزء الأكبر من نسبة التمويل المتعثر يتركز في التمويلات للأفراد حيث أنه إذا تم تقليص نسبة التمويلات المتعثرة للأفراد للنصف على الأقل سيساهم في وصول النسبة إلى 4% تقريباً وتقترب من النسب العالمية لنسبة التمويل المتعثر.

ولتحقيق المزيد من النمو في صناعة التمويل الإسلامي يجب على الحكومات والقائمين على صناعة المالية الإسلامية التغلب على معوقات التطبيق والتي تتمثل في مثلث معوقات نمو التمويل الإسلامي والتي تتمثل في  توفير التشريعات والقوانين الداعمة لتطبيقها وتهيئة المناخ الاقتصادي، وتوحيد المعايير الشرعية للحد من إشكاليات الاختلاف بين الهيئات الشرعية في تطبيقات التمويل الإسلامي، وتأهيل الكوادر البشرية لتدعيم التطبيق السليم للمصرفية الإسلامية والتمويل الإسلامي حول العالم.

 

 

 

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

كيفية الاستفادة من قوة الهوية الرقمية

أ. نجلاء عبد المنعم * تحول العالم رقمياً بأكثر مما تحول في عشرين سنة، وهذا …