الرئيسية | قضايا و آراء | حقائق الإسلام وتهافت العلمانية/ عبد العزيز كحيل

حقائق الإسلام وتهافت العلمانية/ عبد العزيز كحيل

 العلمانية الغربية حررت العقل من سلطة الدين المحرّف، وحررت المجتمع من سلطة الكنيسة المتسلطة، بينما رهنت العلمانية العربية العقل والدين والمجتمع لكنيسة جديدة هي دولة النخبة العلمانية المتحالفة مع الدبابات، والقائمة ضد المجتمع وطموحات الشعوب، وقد أخفقت في كل شيء وفي كل الميادين لأنها لم تكن حصيلة لتطور مجتمعي ذاتي داخلي بقدر ما هي حصيلة لسيطرة الفكر الاستعماري الاستشراقي السياسي والثقافي على منطقتنا، وهي فاشلة في النظرية والتطبيق وستبقى كذلك لأنها تقوم على الإملاءات الفوقية، وتروّج للهيمنة الفكرية الغربية في واقعنا الثقافي والسياسي مما أدى إلى ثنائية وانشطار ترفضهما الأمة بعقلها ووجدانها، كيف لا وهذه العلمانية تهدف قبل كل شيء إلى صنع الإيمان بالغرب مقابل ازدراء الذات وتراجعها بل وإنكارها، يهمها أن يزول كل شيء ويبقى الغرب فكرا وحضارة وسلوكا ومنتوجات ثقافية ومادية.

الفكر العلماني يرى أن العقل للدنيا والوحي أو الدين للآخرة، لأن العقل يقوم على البرهان بينما يقوم الدين على التسليم، وهذا مردود تماما، فما هو المقياس العلمي لاعتماد البرهان العقلي؟ هل هناك اتفاق حوله؟ أما التسليم دون دليل فهو شأن المسيحية أما الإسلام فلا يقوم على هذا أبدا بل كل بنائه قائم على الدليل، ومعلوم لدى جميع العقلاء أن الدليل ليس هو ما نلمسه بأدينا ونراه بأعيننا فحسب – فهذا خاص بالعلوم التجريبية – أما في الانسانيات فهناك الدليل العقلي، وفيه القطعي والظني…وهل رأى أحد الكهرباء بعينه –أو حتى بالمجهر- أو لمسها بيده؟ إنما يرى الناس –ومنهم العلماء المختصون – آثارها من إمداد بالطاقة وصعق ونحو ذلك…فهل هناك من ينكر وجود الكهرباء؟

في الإسلام العقيدة هي عالم الأفكار والرؤى التي تشكل بمجموعها فلسفة الحياة، أي هي التصور العام للكون والإنسان والحياة، ولا يمكن بالتالي أن يطرأ عليها أي عامل خارجي من أية ثقافة كانت، في حين تريد العلمانية أن تتصرف فيها بالزيادة والانتقاص لتتلاءم مع الفكر الغربي، وهوالعمل الذي قضى محمد أركون – ومعه آخرون – حياته في إنجازة ليصرح في آخر حياته أنه أخفق فيه، لكنه لم ينقد مسعاه بل ألقى باللائمة على المسلمين الذين ليس لهم استعداد لتقبل فكره.

ورفض أن ينتبه  إلى أنه – هو ومدرسته- يمثل بطرحه العلماني خروجا عن ثوابت الإسلام وكلياته وأصوله وحتى جزئياته وأحكامه خروجا سافرا لا يتقبله مسلم له صلة ولو رقيقة بدينه، لأن طرحه هو رفض واضح سافر لأحكام الشريعة ونزع صريح للقداسة عنها، وينحصر الطرح الفكري العلماني في النقد فقط، نقد القرآن والسنة والممارسة والتاريخ، ولا غرابة في ذلك لأن أقطاب هذه العلمانية في منطقتنا أصحاب معاصٍ وذنوب فكرية وسلوكية هم مصرون عليها لأنها ليست مخالفات عابرة بل هي نسقهم الحياتي المستوحى من الحياة الغربية، ثم هم جاهلون بالعلوم الشرعية  ويريدون الاجتهاد فيها، يؤلهون عقولهم وينطلقون من الفلسفة الغربية اللادينية، ويعدّونها هي وحدها المنطلق والغاية فيعملون على إرضائها على حساب الإسلام وثوابته، المتابع لإنتاجهم  يجدهم يدورون حول الكتب الإلحادية والانحراف الفكري، هذه هي الحقيقة التي تؤيدها الأدلة القاطعة، وإنما طمستها الدعاية المغرضة التي جعلت منهم أبطالا مجددين وأسكتت خصومهم بالإرهاب الثقافي والإعلامي والسياسي… معظم إنتاجهم تافه لا وزن له من الناحية العلمية، ولولا القصف الإعلامي والدعم المالي – خاصة عبر جوائز الدولة وجوائز الغرب- لوُلد ميّتا، وعلى كل حال هؤلاء لا يكتبون للمسلمين ولكن  لغير المسلمين لأن بضاعتهم لا يمكن أن تروج عند اتباع القرآن والسنة وهي تدور بين الإلحاد المباشر والمآلي والدعوة المموّهة إلى هدم الإسلام من أساسه، فهناك فئة من رؤوس العلمانية العربية تتبنى الكفر الصريح في تنظيرها، نجد فيها الجزائري المتفرنس أركون، حسن حنفي، وزكي نجيب محمود، وفؤاد زكريا، ومحمد سعيد العشماوي (كلهم من مصر) هشام جعيط، محمد الطالبي، عبد المجيد الشرفي، لعفيف لخضر

( من تونس) وهاشم صالح وشاكر النابلسي (من الشام)، وفئة أخرى أقل استفزازا  تنحو منحى التمويه والتشكيك لخدمة نفس الغرض، فيها محمد عابد الجابري (من المغرب)، محمد شحرور (من سوريا)، سيد القمني (من مصر)، ويبدو أنه توزيع للأدوار لبلوغ غاية واحدة، وهم يحاكمون الإسلام من خلال الوجودية والوضعية والمادية التي ينطلقون منها، والمسألة إذًا ليست قضية وقوع في أخطاء في قراءة الإسلام ومراجعه وتاريخه إنما هو بناؤهم لمشروع متكامل يهدم الإسلام من الأساس بدأه طه حسين بقوله ” في القرآن أساطير وانتهى أركون إلى أن القرآن كله أساطير، وموقف هؤلاء واحد في النهاية، سواء من القرآن أو السنة أو أحكام الشريعة أو قضايا المرأة والمحرّمات والأخلاق والحدود الشرعية، بل والإيمان بالله ابتداء.

ولا بأس في هذا السياق أن أشير إلى مسألة أعدها ذات أهمية كبرى هي من هم أستاذة أركون و”شيوخه” الذين كان شديد الإعجاب بهم، أعلم أن هذا لا يعجب العلمانيين الذين يفصلون بين الشخص وفكره، لكن في نسقنا العربي الإسلامي لا ينفصل المفكر عن شيوخه، بهم يُعرف اتجاهه حتى قبل قراءة إنتاجه.

الأغلبية الساحقة ممن أخذ عنهم أركون فرنسيون يهود ملحدون، منهم:

– روبير برومشفيك: أستاذ يهودي كان كاهنا في الجزائر.

– كلود كوهين: أستاذ يهودي شيوعي.

– ماكسيم رودنسون: المستشرق اليهودي الشيوعي المشهور.

– إيميل بنفنيست: أستاذ يهودي.

–  كلود ليفي ستروس:  يهودي ماركسي.

– رولان بارتيس: أستاذ شيوعي.

– ميشيل فوكو: أستاذ مادي مشهور، هو أول شخصية فرنسية ماتت بمرض السيدا.

هؤلاء هم من أخذ عنهم أركون – الذي يريد تجديد الإسلام – فكره، ولم يتتلمذ على أي مسلم إطلاقا لأن علماء الإسلام كلهم – قدما ومحْدثين- في نظره جهال متعصبون متحجرون.

إن من يُطلق عليهم ” مفكري الإسلام الجدد” يضربون الإسلام ضربا مزدوجا، فمن ناحية يحلون محل المستشرقين فكريا ومعرفيا، ومن جهة أخرى يسوّقون الفكر الغربي ثقافيا وإعلاميا لنقلنا إلى الاندماج في الآخر بدل التقارب معه والتفاعل معه لأن تميزنا الذاتي هو سرّ قوتنا، لكن العلمانيين يتعاملون مع دين على أنه خرافة وعائق للتقدم لأنهم لم يطلعوا بحكم تكوينهم الفكري وحتى النفسي على الدين الحقيقي بقراءتهم هم لا بقراءة المستشرقين والمبشّرين والمستعمرين، فالإسلام يحمل في نصوصه في تطبيقاته الميدانية حين كان يحكم الحياة كل مقومات رفعة الإنسان وازدهار الاقتصاد وحرية الفكر، ولسنا بالتالي في حاجة إلى العلمانية لنبني مجدنا من جديد، بل العلمانية هي العائق، فقد حكمت جميع الدول الإسلامية منذ استقلالها فلم تبنِ قوة ولا حققت تقدما في أي ميدان.

الإسلام يشيّد الحياة النظيفة أخلاقيا، النشطة علميا، المزدهرة اقتصديا، القوية حضاريا بواسطة رجال تحركهم شريعة فيها الثابت والمتغير، شريعة مرنة سبق لمنتسبيها أن أقاموا حضارة عالمية ذاتية باهرة لم تكن فيها المرجعية إلا للقرآن والسنة، مع انفتاح واع على الأديان والثقافات والحضارات المختلفة، إنها شريعة تجمع في تناغم بديع بين المثالية والواقعية، تدعو البشر إلى السموّ وتأخذ بالاعتبار ضعفهم ومحدوديتهم وقصورهم وظروفهم…كل هذا لأنها شريعة رب العالمين جل جلاله.

أما العلمانية التي يُراد لها أن تسيطر على البلاد الإسلامية فقد أصبحت مذهبا قمعيا تبنته أنظمة استبدادية تنتهك حقوق الإنسان وتضيّق على الحريات الفردية والعامة وتدمّر المجتمع.

 

 

 

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

التضحيـــــة … قيمــــة ســـامــيـــة تكـــاد تنــحـســــر

عادل بن جغلولي */ التضحية مصدر ضحَّى يقال: ضحَّى بنفسه أو بعمله أو بماله: بذله …