الجمعة 13 شوال 1441ﻫ 5-6-2020م
أخبار عاجلة
الرئيسية | وراء الأحداث | صفقة القرن لن تمر/ عبد الحميد عبدوس

صفقة القرن لن تمر/ عبد الحميد عبدوس

أثبت الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بما لا يدع مجالا للشك بأنه عدو للشعب الفلسطيني بصفة خاصة، وللأمتين العربية والإسلامية بصفة عامة، وخلافا للرؤساء الأمريكيين السابقين فهو لا يكتفي بأن يكون مؤيدا وداعما للجانب الإسرائيلي، بل يعمل على فرض سياسة وشروط اليمين الصهيوني المتطرف والحديث نيابة عن المستوطنين، ويفاخر علانية بأنه يريد دفن القضية الفلسطينية وإخراجها نهائيا من دائرة الاهتمام العالمي، وأجندات  تصفية الاستعمار في الأمم المتحدة، من خلال محاولة إجبار القيادة الفلسطينية على التوقيع على وثيقة الاستسلام الكامل للمحتل الصهيوني، فبعد  قرابة 27 عاما على اتفاقية أوسلو التي أجبرت فيها القيادة الفلسطينية على التنازل عن 78% من أراضي فلسطين التاريخية  للمحتل الصهيوني مقابل الاعتراف بدولة فلسطينية، يطلب الرئيس الأمريكي العنصري الصليبي من الفلسطينيين التنازل عن  30% مما بقي لهم من الأرض، وبخصوص قضية القدس التي تعتبر عقدة الصراع وبوصلة النضال الفلسطيني، فإن دونالد  ترامب يعطي لنفسه حق التصرف فيها وكأنها من ضمن الأملاك التي ورثها عن أمه وأبيه، ويؤكد بكل بساطة بأنه “أخرج ملف القدس من المفاوضات”  واعتبرها “عاصمة موحدة وأبدية لإسرائيل”، مانحا السيادة الكاملة لإسرائيل على الحرم القدسي الشريف، الذي يعد من أعز المقدسات لأمة تتكون من مليار ونصف مليار من البشر.

ومن نكد الدهر على هذه الأمة التي كانت خير أمة أخرجت للناس، أن أغلب قادتها أصبحوا في وضع من يدير خده الأيمن كلما صفع على خده  الأيسر، ولذلك قام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وشريكه في جريمة القرن رئيس حكومة تصريف الأعمال الإسرائيلية  بنيامين نتنياهو مساء يوم الثلاثاء، 28 جانفي2020  بالدوس على الحقوق العربية، والكرامة الإسلامية، وكذلك على القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية جهارا نهارا، وتماديا في الإهانة إلى حد دعوة بعض سفراء دول عربية ليحضروا ويباركوا حفل اغتصاب الحق الفلسطيني واستكمال تهويد فلسطين، سفراء دول الإمارات والبحرين وسلطنة عمان الذين صفقوا لجريمة القرن، لم يكونوا يمثلون في واقع الأمر سوى الجزء الظاهر من مسلسل خيانة بعض الأنظمة العربية  التي أصبحت  تصنف حركة المقاومة الفلسطينية للاحتلال الصهيوني في خانة الإرهاب.

في سياق هذا الانهيار المتواصل لمنظومة الأمن القومي والتضامن العربي صرح دونالد ترامب أن إسرائيل ليست هي التي قامت بالاعتداء على الشعب الفلسطيني واحتلال أرضه وإقامة الدولة الصهيونية على أكبر مساحة من أرض فلسطين التاريخية، واغتصاب مقدسات المسلمين، لكن المسلمين ـ حسبه ـ  هم الذين ظلموا إسرائيل وهاجموها في سنة 1948 وعليهم اليوم تقديم الاعتذار إليها.

أمام كل هذا الصلف الصليبي  الصهيوني، كان من المحير أن تسارع المملكة العربية السعودية إلى الإعلان عن “تقديرها” لجهود الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن “صفقة القرن”، هذه الصفقة التي تنسف مبادرة السلام العربية التي أطلقها العاهل السعودي الراحل، الملك عبد الله بن عبد العزيز في القمة العربية التي انعقدت في مارس 2002 ببيروت، والتي اقترحت إنهاء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، من خلال إنشاء دولة فلسطينية على حدود عام 67 وعاصمتها القدس الشرقية، وانسحاب إسرائيل من هضبة الجولان السورية المحتلة، وحل عادل لقضية اللاجئين الفلسطينيين، مقابل الاعتراف العربي بدولة إسرائيل والتطبيع معها.

وإذا كانت مبادرة الملك عبد الله بن عبد العزيز الذي كان وليا للعهد أثناء إطلاق المبادرة قد حظيت بإجماع عربي وتأييد فلسطيني فإنها جوبهت برفض قاطع من الحكومة الإسرائيلية، مما يعني زيف وكذب الادعاء الإسرائيلي الدخول في مفاوضات والبحث عن السلام.

وإذا كانت مواقف جل الأنظمة العربية لم ترق إلى مستوى الغضب والرفض اللذين أثارتهما خطة صفقة القرن في أوساط الجماهير العربية والرأي العام الإسلامي، إلا أن التركيز على موقف المملكة العربية  السعودية رغم أنه يبدو أفضل من موقف جاراتها الخليجية كالبحرين، والإمارات، وسلطنة عمان، ولا يقل سوءا في كل الأحوال عن موقف مصر التي تعتبر نفسها أقوى دولة عربية، وكانت تاريخيا في مقدمة الدول المطالبة بتحرير فلسطين،  ولكنها سارعت للإشادة بصفقة القرن الأمريكية ـ الإسرائيلية، وبدور الرئيس ترامب في حل الصراع، داعية الطرفان الإسرائيلي والفلسطيني للدخول في مفاوضات مباشرة لتنفيذ خطة السلام، وهو الموقف الذي يتعارض مع مواقف مصر التاريخية منذ سنة 1967 في دعم القضية الفلسطينية، هو بسبب اعتقادنا بأن القضية الفلسطينية بالنسبة للسعودية لا تمثل فقط قضية قومية، ولكنها قضية عقائدية، لأن السعودية هي في الوجدان العربي والإسلامي تمثل مركز الإسلام وحامية مقدسات المسلمين، والقدس هي أولى القبلتين وثالث الحرمين ومسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي بذلك تعتبر من المقدسات الإسلامية.

وفي هذا قال الإمام عبد الحميد بن باديس، رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في مقال له منشور في مجلة (الشهاب) بتاريخ جمادى الثانية 1357هـ الموافق لشهر أوت 1938م: ” رحاب القدس الشريف مثل رحاب مكة والمدينة وقد قال الله تعالى في المسجد الأقصى في سورة الإسراء:(الَّذي باركنا حوله)، ليعرفنا بفضل تلك الرحاب فكل ما هو واقع بها كأنه واقع برحاب المسجد الحرام ومسجد طيبة”. ولذلك يعنبر الإمام ابن باديس:” الدفاع عن القدس من واجب كل مسلم”.

إن صفقة القرن تشكل قطيعة مع مقترح حل الدولتين الذي نصت عليه مبادرة السلام العربية كحد أدنى لضمان حقوق الفلسطينيين وهي “تستهدف الوجود الفلسطيني على مستوى الأرض والإنسان والمقدسات” كما جاء في بيان حركة المقاومة الإسلامية (حماس).

وحتى صحيفة (الغارديان) البريطانية وصفت صفقة القرن التي طرحها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بأنها “احتيال وليست صفقة”.

وأكدت في افتتاحيتها أن الخطة “تتضمن وضع عوائق لمنع الفلسطينيين من المطالبة بالعدالة في مواجهة جرائم الحرب التي ارتكبت بحقهم ولا تزال ترتكب حتى الآن، بينما يسعى ترامب الذي يصف نفسه بأنه صانع صفقات ليعرض على الفلسطينيين 50 مليار دولار كاستثمارات في مقابل تخليهم عن حقوقهم المدنية وعن حقهم في وطن، لكن الفلسطينيين يرون رجلا محتالا لا رغبة لديه لتقديم شيء سوى وعود فارغة”.

ولعل بارقة الأمل المنبثقة عن كل هذا الشر والظلم الأمريكي الإسرائيلي المتجسد في خطة “صفقة القرن” هي إجماع ا لفلسطينيين بكل فصائلهم وتوجهاتهم على ضرورة التوحد ورص الصف لمواجهة خطة ترامب وإسقاطها رغم التضحيات والآلام والمعناة التي ستترتب عن هذه المواجهة، والمؤشر الأول على صلابة العزيمة الفلسطينية في تحمل كلفة المواجهة وعدم التفريط في الأرض والعرض، هو رد الرئيس الفلسطيني في أول تعليق فلسطيني رسمي على إعلان صفقة القرن، ورغم التهديد الذي وجهه ترامب  للرئيس الفلسطيني قال محمود عباس : ” أقول لترامب ونتنياهو أن القدس ليست للبيع، وكل حقوقنا ليست للبيع والمساومة، وصفقة المؤامرة لن تمر، وسيذهبها شعبنا إلى مزابل التاريخ كما ذهبت كل مشاريع التصفية والتآمر على قضيتنا العادلة”.

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

مجـــازر الثــامـــن مـــــاي 1945 … مازال قانون تجريم الاستعمار الفرنسي معطــــلا !

أ. عبد الحميد عبدوس / رغم أن مظاهر إحياء ذكرى مجازر الثامن ماي 1945 في …