الرئيسية | قضايا و آراء | المصارف الإسلامية والأزمات المالية/ إعداد أية نضال المناصرة

المصارف الإسلامية والأزمات المالية/ إعداد أية نضال المناصرة

سنبين موقف المصارف الإسلامية إزاء الأزمات المالية العالمية من خلال التعرف أولا إلى ماهية المصارف الإسلامية وخدماتها، ومن ثم بيان حلول معالجة على المدى الطويل من منظور إسلامي.

 الفرع الأول: ماهية المصارف الإسلامية وخدماتها

تجلت ذروة الإعصار المالي في العالم عندما انفجرت أزمة الرهن العقاري في أمريكا، إلا أن ذلك لا يعني أن سبب المشكلة ينحصر في أزمة الرهن العقاري بل إن جذور المسألة تعود إلى عقود طويلة وترتبط بتشريعات النظام الاقتصادي الرأسمالي.

وقد كان الربا هو أبرز أسباب الرهن العقاري الذي أدى إلى عجز الناس عن تسديد القروض التي اشتروا بها منازلهم وبلغت عروض البيوت المعروضة للبيع ثلاثة ملايين، وبرزت مشكلة توفر السيولة للبنوك لعدم استرداد الديون المترتبة على العقارات فانفجرت الأزمة.

حيث فتحت الأزمة المالية العالمية التي يعيشها العالم اليوم أنظار الناس على فشل النظام الرأسمالي على نظام بنكي يعتمد على نظام الفائدة الذي تصنفه الديانات السماوية تحت مسمى الربا المحرم.

لقد ركزت المصارف الإسلامية منذ تأسيسها في منتصف السبعينات على التمويل الاستهلاكي للأفراد والمؤسسات وعلى المنتجات الإسلامية التي تتميز بأرباح مضمونة وذات مخاطر منخفضة متمثلة في صيغة المرابحة باعتبارها عقد بيع تنتقل فيه مخاطر الأصل محل التمويل فورا إلى الزبون عند التعاقد وابتعدت عن التمويل بصيغة المشاركة التي يتم فيها اقتسام الربح والخسارة مع الزبون وكذلك صيغة المضاربة التي يتحمل فيها المصرف لوحده الخسارة باعتباره صاحب رأس المال ما لم يثبت تقصير أو إهمال الزبون المضارب وبالتالي فهي نأت بنفسها عن تطبيق المبدأ الشرعي ” الغنم بالغرم” أو “الخراج بالضمان” في سبيل تحقيق أرباح بأقل مخاطر ممكنة.

وتعرف المصارف الإسلامية بأنها مؤسسات مالية إسلامية تقوم بأداء الخدمات المصرفية والمالية كما تباشر أعمال التمويل والاستثمار في المجالات المختلفة في ضوء وأحكام الشريعة الإسلامية بهدف المساهمة في غرس القيم الإسلامية في مجال تبادل المعاملات والمساعدة في تحقيق التنمية الاجتماعية والاقتصادية.

أما أهم الخدمات التي تقدمها المصارف الإسلامية فتتلخص في قيام البنك الإسلامي بمهام الوساطة المالية بدون الاعتماد على سعر الفائدة عن طريق قيامه بالوظيفتين الرئيسيتين التاليتين وباستخدام أساليب تتفق مع الشريعة الإسلامية:

أ- تجميع المدخرات والودائع

وهي تنقسم إلى: الحسابات الجارية وودائع تحت الطلب، وحسابات الاستثمار المشترك، وحسابات الاستثمار المخصص.

ب- تقديم القروض ونشاط الاستثمار

حيث يكمل البنك وظيفته كوسيط مالي عن طريق استخدام هذه الأموال في مجالات الاستثمار المتنوعة، ويمثل استخدام الأموال أهم مجالات الاختلاف بين البنك الإسلامي والتقليدي. ولابد من الإشارة هنا إلى أن اختلاف طبيعة عمل البنك الإسلامي عن البنك التجاري التقليدي في مجال الاستثمار يعود بشكل رئيسي إلى نظرة الإسلام إلى عنصر رأس المال، فالنقود من وجهة نظر الاقتصاد الإسلامي تعتبر أداة للتبادل ومقياسا للقيمة وليس سلعة، في حين أن البنوك التجارية التقليدية تقوم على أساس المتاجرة بالنقود ومنح القروض بالاستناد إلى سعر الفائدة.

وبأخذ وجهة نظر الإسلام في النقود وأهمية مشاركة الجهد البشري في استخدام رأس المال، يمكننا إيجاز الوسائل التي تتبعها البنوك الإسلامية في مجال استخدامات الأموال.

1- المضاربة: عقد بين طرفين يقدم أحدهما المال للطرف الآخر ليعمل فيه بهدف الربح على أن يتم توزيع هذا الربح بينهما بنسب متفق عليها ابتداء، أما الخسارة فيتحملها صاحب المال وحده بشرط عدم تقصير الطرف الآخر.

2- المشاركة: اختلاط نصيبين فصاعدا بحيث لا يتميز أحدهما عن غيره في رأس المال والربح.

3- المرابحة: هي قيام من يريد شراء سلعة معينة بالطلب من طرف آخر (البنك الإسلامي مثلا) بأن يشتري سلعة معينة ويعده بأن يشتريها منه بربح معين.

4- وسائل تمويلية أخرى: كالاستثمار المباشر، وشراء الأوراق المالية.

الفرع الثاني: دور المصارف الإسلامية في بناء سوق مالية

تنوعت المؤشرات الدالة على نمو سريع في الصناعة المالية الإسلامية خلال العقد الأخير، فعدد المؤسسات المالية الإسلامية العاملة على الساحتين الإقليمية والدولية حاليا يربو على ثلاثمئة مؤسسة تعمل في أربعة وثمانين بلدة وسوقا ناشئة، وهي تتعامل بأموال يقارب حجمها 400 مليار دولار أمريكي.

ومن أهم أسباب هذه النمو نجاح الصناعة المالية الإسلامية الناشئة في استقطاب نصيب من الأرصدة النفطية الخليجية وشرائح متزايدة من العملاء الذين يرغبون في الاستثمار في أعمال تتفق وأحكام الشريعة الإسلامية، علما بأن متوسط معدلات العائد من هذه الصناعة قد تجاوز نظيره من الصناعة المالية التقليدية، حتى أن المسؤولين عن السياسة الاقتصادية يهتمون بشكل متزايد بالمنافع الاقتصادية للعمليات المالية الإسلامية بسبب ارتكازها على مبادئ عمل مصرفي خال من الآثار التضخمية لأنها تؤدي إلى تطابق بين النشاطين الاقتصادي والمالي.

وقد أثبتت هذه المصارف وجودها حتى بلغت أكثر من مائتي مصرف، ولم يقف الأمر عند هذا الحد وإنما قامت البنوك التجارية بفتح نوافذ إسلامية لها وبعضها تحول بالكامل إلى مصرف إسلامي.

 الفرع الثالث: موقف المصارف الإسلامية من الأزمات المالية العالمية

أولا: البنوك الإسلامية وأزمة الديون

لم تتأثر صناعة الصيرفة الإسلامية بالأزمة المالية العالمية مباشرة، ولكنها تأثرت بنواتج الأزمة كانخفاض الأسواق المالية وتعثر بعض المؤسسات المدينة للمؤسسات المالية الإسلامية وانكماش الاقتصاد الحقيقي، لكن رب محنة تحمل في طياتها منحة، فقد جاءت الأزمة لتكشف عن مدى قوة الأصول التي تقوم عليها الصيرفة الإسلامية وقدرتها على حماية الاقتصاد من الأزمات، وبالتالي فقد اكتسبت الاعتراف الدولي بها، كما أن الأزمة أدت لفتح الكثير من الأسواق التي كانت مؤصدة أمامها فترة طويلة من الزمن كفرنسا وإسبانيا وألمانيا وأستراليا مما يدل على أن الصيرفة الإسلامية مقبلة على طفرة غير مسبوقة في النمو.

ونلاحظ أيضا أن البنوك الإسلامية التي تعاملت مع البنوك التقليدية بعقد المرابحة بالسلع الدولية تحمل في ميزانيتها ديونة بالبلايين من الدولارات على بنوك تقليدية عالمية وإقليمية. وأخيرا فإن البنوك الإسلامية معرضة أيضا للتأثيرات نفسها التي تتعرض لها البنوك التقليدية مما ينتج عن الصعوبات المالية التي تطرأ على عملائها نتيجة لنقص دخولهم وثرواتهم بسبب تقلص العمالة وتراجع قيمة استثماراتهم المالية.

والدروس التي تستخلص من هذه الأزمة للتمويل والبنوك الإسلامية ذات أهمية وهي:

  • التأكيد على الثقة بصحة مسار التمويل الإسلامي من حيث التزامه بالتمويل بالبيوع والإجارات والمشاركات والبعد عن القروض بكل أنواعها، باعتبارها أداة تمويلية تبتعد بالتمويل عن السوق الحقيقية للإنتاج والتبادل، وكذلك التأكيد على الثقة بمبدأ عدم تداول الديون أو توريقها مما يشكل أهم الضمانات لعدم الانزلاق إلى الأزمة وعدم الوقوع فيها.
  • ضرورة إعادة النظر في بعض المعاملات المالية التي درجت عليها بعض البنوك الإسلامية مما يؤدي إلى البعد بالتمويل عن السوق الحقيقية، ولا يقوم على خلق قيمة مضافة بل إن نتيجتها هي فقط تحويل الثروة لأنها من نوع العقود ذات المجموع الصفري بما في ذلك ما يسمى بصناديق التحوط الإسلامي وعقود الوعود المركبة وعقود الاستثمار الصورية وغير ذلك من ممارسات شكلية لا تقوم على حقيقة إنتاجية أو تبادلية.
  • ضرورة إعادة النظر في نظم الأسواق المالية في البلدان الإسلامية، بحيث تعمل على الحد من المضاربات المالية، فتفرض قيودا على أنواع معاملاتها وتمنع المعاملات التي لا تتضمن استثمار حقيقية، مع العلم أن عددا من الأسواق العربية والإسلامية لا تسمح نظمها الحالية بالكثير من المشتقات التي هي من أهم أسباب الأزمة.
  • أن يقدم التمويل الإسلامي ومبادؤه للعالم وللآخرين بشكله الحقيقي الذي هو للبشرية كلها، رحمة للعالمين، وليس خاصا بالإسلام ولا المسلمين بل ولا هو من اختراعهم! وإنما هو ما عرفته البشرية في كل عصورها وجميع مجتمعاتها، ولا تزال تمارسه في معاملاتها، وهو معني بتحقيق العدالة ورفع الظلم الذي تؤكده الشريعة دائما في كل أحكامها.

ثانيا: الأزمات المالية ومعالجتها من وجهة نظر إسلامية

لم تتمكن المصارف الإسلامية من لعب دور فعال وجذري في حل الأزمة المالية الحالية، حيث عجزت عن تقديم حلول ناجعة للأزمة في ظل النظام الاقتصادي الحالي، كونها تعمل في الجهاز المصرفي العالمي القائم على غير أساس الإسلام، ثم أن حجمها على المستوى العالمي ضئيل جدأ، إذ لا يمثل سوى (3-4%) فقط من حجم الصيرفة العالمية، وبالرغم من عدم تأثرها المباشر بالأزمة الاقتصادية، كونها لم تتعامل بالربا والرهن العقاري والمشتقات المالية وغيرها من الأدوات الاستثمارية الرأسمالية الحديثة، إلا أن الالتزام بأحكام الإسلام الاقتصادية السمحة هو ما رفع من قيمتها وأسهمها عالمية إبان الأزمة، مما جعل بعض خبراء الاقتصاد الغربيين يتوجهون بالتفكير إليها وإلى أساليبها المصرفية، علها تخرجهم من الأزمة الخانقة ومن تداعياتها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وغيرها … فلقد قالت وزيرة المالية الفرنسية كریستان لاغارد: «سأكافح لاستصدار قوانین تجعل المصرفية الإسلامية تعمل بجانب المصرفية التقليدية في فرنسا)، وقال وزير المالية البريطاني في مؤتمر المصرفية الإسلامية الذي عقد في لندن بعد شهر رمضان الماضي 2009م، (إن المصرفية الإسلامية تعلمنا كيف يجب أن تكون عليه المصرفية العالمية)، ومن جهة أخرى ذهب بعض خبراء الاقتصاد الغربيين إلى أبعد من ذلك، ونادوا بتطبيق تعاليم الإسلام الاقتصادية واحترام ما ورد في القرآن، خاصة تحريم الربا.

هذا وسوف يتم مناقشة صلاحية نظام الإسلام الاقتصادي في معالجة الأزمات كما يلي:

1- سياسة الإسلام الاقتصادية والمالية: لقد ضمنت سياسة الاقتصاد في الإسلام تحقيق الإشباع لجميع الحاجات الأساسية، وفرضت أحكام الإسلام السمحة العمل على الرجل القادر، كذلك حث الإسلام الأفراد على الكسب وأمرهم بالانتفاع بالثروة، وحث الأمة على التعاون فيما بينها على البر والتقوى، وبين أحكامه التي تكفل أن يكون المال في خدمة الإنسان، فبين أحكامه للادخار والإنفاق والتداول وغيرها الكثير.

2- تحريم الربا تحريما شديدا: لقد حرمت النصوص الشرعية الربا تحريما شديدا لم تترك فيه مجالا لأي اجتهاد أو تأويل، واعتبرت التعامل بالربا محاربة الله ورسوله، وهو القائم عليه الاقتصاد الرأسمالي لما يسببه من استغلال للناس نتيجة القروض الربوية، وما يترتب عنها من شقاء وعناء.

3- الأسواق المالية (البورصات) وموقف الإسلام منها: تحويل التداول الحقيقي للثروة إلى اقتصاد غير حقيقي (رقمي وورقي) يربح الناس فيه ويخسرون أرقاما، جعل من تلكم البورصات منبعا للأزمات الرأسمالية التي تخلف وراءها الفقر والإفلاس والحرمان .

 ثالثا: إجراءات طويلة الأمد لحماية الاقتصاد العالمي وأسواق المال من منظور إسلامي

وفيما يلي بيان للإجراءات التي تحقق الحماية للاقتصاد العالمي وأسواق المال .

فصل الدين عن النظم المالية

احترام الملكية الفردية، وصيانة الحرية الاقتصادية المنضبطة بالقواعد الكلية في الأديان مثل عدم أكل أموال الناس بالباطل.

المتاجرة بالديون وتوريقها

إيقاف كل صيغ بيع الدين بالدين وأشكاله من التوريق، وحسم الأوراق التجارية، وخصم الشيكات المؤجلة السداد، وغير ذلك مما حرمته الشريعة الإسلامية .

غياب الرقابة المواكبة للحاجات المتجددة في سوق المال

مواكبة البنك المركزي لما هو جديد في سوق المال بالرقابة المشددة على أسواق المال، وعلى العمل المصرفي بعامة، وعلى ضخ الائتمان بخاصة.

الإفراط في استخدام البطاقات

نشر ثقافة الاقتصاد في البنكية المعيشة والادخار، وعدم الاقتراض لما هو ضروري.

 الاستثمار في المشتقات والمضاربات والعملات

الأخذ بعقود الاستثمار والتمويل الإسلامي ومنها صيغ التمويل بالمشاركة والاستصناع والسلم وغير ذلك مما يقوم على الاستثمار الحقيقي وعلى التداول الفعلي للأموال.

الجامعة الأردنية

كلية الشريعة

قسم المصارف الإسلامية

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

سورة العهد الأسبوعي…(1) واصبر نفسك

مداني حديبي / سورة الكهف سماها شيوخ العلم بسورة العهد الأسبوعي لأنك تعاهد الله على …