الرئيسية | على بصيرة | نفحات وسبحات تونسية زيتونية/ أ. د. عبد الرزاق قسوم

نفحات وسبحات تونسية زيتونية/ أ. د. عبد الرزاق قسوم

أتيح لي أن أصلي الجمعة الماضية في جامع الزيتونة الأعظم بتونس، صحبة الشيخ نور الدين رزيق عضو المكتب الوطني لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين.

وجاءت الزيارة إلى تونس بمناسبة انعقاد الندوة الدولية التي عقدها الاتحاد العالمي للعلماء المسلمين، فرع تونس، حول موضوع: “تفعيل المقاصد في تدبير المال العام، ومقاومة الفساد”.

أمَّ خطبة الجمعة بالجامع الأعظم فضيلة الشيخ هشام بن محمود، وهو العالم الزيتوني المتميز، وابن العالم الزيتوني الصالح والمصلح الشيخ مختار بن محمود رحمه الله.

كانت الخطبة بمثابة السّبحَات في ملكوت الله، فكان دعاء الشيخ الإمام يمتزج بترديد المصلين بصوت خاشع: “يا رب! يا الله!”.

كما كانت الخطبة بمثابة السباحات في بحر الأمة الإسلامية المتلاطم الأمواج بدءا بليبيا الشقيقة، وانتهاء بفلسطين الجريحة ومحنة القدس الشريف، ومرورا بباقي الأجزاء المريضة في الجسم الإسلامي كاليمن، والعراق، ولبنان، والسودان، وغيرها.

إن الصلاة في جامع الزيتونة، إحياء لذكريات تاريخية مضت، حين كانت هذه القلعة العلمية العظيمة تشع على تونس، وعلى المغرب العربي الإسلامي بصفة أخص، من خلال ما يقارب العشرين ألف طالب، وبفروع مختلفة منها فرعي معهد ابن باديس، ومعهد الكتانية بقسنطينة.

عادت بي الذكريات، وأنا أصلي الجمعة في هذا الجامع الأعظم، حين كان الطلاب كالـحَمَام، يملأون الساحات والقاعات، يغردون بالعلم، ويسبحون الأخوة، والمحبة، والانتماء.

لقد أتى على جامع الزيتونة زمن الاستقلال التونسي، الذي أقدم فيه القائمون على الدولة الوطنية، بإغلاق الجامع في وجه طلاب العلم، فصار لا يفتح إلا في أوقات الصلاة.

غير أن العالم الزيتوني الصالح المصلح الشيخ هشام بن محمود، قد نفخ في الجامع بخطبه الجمعية، المشخصة للداء والواضعة للدواء، نفخ فيه من روحه، ما جعل الجامع يعج بالمصلين في يوم الجمعة فيعودون منه بطانا، متزودين بالعلم، والوعي، والسعي.

كان لابد للجامع في هذا الوقت بالذات أن يسهم في إيقاظ الوعي لدى الشعب التونسي ولدى بقية الشعوب، بواسطة المصلين من مختلف الأقطار، الذين يقصدونه.

إن تنزيل الخطاب الديني على واقع الأمة الإسلامية المتأزم المتردي، هو عملية جراحية لابد منها، لإطفاء نار الفتنة، وتخفيف معاناة المحنة.

ولعل تنظيم ندوة تفعيل المقاصد في تدبير المال العام ومقاومة الفساد، هو نتيجة من نتائج التكوين العلمي لجامع الزيتونة ذلك أن القائمين على الشأن العلمي اليوم في تونس، والمشرفين بالذات على هذه الندوة المقاصدية، هم ممن تتلمذوا على مشايخ الزيتونة أو على تلاميذهم وأن في ذلك لعبرة.

ازرع جميلا، ولو في غير موضعه

فلن يضيع جميل، حيثما زرعا

يتم كل هذا وتونس بالذات، مثلها مثل شقيقتها الجزائر، تعيشان تحولا مشهودا يتمثل في التخلص من آثار الفساد التي أحدثتها العصابة هنا وهناك، في مسعى للنهوض بالوطن من كبوته، وإعادة صياغة المجتمع الأفضل، وبناء الإنسان الأكمل..

والتي يمكن لأي جزء من أجزاء الوطن العربي أن ينهض من كبوته، والأزمات تكبله من كل جانب، وما يجري في ليبيا، هو أقرب مثال لهذا التشخيص.

لذلك فإن ندوة تونس لمحاربة الفساد وخطبة الزيتونة لإيقاظ العباد، وجهود الجزائر للوقوف في وجه الاستبداد وللإعداد للبطش بالبلاد، إن هي إلا أمثلة، يقوم بها المخلصون من العلماء، والحكماء، والعقلاء، والأصلاء، لتفويت الفرصة على العملاء، والدخلاء لتحقيق حلم الأعداء.

إن وطننا العربي الإسلامي يئن اليوم تحت وطأة المؤامرات والمكائد، التي تأتي من خارج أوطاننا، لتعيد إلينا ولو بكيفية مقنعة، أنظمة الاستعمار البائد، وتكريس الفساد الذي هو سائد.

لابد أن تتكاتف – إذن- جهود العلماء والعظماء، والزعماء، للوقوف صفا واحدا في وجه مكائد الأعداء، وأننا نملك كل أسباب الدواء، إذا سلمت النوايا، وخلصت السعايا.

إن الشعوب العربية تلقى بمعاناتها وتضحياتها الدروس العملية، فهل نحسن الإصغاء لهذه الدروس، وهل يمكن الشعوب من الخلاص من حكم التيوس، لرفع الرؤوس، وتحرير النفوس، وإزالة كل تيار معكوس؟

نحن بالرغم من كل ما نعانيه، متفائلون، فالممثلون على خشبة المسرح السياسي ممثلون مزيفون يقومون بأدوار بالنيابة وإن هم إلا مجرد عصابة، فسينهار مسرحهم بحسن الإصابة، وترشيد الخطابة، لأن وزنهم بميزان الحق، وبمعيار الشعب لا يعدو وزن الذبابة.

حفظ الله الزيتونة لتونس، وحفظ الله تونس لأمتها العربية، أبية، بقية، تقية.

وحفظ الله الجزائر بجهدها وجهادها، لتقدم المثل الناجح والناجع للتحرير والتحرر، من النفوذ الأجنبي، وإقامة المجتمع الأفضل الأبي، وأن غدا لناظره قريب، وأن المستقبل كشاف، وخير ما نوصي به شباب الأمة الإسلامية هو ما أوصى به الشاعر التونسي الكبير مصطفى خريف شباب الجزائر حين قال لهم:

صوني شبابك يا جزائر

كي لا تدور بكِ الدوائر

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

جمعية العلماء، وبناء المجتمع الأفضل/ أ. د. عبد الرزاق قسوم

سوف تظل الفضيلة، كقيمة إنسانية، هي غاية ومطلب كل أبناء الإنسانية الشرفاء، والنبلاء؛ ويستوي في …