الرئيسية | وراء الأحداث | عبان رمضان هذا البطل المفترى عليه!/ عبد الحميد عبدوس

عبان رمضان هذا البطل المفترى عليه!/ عبد الحميد عبدوس

ذكر الكاتب والباحث في قضايا التاريخ الوطني، بلعيد رمضان ابن أخي الشهيد عبان رمضان في حوار صحفي له مع جريدة (الوطن) المفرنسة نشر في 16 جانفي 2020  أن عبان رمضان هو الذي:”  أنقذ الحساسية الباديسية من استئصال مبرمج بإدماجها في جبهة التحرير الوطني ومنحها بذلك فضيلة الانتساب للثورة… إن هذه الحساسية الباديسية التي يتم التبجح بها اليوم لشيطنة مؤتمر الصومام الذي مكنها من الوجود في صفوف الثورة” .

والحقيقة أن الذي حفظ الحساسية الباديسية أو جمعية العلماء المسلمين الجزائريين من الاستئصال والاندثار هو في المقام الأول إرادة الله عز وجل وفضله على الجزائر وعباده المؤمنين، ثم التفاف الشعب الجزائري حول رسالتها الحضارية التي رفع لواءها ثلة من العلماء والصلحاء الملتزمين بالخط الإسلامي الوسطي، والمنهج التربوي التنويري لخدمة دين الشعب وقضيته المقدسة لاستعادة هويته الأصيلة، ومواصلة النضال من أجل تحرير وطنه من دنس الاستعمار الفرنسي الاستيطاني الصليبي. فلم تتمكن الإدارة الفرنسية الاستعمارية من استئصال الحساسية الباديسية ونشاط جمعية العلماء المسلمين رغم محاولتها تجفيف منابع تأثير الجمعية بمحاربة مدارسها الحرة، وغلق جرائدها، ومنع قادتها من النشاط المسجدي، وسجن إطاراتها، ومحاصرة خطابها الوطني الرامي إلى توعية الجزائريين بأن الجزائر ليست فرنسا، ولا تريد أن تكون فرنسا، ولا تستطيع أن تكون فرنسا.

أما فيما يتعلق بمكانة وجهود الشهيد عبان رمضان وعبقريته التنظيمية في لم شمل كل الحساسيات الوطنية وصهرها في بوتقة الثورة لخدمة هدف استرجاع الاستقلال الوطني، فلا ينكرها إلا جاحد أو حاقد أو مكابر.

فمنذ أن تولى الشهيد عبان رمضان المسئولية الثورية على منطقة الجزائر العاصمة بعد خروجه من السجن في 18جانفي 1955 عكف على تجسيد سياسته الرامية إلى توحيد القوى الوطنية، وفي هذا المنظور كلف المجاهد رباح لخضر بأن يربطه بكل الشخصيات الهامة التي لها تأثير في المجتمع الجزائري، فتم الاتصال بممثلي المركزيين من حركة انتصار الحريات الديمقراطية، وجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، والاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري، والحزب الشيوعي. وهذا لا يعني أن أعضاء هذه التنظيمات أو الحساسيات لم تكن قبل هذا الاتصال منخرطة في الثورة، فكثير من منتسبي وطلبة جمعية العلماء المسلمين كانوا قد التحقوا بالجبال وبصفوف الثورة في الأيام الأولى لاندلاعها.

كان  إيمان الشهيد عبان رمضان بأن الثورة يجب أن تكون من صنع الجميع وإلا فإن مصيرها سيكون الفشل، وأن جبهة التحرير الوطني هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الجزائري في كفاحه ضد الاحتلال الفرنسي، هو الذي أقنع الحساسيات والحركات الوطنية بحل تنظيماتها والذوبان في جبهة التحرير الوطني. وهذا ما جعل الشهيد عبان رمضان يقنع المشاركين في مؤتمر الصومام الذي كان بمثابة المؤتمر التأسيسي لجبهة التحرير الوطني بتعيين أعضاء في المجلس الوطني للثورة الجزائرية (الهيئة العليا للثورة) من المركزيين (إدير عيسات، سعد دحلب، امحمد يزيد، عبد الحميد مهري، بن يوسف بن خدة، محمد صالح الوانشي، عبد المالك تمام) وجمعية العلماء المسلمين (توفيق المدني، وإبراهيم مزهودي) والاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري (فرحات عباس، وأحمد فرنسيس).

في 15 مارس 1956 ( قبل خمسة أشهر من مؤتمر الصومام ) وجه عبان رمضان باسم قيادة جبهة التحرير الوطني من الجزائر رسالة إلى الوفد الخارجي لجبهة التحرير بالقاهرة (محمد خيضر، احمد بن بلة، محمد بوضياف، حسين آيت أحمد)  قال فيها :” ليس لنا نفس التصور عن جبهة التحرير، بالنسبة إليكم تعتبر جبهة التحرير حزبا تقف خلفه أغلبية الشعب الجزائري، كما أنها استمرار لحزب الشعب الجزائري، وحركة الانتصار للحريات الديمقراطية، واللجنة الثورية للوحدة والعمل، فأنتم إذن منطقيون مع أنفسكم كما توصون بالاتحاد.

أما بالنسبة لنا فإن جبهة التحرير هي امتداد في المجال السياسي للشعب الجزائري المكافح من أجل استقلاله. إن الجبهة هي شيء جديد وليست هي حزب الشعب الجزائري ولا حركة الانتصار للحريات الديمقراطية، ولا حتى اللجنة الثورية للوحدة والعمل. إن جبهة التحرير هي تجمع لكافة الجزائريين الذين يرغبون بإخلاص في الاستقلال، فالمسألة إذن ليست مسألة اتحاد، إن الاتحاد تحقق في خضم الكفاح ضمن جبهة التحرير الوطني. إن جميع الناس في الجزائر جبهويون باستثناء مصالي وأصدقائه. فالاتحاد موجود مادامت قواعد جبهة التحرير تتكون من قدامى المركزيين الذين تم إقصاؤهم من حزب الشعب والإطارات السابقين الذين أقصوا من حركة الانتصار للحريات الديمقراطية والذين أقصوا من الحزب الشيوعي (وهم قليلون جدا) ومن جميع أحباب البيان ومن جميع العلماء ومن المستقلين الذين لم يسبق لهم الانضمام إلى حزب وأخيرا من مناضلي حركة الانتصار للحريات الديمقراطية الذين كانوا حياديين خلال الانشقاق داخل حركة الانتصار للحريات الديمقراطية.”

ورغم أن مؤتمر الصومام مكن جبهة التحرير من الخروج باستراتيجية سمحت بتعبيد طريق الثورة نحو تحرير الجزائر، إلا أن الكثير من قادة الثورة وخصوصا أعضاء الوفد الخارجي للثورة لم يغفروا للشهيد عبان رمضان إشراكه لبقية الحركات الوطنية من خارج المجال السياسي لحزب الشعب في الهياكل القيادية للثورة، حتى أن المجاهد العقيد كريم بلقاسم العضو البارز في لجنة التنسيق والتنفيذ (القيادة العليا للثورة) المنبثقة عن مؤتمر الصومام، صرح في اجتماع المجلس الوطني للثورة الذي انعقد في القاهرة في 20 أوت 1957 بحضور العقداء بن طوبال، وبو الصوف، ومحمود الشريف بقوله:” أعضاء لجنة التنسيق والتنفيذ يجب أن يكونوا أعضاء غير مطعون فيهم وغير قابلين للجدل. لم أكن أريد التدخل في الخلاف بين عبان وبن بلة، لكن هناك حقيقة: رفقاؤنا الخمسة القابعون في السجن يحتجون على وجود مركزيين بيننا هما: ابن خدة وسعد دحلب، وأشاطرهم الموقف. لماذا اتخذ اليوم في القاهرة هذا الموقف؟ لأن هؤلاء السياسيين الذين لم يكونوا بتاتا ضمن الثوار يناورون من أجل تصفية رجال جيش التحرير والقادة التاريخيين.”

هذا التصريح الحاد من العقيد كريم بلقاسم لم يمنعه أن يكون  نائبا لرئيس الحكومة، ووزيرا للداخلية  في الحكومة المؤقتة التي تشكلت في 28 أوت 1961 برئاسة بن يوسف بن خدة، وقبل ذلك كان العقداء الثلاثة أو “الباءات الثلاث”( كريم بلقاسم، عبد الله بن طوبال، وعبد الحفيظ بو الصوف) المتهمون باغتيال عبان رمضان في مدينة تطوان بالمغرب سنة 1957 هم الذين اختاروا فرحات عباس بالإجماع  لرئاسة الحكومة المؤقتة للثورة الجزائرية في سبتمبر 1958.

يقول المجاهد إبراهيم مزهودي أحد المشاركين في مؤتمر الصومام عن الولاية التاريخية الثانية :” قرارات مؤتمر الصومام صادقوا عليها جميعا برفع الأيدي وأول من رفع يده للمصادقة كان عبان رمضان” واليوم نقرأ ونسمع بكل  أسف أن عبان رمضان هذا البطل الكبير الذي كان له الفضل في تنظيم الثورة وتوحيد كل الطاقات الجزائرية لتحقيق انتصارها أصبح يتهم بالخيانة وبالجهوية ومعاداة التوجه الإسلامي .

وفي هذه الشهادة لثاني رئيس للحكومة المؤقتة للثورة الجزائرية المجاهد بن يوسف بن خدة الذي يعرف الشهيد عبان رمضان حق المعرفة يقول:”  لم يعترض (عبان رمضان) في أي وقت من الأوقات ولا في أي موقف من مواقفه على القيم الإسلامية الواردة في إعلان أول نوفمبر، بأي شكل من الأشكال. .. وعلى الرغم من أن عبان لم يكن يؤدي فرائضه الدينية (وشأنه في ذلك شأن الكثير من قادة جبهة التحرير الوطني وجيش التحرير الوطني)، فقد كان ذا سماحة كبيرة وشديد الاحترام لإيمان ومعتقدات رفقائه في السلاح. والذي كان يهمه قبل كل شيء هو تحقيق وحدة جميع الجزائريين – من دون تمييز – من أجل تحرير الجزائر من ربقة الاستعمار”.

عن المحرر

شاهد أيضاً

البحث عن مفاتيح الأزمة الليبية في برلين !/عبد الحميد عبدوس

شكل مؤتمر برلين الدولي حول ليبيا أهم محطة في مساعي إيجاد حل سياسي توافقي للصراع …