الرئيسية | قضايا و آراء | البناء الثقافي وضرورة الارتباط بالمصادر/ د. إبراهيم نويري

البناء الثقافي وضرورة الارتباط بالمصادر/ د. إبراهيم نويري

الثقافة العميقة المؤسسة تأسيساً علمياً ومنهجياً صحيحاً، مدينةٌ بصورة أو أخرى لفضل كتب المصادر أو الكتب التأسيسية القديمة، ومن ثمّة فنحن لا نجد في واقعنا مثقفاً واسع الثقافة راسخ المعرفة مبتوت الصلة بكتب المصادر؛ ولعل إلقاء نظرة على ما خطّه هؤلاء المثقفون الراسخون في المعرفة ــــــ خاصة في سيرهم الذاتية ـــــ تؤكد لنا هذه المسألة.

فهذه المعلومة الثمينة مرّت بي أثناء مطالعاتي في كتب سير ومذكّرات كبار الأدباء والعلماء والمثقفين، أمثال العقاد وأحمد أمين وطه حسين والمازني وعبد العزيز الخويطر ومحمد البشير الإبراهيمي ومحمد الغزالي وغيرهم؛ ولذلك فإني أرغب في نقلها لأجيالنا الجديدة للإفادة منها والعمل بها فيما يتعلق ببناء عالمهم الثقافي والفكري.

بين المصدر والمرجع:

المصدر هو الكتاب الذي نلفي بين طيّاته عادة المعارف والمعلومات الصحيحة المحقّقة أو المضبوطة منهجياً من الناحيتين العلمية واللغوية. أي إنّ المصادر كتبٌ شاملة في مجالها، ومعالجتها للموضوع مركّزة، كما أنّها مرتبة بشكل معيّن أو محدّد لتسهيل عملية إيجاد المعلومات بسرعة ويسر؛ ومن وجهة نظر لغوية أشتُقّ المصدر من الصدر أي هو شيء له مكان الصدارة لأهميّته وشدّة الحاجة إليه. أما المرجع فهو كتاب أو وعاء ثقافي ثانوي، أو هو كتاب يساعد في شأن إكمال المعلومات والتثبّت من بعض المسائل، بيد أن المعلومات التي يحتويها تقبل الجدل والأخذ والرد غالبا . بخلاف المصدر فإن مساحة الجدل حول مضامينه محدودة؛ ولعله من الأفضل في هذا السياق أن نعرض بعض الأمثلة كي يتضح البون أكثر بين كلّ من المصدر والمرجع .

إن ديوان الشاعر ابن الرومي مصدر أساس لا يمكن الاستغناءُ عنه البتّة لكلّ مَن يودّ دراسة حياة وأدب ابن الرومي. أما كتاب الأديب الكبير عباس محمود العقاد “ابن الرومي حياتُهُ وشعرُهُ ” فهو مرجع يرجع إليه الباحث الذي يرغب في استكمال المعلومات التي تتعلق بابن الرومي وبعض خصائص شعره. ذلك أنه يتضمّن دراسةً استندتْ إلى المصدر الأول وهو ( ديوان ابن الرومي) إلا أنّ هذا المرجع يحوي كثيراً من الآراء ووجهات النظر التي يمكن أن يعترض عليها الآخرون أو على أقل تقدير يناقشونها ويقارنونها بغيرها أملا في الاهتداء إلى تقييم أكثر أهميّة من جهة الوزن العلمي .

كذلك يُعتبر كتاب ” الكتاب ” لسيبويه مصدراً رئيساً للنحو وقواعد اللغة العربية، أما كتاب الدكتور شريف محسن محمود “دليل مفاتيح الإعراب الميسّر” فهو مجرد مرجع في النحو والقواعد، لأنه استند على ما تمّ إقراره من قواعد وأقيسة وأبنية في كتاب الكتاب، كما أنه ليس شاملاً في علم النحو ــــ مثل كتاب الكتاب ـــــ بل هو يتناول محوراً محدداً  فحسب وهو طرق تعلّم الإعراب وتيسيرها لطلاب اللغة العربية .

ولا شكّ أنّ هذين المثالين من شأنهما أن يدفعا القارئ إلى إدراك البُعد التأسيسي والرسوخ العلمي والمعرفي لكتب المصادر، وبالتالي إلى الاعتناء بها أكثر وإحلالها المنزلة التي تليق بها فيما يتعلق ببناء مساره العلمي والفكري والثقافي .

إن كتب المصادر تعتبر بحق الركيزة الذهبية في المكتبات وهي أيضا قلبها النابض؛ ولا نبالغ إذا قلنا بأن امتياز مكتبة على مكتبة أخرى إنما يكون أولا بما تحتويه من كمّ وعدد كتب المصادر؛ ولقد أدرك الباحثون والمحقّقون قيمة كتب المصادر فأطلقوا عليها عدة أسماء منها ( الكتب الأصول) و ( الكتب الأمهات) ـــــــــ الأصح الكتب الأُمّات أو أمّات الكتب ـــــــ و( الكتب الأساسية) و ( ركائز العلم) .. إلخ .

أما أسلافنا المسلمون فقد أولوا كتب المصادر أهميّة خاصة وأتاحوا فرصة إعارتها والإفادة منها لكلّ راغب ومقبل على العلم دون أي مقابل مادي، وفي هذا الصدد يذكر ياقوت الحموي رحمه الله أنه كان موجوداً في مدينة  ” مرو ” وهي من مدن خراسان، وذلك في أواخر القرن السادس الهجري ومطلع القرن السابع، وكان يستعير من مكتبات مرو البالغ عددها عشر مكتبات آنئذٍ كثيراً من الكتب حتى أنّ بيته لم يكن يخلو من مائتي كتاب، في الوقت الذي كانت فيه المكتبات في أوروبا والغرب عامة معدومة أو نادرة، وفي حال وجودها فهي ــــ كما يذكر المؤرخون ـــ ملحقة بالأديرة والكنائس، كما أنها مقصورة على الرهبان ورجال الدين وخُدّام المعابد والأديرة، كما كانت تُشدُّ بسلاسل فولاذية إلى الجدران، كي لا يمكن إخراجُها خارج هذه الدور، ولم تكن  كتباً منوّعة من حيث محتوياتها المعرفية، بل كانت في عمومها لا تخرج عن الطابع الديني اللّاهوتي فحسب .

مصنفات بيبليوغرافية اعتنت بكتب المصادر:

كما أشرنا فإن المكتبة العربية والإسلامية غنيّة ومترعة حالياً بكتب المصادر، فما بالك لو أُتيح لنا استعادة التراث المخطوط الذي يوجد في كبرى مكتبات الغرب، مثل مكتبة الكونغرس بأمريكا، ومكتبة الأسكوريال بإسبانيا، والمكتبة الوطنية بفرنسا، ومكتبة فيينا الوطنية بالنمسا، وغيرها كثير كثير، بل إن المخطوطات الإسلامية موجودة في العديد من مدن إفريقيا ما وراء الصحراء، وخير مثال على ذلك: المخطوطات العربية والإسلامية بمدينة ” تمبكتو ” بدولة مالي .

ويسرنا أن نسوق للقارئ الكريم هذه العناوين الموسوعية التي اهتمّت وأرّخت للمصادر العربية والإسلامية  المطبوع منها والمخطوط على السواء مع تفاوت في طرائقها المنهجية:

1 ــ كتاب الفهرست لابن النديم .

2 ــ مفاتيح العلوم للخوارزمي .

3 ــ نهاية الأرب في فنون الأدب لشهاب الدين النويري .

4 ــ خزائن الكتب القديمة في العراق منذ أقدم العصور لسركيس عواد .

5 ــ اكتفاء القنوع بما هو مطبوع لإدوارد فنديك .

6 ــ إحصاء العلوم للفارابي .

7 ــ فهرس الخزانة التيمورية، من إعداد: دار الكتب المصرية .

8 ــ قاموس عام لكل فن ومطلب لبطرس البستاني .

9 ــ فهرست المخطوطات المصوّرة للطفي عبد البديع .

10 ــ كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة .

11 ـــ معجم المؤلفين لعمر رضا كحالة .

12 ـــ فهرست المخطوطات العربية، إعداد مكتبة الأسكوريال بإسبانيا.

ولا بأس أن نضيف إلى هذه النماذج والأمثلة: دوائر المعارف، مثل دائرة المعارف البريطانية ودائرة المعارف الألمانية، ودائرة المعارف الإسلامية، ودائرة معارف القرن العشرين لفريد وجدي، ودائرة معارف بطرس البستاني وغيرها كثير.

  • بقي أن أذكّر بأن بعض القراء يعتقدون بأن المصادر القديمة صعبة الاستيعاب وأسلوبها غير مفهوم، وأسارع إلى القول بأن هذا مجرد وهم استدعاه عدم التعوّد على التعامل مع هذه الكتب، ومَن يقرأ كتب الجاحظ مثلا سوف تحبّبه في العودة إلى كتب المصادر وسوف تكون فرصة ذهبية للارتقاء بثقافته ولغته وذوقه .

ولا ريب أن انعكاسات التعوّد على الاستقاء من هذه الأوعية التأسيسية في ثقافتنا العربية والإسلامية تتجلى بعد ذلك في حديث المتحدّث وكتابته على السواء.

عن المحرر

شاهد أيضاً

التضحيـــــة … قيمــــة ســـامــيـــة تكـــاد تنــحـســــر

عادل بن جغلولي */ التضحية مصدر ضحَّى يقال: ضحَّى بنفسه أو بعمله أو بماله: بذله …