الرئيسية | في رحاب الشريعة | في صميم القضية بين أداء الأمانة وغفلة البلية/ محمد مكركب

في صميم القضية بين أداء الأمانة وغفلة البلية/ محمد مكركب

تعالوا لنبدأ البحث بهذه الموعظة السارية بين الملوك والأمراء  وأصحاب المناصب العالية، وأعني قول الناصح لأميره:{لو دامت لغيرك لما وصلت إليك، فاعلم أنها لا تدوم لك، فاغتنم منها ما يشرفك في دنياك وينفعك يوم لقاء ربك} ثم هذه مع حكاية نادم: عمل مدة عقدين من الزمن في مجلس شوري وطني من مؤسسات دولته في وطنه هناك، حيث تُطْلبُ المناصب للمكاسب، والوظائف للرواتب، حيث يُبْعَد العلماء ويقرب الحبايب، نسي معاناة البادية وشظف العيش بين فقرائها ومساكينها، أنساه الهاتف النقال، والسيارة الفارهة، والمرتب المغري، واللقاءات والـخرجات مع البهوات، ونسي القضاء والقدر، ونسي واجبه تماما، إلى أن أُنْهِيَتْ مهامه وانقطعت عنه الاتصالات ولم يعد يسمع رنين الهاتف ولا سلام المؤيد ولا المخالف، ولا الهدايا ولا التكريمات، ولا الزيارات. أين السيارة السوداء البراقة، أين اتصال الوزير والوالي أين الصداقة؟ أيعقل بعد كل ذلك الجاه والعجب الذي أنساه، والريع الذي غره فظن أنه عَلَّاه، ثم أطاح به ورماه، دارت في نفسه هذه التساؤلات، ثم قال: أبعد كل ذلك أَخْرُج إلى شوارع المدينة وأسواقها ومقاهيها وأقضي حوائجي كفرد عادي؟. وهنا وفقط بدأ ضميره يستيقظ ويصحو وينتفض، وبدأ يراجع نفسه، ويحاسبها عن عقدين من الزمن في المجلس الشوري، قال: ماذا فعلت في سبعة آلاف يوم؟ لم يذكر ولا يوما خدم فيه الأمة، لكن رقم رصيد المالي في البنك ارتفع، راح يعصر قلبه ودماغه عله يعثر في صفحات ماضيه الوظيفي على شيء يُذْكَرُ به فلم يجد، بل وجد ما ينتقد عليه. وراح يتجرع كأس الندم والأسف، فهل ينفعه الندم؟ هذا في الدنيا فقط ويوم القيامة كيف يكون الحال؟ {يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ}[النحل:111] أما الذين لم تنسهم المناصب والمكاسب القيام بالواجب، اغتنموا كل دقيقة لـخدمة وطنهم، لم ينسوا أصل معيشتهم مع فقراء شعبهم، ما أخذوا ولا دينارا من المال العام لمصالحهم الخاصة، فهم لم ينسوا النصيحة {لو دامت لغيرك ما وصلت إليك}فكانوا من الذين يقول من شدة الفرح يوم القيامة نتيجة قيامهم بواجبهم على الوجه الكامل:{فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ}[الحاقة:19/24].

هل يسأل الناس يوم القيامة عن أعمالهم؟ قال الله تعالى:{فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ}[الحجر:92/93].

وكما ندم من شغل منصبا عقدين من الزمن في مجلس الشورى ولم يجد في سجل حياته الوظيفية ما يفرح به ولا ما يحفظ به جزءا من شرف مهنته. كذلك قد يتساءل رئيس بلدية أو والي ولاية أو وزير أو أمير أو ملك. كيف يعيش أصحاب المناصب الحساسة في الدولة خاصة أولئك الذين بيدهم قرارات مصير الأمة ولا يحاسبون أنفسهم كل نهاية شهر وكل نهاية سنة عن سيرة أعمالهم فما لهم وما عليهم، بل المفروض وهذه هي نصيحة المقال لك أيها المسئول إن كنت تريد أن تكون من الفائزين في الدنيا بإظهار وجهك شاكرا حامدا ومشكورا محمودا، وفي الآخرة ممن لا خوف عليهم ولاهم يحزنون، إذا كنت تريد هذا: فلا تكتفي بمحاسبة نفسك بنفسك، وإنما أعرض نفسك على العلماء المخلصين واطلب نصيحتهم، تسلم في الدنيا والآخرة، وعليك بالقرآن يا عبد الرحمن ولا تنس بأنك في حرب مع الشيطان الذي يريد أن يغرقك في الشهوات بل والمحرمات ثم يتركك في حسرتك إن استجبت له، فاستجب لله سبحانه الذي يحييك ويسعدك، واحذر من الشيطان الذي يشقيك ثم يرميك{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ}[فاطر:5].

وكأني بموظف يتساءل مع نفسه أو يريد أن يسأل وهو في حيرة من أمره، ويقول: فهل إذا كان المسئول عنه راضيا به، ويعمل بأمره وينتهي بنهيه، ولو كان لا يؤدي الأمانة كاملة، ألايكفيه أن رؤساءه راضون عنه، وأنهم هم الذين يُسألون عن الأمانات؟؟ أقول لهذا المتسائل إياك وهذه المغالطة، فإذا كنت قصرت في واجبك وضيعت الأمانة ولو برضا رئيسك في المؤسسة فلن يعفيك ذلك من المسئولية، فلا يحتج رئيس بلدية على عدم قيامه بتحقيق كل الضروريات والحاجيات لسكان بلديته، بأنه تابع للولاية أو الوزارة، وإنما له قانون يطبقه، وحاجات المواطنين يلبيها، فلابد للطريق أن يصلح، وللمدرسة أن تبنى، وللمستشفى أن يقام، وأن يجد كل مواطن في بلديته مسكنا، وكل ضرورات الحياة المعاصرة. قال الله تعالى:{مَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً}[الإسراء:15]. كل واحد يحاسب على مسئوليته بوزن الذرة، وتذكر:{وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ}[الأعراف:8/9] ثم إنك قرأت الحديث: [كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ](البخاري:893). فالموظف أو المسئول الذي لا يؤدي واجبه لا يحمل المسئول عنه وزر تفريطه، كما أن الذي يؤمر بمعصية لايرتكبه بحجة أنه مأمور، لأنك قرأت الحديث[لاَ طَاعَةَ فِي مَعْصِيَةٍ إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي المَعْرُوفِ] (البخاري:7257).

وأنا وأنتَ وأنتِ وأنتم، إن عينت في منصب لخدمة المجتمع فابدأ من البداية، أمسك سجلا وسجل كل أعمالك وحاسب نفسك يوميا، واعلم بأنك مسئول عن العمال والموظفين والمديرين والمؤسسات التي تشرف عليها[كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ] ولنحذر أربع خطيئات: الأولى الحذر من تبذير المال العام، ونتذكر {إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً}[الإسراء:27]. الثانية: ترك المرؤوسين (المديرين والموظفين) المتهاونين بغير محاسبة. الثالثة: تضييع الوقت من زمن العمل في غير مصلحة المجتمع. الرابعة: قبول، أو إعطاء الهدايا من المال العام. استعمل النبي صلى الله عليه وسلم، رجلا من الأزد، يقال له ابن الأُتْبِيَةَ على الصدقة، فلما قدم قال: هذا لكم وهذا أُهْدِيَ لي، قال:[فهلا جلس في بيت أبيه أو بيت أمه، فينظر يُهْدَى له أم لا؟ والذي نفسي بيده لا يأخذ أحد منه شيئا إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته، إن كان بعيرا له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تيعر] قال الراوي: ثم رفع بيده حتى رأينا عفرة إبطيه(عفرة إبطيه: بياض ما تحت الإبط) وسمي عفرة لأنه بياض غير ناصع كأنه معفر بالتراب) وهو يقول:[اللهم هل بلغت، اللهم هل بلغت] (البخاري:2597). ونختم المقال بالوظيفة التي بدأنا بها، عن مسؤولية المستشار في مجلس الشورى (أو المجلس النيابي أو البرلماني كما يقولون) ما هي مسؤوليته؟ إن كان على مستوى ولاية، فمسؤوليته أن يَعْلَم ثم يُنبه ويبين كل خلل على مستوى الولاية، كتابة وبالتسجيل وبالإعلام، وإن كان على مستوى الوطن فكذلك يسأل عن كل خلل على مستوى الوطن، بالتاريخ والأرقام والبيان. ولا يعقل ولا يقبل من المسئول أن يعتذر بعدم علم خلل مَّا. وقد قرأ القول السائر في نقد الغافلين{إن كنت لا تعلم فتلك مصيبة، وإن كنت تعلم فالمصيبة أعظم}. إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه بكى يوم علم أن أرملة في بادية من البوادي لا تجد ما تطعم به أولادها، وعلم أن الله يسأله عن كل يتيم، ومسكين، وذي الحاجة، وعن كل ما يجري في أطراف الدولة، وكان يخشى أن يسأله ربه عز وجل عن بعير يعثر في حفرة في الطريق، فيقول له: لِمَ لَمْ تُعَبِّد له الطريق؟؟ فكيف بالطرق التي تعثر فيها السيارات والحافلات بسبب سوء التعبيد؟؟؟

عن المحرر

شاهد أيضاً

وثيقة الدستور وما يقتضيه التبيان في توثيق الأمور

الشيخ محمد مكركب أبران/ مما دأبت عليه المجتمعات وهو أساس، ومن ضروريات الحياة المجتمعية في …