الرئيسية | وراء الأحداث | البحث عن مفاتيح الأزمة الليبية في برلين !/عبد الحميد عبدوس

البحث عن مفاتيح الأزمة الليبية في برلين !/عبد الحميد عبدوس

شكل مؤتمر برلين الدولي حول ليبيا أهم محطة في مساعي إيجاد حل سياسي توافقي للصراع  المسلح في هذا البلد الغني بثرواته، المجيد بتاريخه، الكريم بخصال شعبه، حيث يصنف الشعب الليبي في أعلى مراتب شعوب العالم كرما، والأصيل بهويته وثقافته، فالليبيون هم  أكثر الشعوب الإسلامية حفظا لكتاب الله تعالى مقارنة بعدد سكان البلد، حتى أن ليبيا تسمى بلد المليون حافظ للقرآن، أي سدس سكان ليبيا التي يبلغ عددهم 6  ملايين نسمة، فلا يكاد بيت ليبي يخلو من حافظ لكتاب الله تعالى.

هذا البلد العربي المسلم الذي أزمته سياسات الاستبداد الداخلي، ودمرته أطماع التدخل الخارجي. ومازالت  تستنزفه صراعات أبنائه المحاربين بالوكالة عن قوى الجشع والهيمنة العالمية.

تقدر احتياطيات النفط في ليبيا بحوالي 48 مليار برميل، وتعد الأكبر على الصعيد الإفريقي والتاسعة على المستوى العالمي، هذه الثروة الهائلة أسالت لعاب الكثير من الدول التي تعمل على الاستحواذ على النفط الليبي عبر عملائها هناك في غياب سلطة مركزية قادرة على حماية ثروات الشعب الليبي وتوظيفها لتحقيق النهضة الاقتصادية والرخاء الاجتماعي للشعب الليبي.

لقد بلغ الصراع الليبي ذروته في جويلية 2014، بعد انقسام السلطة إلى برلمانين وحكومتين وقوتين عسكريتين متناحرتين، يتخذ الطرف الأول من العاصمة طرابلس مقراً له، وتمثله حكومة “الوفاق الوطني” المعترف بها من قبل الأمم المتحدة، في حين يتمركز الطرف الثاني في الشرق يتخذ من مدينة طبرق مقرا لبرلمانه ويدعمها اللواء خليفة حفتر، قائد “الجيش الوطني الليبي”، ونظراً لاقتناع كل من الطرفين بشرعيته، فإن كلاً منهما يصارع للسيطرة على الدولة ويحظى كلاهما بدعم من قوى إقليمية ودولية متنافسة.

جاءت مشاركة الرئيس عبد المجيد تبون في مؤتمر برلين تتويجا للدور الفاعل والمتميز الذي قامت وتقوم به الجزائر منذ سنوات عديدة  لتفعيل الحل السياسي في ليبيا وجمع أطراف النزاع حول طاولة مفاوضات لإنقاذ الدولة الليبية من الفشل والانهيار، هذا الدور هو الذي  جعل رئيس المجلس الأعلى للدولة الليبي خالد المشري يقول في تصريح للقناة الثالثة للإذاعة الجزائرية:” نحن نعتقد أن الجزائر هي الثقل العربي الوحيد القادر على إعادة التوازن في الملف الليبي، هذا أمر لا شك فيه”.

منذ أن أطلق اللواء المتقاعد خليفة حفتر في 4 أفريل 2019 هجومه العسكري على طرابلس راهنت  الكثير من الأطراف على قدرة قوات خليفة حفتر على تحقيق الحسم العسكري والسيطرة على العاصمة الليبية طرابلس قبل 19 جانفي الجاري (2020) تاريخ انعقاد مؤتمر برلين الدولي، حتى أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب  أشاد بما أسماه ” دور حفتر في محاربة الإرهاب”. ويعتقد أن هجوم حفتر على طرابلس جاء لإفشال المؤتمر الدولي الذي كان يفترض عقده بين 14 و16 أفريل 2019، لجمع أطراف الصراع على طاولة حوار واحدة برعاية أممية  للخروج بخريطة طريق للمرحلة الانتقالية أو إنهاء النزاع في البلد.

وإذا كانت أغلب الدول المشاركة في مؤتمر برلين الدولي تدعم علانية أو خفية طرفا من أطراف الصراع في ليبيا، فإن موقف الجزائر يتميز لكونه داعما للحل السلمي والحوار السياسي وتقوم سياسة الجزائر على بناء علاقات جيدة مع كافة الأطراف، رغم أن اللواء المتقاعد خليفة حفتر اتخذ موقفا عدائيا من الجزائر في سبتمبر 2018 عندما هدد بنقل الحرب من طرابلس إلى الجزائر، ولكن سرعان ما قدم الناطق باسم الجيش الليبي اعتذاره للجزائر، ورغم اعتراف الجزائر بحكومة الوفاق الوطني برئاسة  فايز السراج التي تدعمها دبلوماسيا، إلا أن الجزائر فتحت أبوابها لكل الأطراف الليبية منذ اندلاع الأزمة حيث استقبلت  اللواء المتقاعد خليفة حفتر في 18 ديسمبر 2016، كما استقبلت رئيس برلمان طبرق عقيلة صالح وعدد من نواب البرلمان في 26 نوفمبر 2016.

وتهدف الجزائر ترجمة رؤيتها لدفع عملية الحل السياسي على أرض الواقع بإشراك كافة الأطراف الليبية الفاعلة دون استثناء في عملية الحوار والمسار السياسي الجاري في البلاد، لتشكيل حكومة وحدة وطنية، ورفض كافة أنواع التدخل العسكري الأجنبي في ليبيا، مع دعم قدرات حكومة الوفاق الوطني؛ لتمكينها من مكافحة الإرهاب ووقف تدفق المهاجرين، ومواجهة المشكلات الاقتصادية والاجتماعية.

إن تحقيق السلام والاستقرار في ليبيا هو مصلحة ليبيا كما أنه مصلحة جزائرية لأن الجزائر ترتبط بليبيا بشريط حدودي يمتد على 1000 كلم، ولكنها ترتبط بليبيا الشقيقة فوق ذلك بروابط بشرية ودينية ولغوية وتاريخية واقتصادية، ولا ينسى الشعب الجزائري حجم وأهمية الدعم والتضامن الليبي مع الشعب الجزائري وثورة نوفمبر المجيدة .

لقد طالبت الجزائر دائما بضرورة  منع تدخل القوى الخارجية في الشأن الداخلي الليبي، وخصوصا حظر تزويد الأطراف المتصارعة بالسلاح نظرا لما يسببه هذا  التصرف من تأجيج وإطالة أمد الصراع، ورغم أن قرار حظر توريد السلاح إلى ليبيا،  قد صدر عن مجلس الأمن الدولي عام 2011،  إلا أن ذلك القرار  ظل يتعرض للاختراق منذ إصداره،  حتى من طرف الدول التي تبنت القرار.

 

 

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

عبان رمضان هذا البطل المفترى عليه!/ عبد الحميد عبدوس

ذكر الكاتب والباحث في قضايا التاريخ الوطني، بلعيد رمضان ابن أخي الشهيد عبان رمضان في …