الرئيسية | قضايا و آراء | المفكر الألماني مراد هوفمان سفير الإسلام في أوروبا/ أ. د. مولود عويمر

المفكر الألماني مراد هوفمان سفير الإسلام في أوروبا/ أ. د. مولود عويمر

توفي المفكر الألماني المسلم مراد هوفمان يوم الأحد 12 يناير 2020 عن عمر ناهز 89 سنة، حافلة بالنشاط الدبلوماسي والعمل الفكري الذي يعكس إلماما واسعا بالتراث العربي الإسلامي واهتماما بقضايا الإسلام والمسلمين الذي ساقه نحو اعتناق هذا الدين الحنيف على خطى رنيه غينون (عبد الواحد يحى) وإيتيان دينيه (نصر الدين دينات) وليوبولد فايس (محمد أسد) وجيولا جرمانوس (عبد الكريم جرمانوس) وغيرهم من المفكرين المسلمين الغربيين.

الدكتور ولفرد هوفمان من مواليد 1931 بألمانيا. درس علم الاجتماع والعلوم السياسية والقانون في ألمانيا. وتحصل على الماجستير في القانون من جامعة هارفارد، ونال شهادة الدكتوراه في نفس التخصص من جامعة ميونيخ بألمانية.

وبعد تخرجه، عمل في السلك الدبلوماسي وتقلد عدة مناصب سامية منها: مدير إدارة المعلومات والاتصال في منظمة الحلف الأطلسي (1983-1987)، وسفير لألمانيا الاتحادية في الجزائر بين 1987و1990، ثم سفير في المغرب الأقصى بين 1990 و1994.

اختار مراد هوفمان بعد إسلامه طريق الدفاع عن الإسلام والتعريف بقيمه النبيلة بالقلم كاتبا وباللسان محاضرا، يحمل على كتفه رسالة شاقة. وهكذا أصدر هوفمان مجموعة من الكتب منها: “نهج فلسفي لتناول الإسلام”، “الفلسفة الإسلامية”، “الإسلام كبديل”، “الإسلام في الألفية الثالثة: ديانة في صعود”، “رحلة إلى مكة”، “يوميات مسلم ألماني”….الخ.

انتقد الدكتور هوفمان في كتابه “الإسلام كبديل” تخلف العالم الإسلامي الذي سببه ابتعاد المسلمين عن جوهر دينهم، ودعا الغرب إلى تفهم الإسلام الذي بمقدوره حل الكثير من الأزمات النفسية والاجتماعية التي تعاني منها الشعوب الغربية، مقررا بأن “الإسلام لا يطرح نفسه بديلا (خيارا) للمجتمعات الغربية بعد الصناعية، إنه بالفعل هو البديل الوحيد”.

وفي “يوميات مسلم ألماني” يكشف عن خطواته على طريق الإيمان بداية من رحلته إلى الجزائر في عام 1961 ووصولا إلى اعتناقه الإسلام بعد الدراسة والتأمل والاقتناع، ثم إعلانه لإسلامه في يوم 25 سبتمبر 1980 بالمركز الإسلامي بكولونيا واختيار لنفسه اسم مراد فريد تأكيدا على بلوغ مراده كما قال.

أما في كتابه “الإسلام في الألفية الثالثة”، انتقد الدكتور هوفمان الفكر الغربي المعاصر وتأثير وسائل الإعلام على عقول الناس وتأليبها على الإسلام والمسلمين، وما يترتب عن ذلك من آثار سيئة على الأقليات المسلمة في أوروبا وتضاعف التحديات التي تواجهها في حياتها اليومية.

كذلك، طالب العلماء والمفكرين المسلمين بضرورة تجديد الفكر الإسلامي وإعادة النظر في موقف الإسلام من القضايا الثلاثة الآتية: حقوق الإنسان، حقوق المرأة، والديمقراطية. أما هو فإنه يرى -بعد البحث والمناقشة- عدم تعارض ديننا مع هذه المسائل السابقة التي تتكيّف مع جوهر الإسلام ومقاصده، وتساعد على تطوّره في المستقبل، وتحسّن علاقاته مع غير المسلمين خاصة في العالم الغربي.

ويدعو الدكتور هوفمان إلى التسامح ودعم المسلمين الأوروبيين في أداء أدوارهم الإيجابية في أوطانهم الجديدة، والاعتراف بحقوقهم الكاملة نظير ما يقدمونه من جهود من أجل تطوّر المجتمعات الغربية وتقدمها في المجالات المختلفة.

لقد ترجمت مؤلفات الدكتور هوفمان إلى لغات عديدة منها اللغة العربية، ونالت آراؤه أصداء في ألمانيا وخارجها، وأثارت أفكاره موجات من النقد والمناقشة في وسائل الإعلام المختلفة.

ألقى الدكتور هوفمان محاضرات كثيرة في الجامعات ومراكز الأبحاث في ألمانيا وخارجها. وقد ذكر أنه ألقى 139 محاضرة في الفترة ما بين منتصف 1994 ومنتصف 1999 حول القضايا الإسلامية في 9 بلدان غربية و9 بلدان إسلامية، كما حضر في نفس الفترة 27 ندوة ومؤتمرا حول موضوعات ذات صلة بالإسلام والمسلمين.

كانت محاضراته تركز على تشريح الأزمة النفسية والأخلاقية التي وصلت إليها الحضارة الغربية من جهة، والتعريف بالإسلام الصحيح والترويج لقيمه الإنسانية القادرة على إنقاذ تلك الحضارة من جهة أخرى.

كما كان يحرص في نشاطه الفكري والدعوي في ألمانيا على توجيه مسلميها للمشاركة الايجابية في مجتمعهم والمساهمة في القضاء على الأخطار الأخلاقية والاجتماعية التي تهدده.

غير أن هذا الطموح المشروع لن يتحقق إلا إذا ارتقى المسلمون إلى مستوى مسؤولياتهم، ومارسوا تعاليم دينهم الصافية البعيدة عن الغلو، وسليمة من كل الشوائب المعلقة به. قال في هذا السياق: “إذا أراد المسلمون في ألمانيا أن ينالوا الاعتراف بهم، فإن عليهم إقناع الناس بأن يأخذوهم مأخذ الجد. وإذا رغب المسلمون في تحقيق هذا، وجب عليهم في المقام الأول أن يحذروا من أدنى شبهات الدجل والاحتيال والنفاق في عملهم”.

أما في المجال السياسي الذي يملك فيه خبرة طويلة، يسعى باستمرار إلى تنبيه المسلمين إلى الطريقة المثمرة لتحقيق أهدافهم وكسب ثقة الأوروبيين وتحقيق العيش المشترك. كتب في هذا الشأن: “أهدافهم السياسية، لا يمكن تحقيقها- في المستقبل القريب- إلا من خلال الأحزاب السياسية الموجودة بالفعل على الخريطة السياسية الألمانية، حتى وإن لم يتفقوا مع كل ما تتضمنه برامجها السياسية، وأن يتم مع ذلك العمل بشكل ثابت على أن يكون هناك تفاهم للإسلام، وعلى الاعتراف به، والعمل على نشره”.

أما علاقتي بالدكتور مراد هوفمان فإنها تعود إلى شهر جوان 2003 لما التقيت به في باريس بمناسبة مشاركتنا معا في ملتقى دولي حول الأقليات الإسلامية في العالم الغربي. وبعد انتهاء أشغال هذا الملتقى جالسته واستمعت إلى حديثه العذب حول رحلته في البحث عن الإيمان اليقين، واعتناقه للإسلام وتجربته في العمل الفكري وعلاقته بالمفكرين والعلماء المسلمين والمستشرقين المنصفين.

وبمجرد عودتي إلى البيت في الليل نقلت هذا الحديث من ذاكرتي إلى كراس ضاع مني فيما بعد، ولحسن الحظ أنني نشرت بعضه في جريدة “البصائر” (العدد 152، 14جويلية 2003، ص 4).

ذكر لي أنه زار الجزائر أثناء الثورة الجزائرية وأعجب بكفاح الجزائريين من أجل تحرير بلادهم من المستعمر الفرنسي، وقد دفعته هذه التجربة الجزائرية إلى الاهتمام بالعقيدة الإسلامية والثقافة العربية واعتناق الدين الإسلامي في عام 1980.

وقال لي أيضا أن فرنسا أكثر حظا من ألمانيا، لكنها مازالت تضيع فرصا ثمينة مع الجاليات المسلمة. فسألته: كيف؟ فأجاب: المسلمون في فرنسا ينحدرون من شمال إفريقيا وهم شعب متفتح على الغير، بينما مسلمو ألمانيا قدموا من تركيا وهم منغلقون على أنفسهم!

كان الدكتور هوفمان رجلا عالما ومتواضعا جدا، يجمع بين الجد والمرح. ومن الطرائف التي سمعتها منه أنه حضر في أحد أيام شهر رمضان مجلسا لرؤساء دول الحلف الأطلسي بصفته مدير الاتصال لهذه المنظمة، ولما جاء وقت الغذاء قدم الخدم الطعام للجميع إلا السيد مراد هوفمان، فلحظت مديرة التشريفات ذلك فأقبلت إليه وقالت: أعتذر إليك عن الخطأ، وسنحضر إليك الطعام حالا، فقال لها: بل لم يخطئ الخادم لأنه عرف أني صائم !”

لا يجب أن نستغرب من جرأة وصراحة الدكتور مراد هوفمان فهو نتاج الحضارة الغربية في أوضح صورها.

عن المحرر

شاهد أيضاً

فائدة ودليلها ومعناها وحكمها وصيغتها/ أ .. لخضر لقدي

أما الفائدة فهي: من أعظم مطالب الدنيا “كفاية الهم”، ومن أعظم مطالب اﻵخرة “غفران الذنب”، …