الرئيسية | قضايا و آراء | مراد هوفمان هدية أوروبا للإسلام/ محمد بوعبد الله*

مراد هوفمان هدية أوروبا للإسلام/ محمد بوعبد الله*

استعرتُ هذا العنوان الجميل الذي كتبه الدبلوماسي الألماني المسلم الأستاذ مراد هوفمان عن صديقه وأستاذه الذي تأثر به كثيرا، المفكر النمساوي المسلم محمد أسد صاحب الكتاب الذائع الصيت (الطريق إلى مكة). وقد قُدِّر لي أن أعايش فكر الرجلين حين كنت منهمكا في إعداد رسالتي للماجستير عن (الفكر السياسي عند محمد أسد ومراد هوفمان)، وأكرمني الله بالتواصل مع الأستاذ مراد هوفمان مرات عديدة، لمستُ فيها أكثر ما لمست، ذلك التواضع العجيب الذي يقلّ نظيره بين من هم في مكانته.

الحاج مراد!

مراد هوفمان، أو الحاج مراد هوفمان، كما كان يحبّ أن يُلقّب رحمه الله، هو من النماذج الغربية المسلمة التي خدمت دين الله وطوّفت به الآفاق. فمنذ أسلم الرجل وهو لا يكاد يفتر عن حضور المؤتمرات والملتقيات التي تبحث الفكر الإسلامي وأوضاع المسلمين، وكان نجما في كل المحافل التي يحضرها. لم يكتف الرجل بهذا النوع من التواصل الخطابي بينه وبين محبيه، بل اتجه إلى ميدان التأليف، وجاد فكره وقلمه بكتب مهمة، كتب بعضها بالألمانية وبعضها الآخر بالإنجليزية، وتُرجمت في معظمها إلى اللغة العربية.

الجزائر… مبتدأ الرحلة!

لطالما هزّتني قصص أولئك الذين هداهم الله فصاروا مسلمين، وعكفوا على بيان هذا الحق لمن يلتقونه من الأهل والأصحاب والخلاّن. كلٌّ يحكي لك قصته وتجربته في العبور من الكفر إلى الإيمان، وهي قصص متشابهة متماثلة في خيوطها العامة، ولكنها مختلفة كليا في تفاصيلها المتشعبة، والجمال والعبرة يكمنان في هذه التفاصيل الجميلة التي تميَز كل قصة عن مثيلاتها من قصص السير إلى الله تعالى. وقصة الحاج مراد هوفمان بدأت في الجزائر وكان أبطالها ناس بسطاء من عامة الخلق، هؤلاء هم الذين أشعلوا شمعة في نفس هوفمان ظلت تُشع بنورها، حتى كبُر هذا النور في قلب هذا الرجل، ووجهه تلك الوجهة الجميلة إلى دين الله، لتثمر الشمعة بعد عشرين سنة من إيقادها.

ما الحكاية؟ هي طويلة طول حياة هذا الرجل، ولكن ملخصها أنه وأثناء عمله في الجزائر في فترة الاستعمار مرضت زوجته، وكان عليه أن ينقلها إلى المستشفى، وكان الوقت وقتَ حظر تجول، لكن السائق الجزائري أبى أن يترك زوجة هوفمان لهذا الألم الشديد، وقرر المخاطرة بنقلها في السيارة حتى لو كلفه ذلك حياته… إنسان بسيط يتصرف مثل هذا التصرف مع رجل غربي غير مسلم، شيء ما بداخل هذا السائق حرّك نوازع الخير فيه، وهذه النوازع ذاتها حركت شيئا في نفس مراد هوفمان سيبقى في قلبه إلى يومٍ يغير حياته.

ومن الجزائر بدأت رحلة أخرى!

“من المؤكد أن الله يدّخر لك شيئا مميزا”، كانت هذه كلمة أخرى استقرت في قلب الحاج مراد هوفمان، واستقرّت في قلبه من يوم أن قالها له ذلك الجرّاح الأمريكي الذي أسعفه من حادث سيارة كان فيها هو الناجي الوحيد من أصدقائه، وصدق حدس هذا الجرّاح بعد ثلاثين سنة من كلامه هذا، وذلك حين أسلم مراد هوفمان، وكان إسلامه في الأرض التي نقش أصحابها في قلبه أولى حروف حب هذا الدين، كان إسلامه على أرض الجزائر. لذلك كان رحمه الله كثيرا ما يردد أنّ نصف قلبه في الجزائر. ولذا، لم أستغرب -حقيقة- من ذلك الكمّ الهائل من المنشورات على صفحات التواصل الاجتماعي لكثير من الجزائريين وهم ينعون هذا الرجل الفاضل.

عبر… لأولي الألباب

لسنا في حاجة إلى الكتابة عن سيرة مراد هوفمان فهي موجودة في مظانها ومتوفرة لأي شخص أرادها، ومن غير المفيد تكرارها هنا، بل أحببتُ الوقوف على بعض العبر من حياته وتجربته، لعلّها تكون حافزًا لنا للعمل والرقي بمجتمعاتنا وتفكيرنا إلى تلك الآفاق الرحبة التي كان يحلّق فيها الحاج هوفمان.

لعل أول شيء يستوقفنا في تجربة هوفمان هو أن مرجعه الأول في تعرفه على الإسلام، هو ما شاهده وعاينه من المحن التي كان يعانيها الجزائريون أثناء الاستعمار، ومع كل هذه المحن، كانت مِنح الصبر والجهاد والمقاومة تزيد، وكان التساؤل الذي طرح نفسه على هوفمان: لا بدّ أن هذا الصبر وهذا الإيمان إنما تأتّى لهم من إدمانهم القراءة في كتابهم المقدّس (القرآن)! حينها بدأت علاقة الحاج مراد هوفمان بالقرآن ولم يتوقف عن قراءته للقرآن حتى هداه الله للإسلام. هذه المعاني التي ربما لا نتوقف عندها كثيرا، توقف عندها هذا الرجل الألماني وقلّبها على وجوهها وجعلها محور حياته وتفكيره، فأثمر له هذا التفكير حياة جديدة. ونحن أحوج ما نكون إلى استلهام هذه المعاني من تجاربنا التي نعيشها، ونرفع أفق تفكيرنا إلى ذلك الأفق الذي بلغه هوفمان، لعلنا نعبر القنطرة ونترقى في معالي الفكر والحضارة كما عاشها هذا الرجل.

 “آيات” للمتوسمين

في حواري مع من ألتقيهم من المسلمين الجدد، أجدني بحكم حبّ اقتسام التجارب، أسألهم سؤالًا اعتياديًا واحدًا: ما الآية التي هزتكَ وأحدثت فيكَ تحولًا كبيرًا، وعرفتَ لحظتها أنك اهتديت. كان جواب الأستاذ هوفمان رحمه الله: هي آية (وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى)؛ ولا غرابة، فالرجل النصراني مسكون بمفهوم الخطيئة، وهي نظرية لا يتقبلها العقل السليم، إذْ كيف يتحمل أحدٌ جُرم أحد وخطيئته. وما يمكن أن نستفيده من هذه التجربة الإيمانية لهذا الرجل العبقري، هو أننا لا يجب أن نحمّل ناسا تبعات أخطاء ناس آخرين، وهو مرض مستشرٍ في مجتمعاتنا ولا نستطيع منه فكاكا، إلا إذا أعملنا باب التدبر في آيات الذكر الحكيم، كما تدبرها هوفمان حتى قبل أن يكون مسلما مؤمنا، والتدبّر في آيات القرآن متاح لغير المسلم مثلما هو متاح للمسلم.

اللقاء الأول

علاقة الأستاذ هوفمان رحمه الله بالجزائر وأعلامها علاقة خاصة، وللأسف لا يعرفها كثير من الجزائريين، بل ولا حتى النخبة المثقفة، فالرجل قارئ جيد لمسارات التحولات الكبرى التي شهدتها الجزائر خاصة والمنطقة المغاربية عامة، ولا عجب في ذلك، فالرجل ديبلوماسي أولًا وأخيرًا، واستشرافاته وقراءاته يُعتدّ بها كثيرا بين الديبلوماسيين الألمان وغيرهم. وحين سألت أستاذنا الزياني سي عبد الوهاب حمودة رحمه الله عن هوفمان في إحدى لقاءاتي معه في زاويته المعمورة (الجامع أوقري) بقنزات قال لي: “إن هذا الرجل فريد في عرضه للإسلام”. وهذا في الحقيقة أول انطباع وجدته عن الرجل حين التقيته أول مرة في مدينة باريس في مسجد الدعوة عند الشيخ الداعية الدكتور العربي كشاط -أمتع الله به- وهو من خيرة أصدقائه ومحبيه (وكان من عادة هوفمان المشاركة في ندوة سنوية يعقدها مسجد الدعوة الذي يرأسه الشيخ العربي) وقبل حوالي عشرين سنة، حضرت ندوةً من هذه الندوات السنوية، ولمحتُ مراد هوفمان لأول مرة أمامي بقامته الفارعة وابتسامته التي لا تفارق محياه. وعند انتهاء المحاضرين من كلماتهم، هرع المستمعون للتحلق حول بعض المشايخ المشهورين الذين استدعاهم الشيخ العربي للندوة، واتجهتُ أنا صوب الأستاذ هوفمان، فسلّمتُ عليه، ولكن احترتُ كيف أناديه، فأجابني بكل تواضع ويداه تمسك يدي: نادني الحاج مراد هوفمان، فلقب الحاج أفضل عندي من كلّ لقب. أكبرتُ في الرجل هذا التواضع وهذا الخلُق الدمث، وهو من هو في مكانته الفكرية والعلمية، فهو دبلوماسي مخضرم، ودكتور في القانون درس في أرقى الجامعات العالمية، ومفكر كاتب له عشرات الكتب وأكثر من مائتين وخمسين بحثا، ومع هذا كله يتنزّل إليك ولا يرضى بغير لقب (الحاج)!

دعوة للتدارك

لم آسف على شيء كما أسفتُ على عدم تدوين شهادة هذا الرجل العظيم على مسارات التحول الكبرى في الجزائر، فقد كان عارفًا بخبايا لا يعرفها إلا هو، وليتنا انتبهنا إليه في حياته وقيدنا فرائد وشرائد مما علق بذاكرته عن الجزائر، وليتٌ يقولها المحزون، وهذه عادتنا في الجزائر أن لا نتذكر من يصنعون المجد فيها إلا بعد رحيلهم عن دنيانا.

حُقَّ لكلّ جزائري أن يدّعي النسبة في هذا الرجل العظيم، الذي أنفق قرابة أربعين سنة من حياته داعيا ومنافحا عن هذا الدين، بكل جرأة وثقة، لم يسلك مسلك المبررين لبعض تعاليم الإسلام، ولم يدّع إعادة قراءة التراث ونقض أصوله، بل كان يحلَق بهذا الدين في آفاق العالم الرحبة، وكان شعاره الذي رفعه عاليا في وجه من انتقده من الغربيين “ربحتُ محمدا ولم أخسر المسيح”، وعسى أن نكون مثله فننقل معاني هذا الدين الجميل إلى المعمورة ونطوّف به آفاق الدنيا كما فعل هو في حياته.

رحم الله الحاج مراد هوفمان وأنزله منازل الأبرار ورفع درجاته في عليين.

*باحث جزائري جامعة وستمنستر لندن

عن المحرر

شاهد أيضاً

فائدة ودليلها ومعناها وحكمها وصيغتها/ أ .. لخضر لقدي

أما الفائدة فهي: من أعظم مطالب الدنيا “كفاية الهم”، ومن أعظم مطالب اﻵخرة “غفران الذنب”، …