أخبار عاجلة
الرئيسية | قضايا و آراء | التأويل الفاسد هو سبب المشاكل السياسية/ خير الدين هني

التأويل الفاسد هو سبب المشاكل السياسية/ خير الدين هني

 

 

وذلك ما جعلني أتناول هذه المشكلة التي ما تفتأ تهدأ نارها، حتى يأتي من يسعّر جذوتها من جديد، ويُلبسها لبوسا يتساوق مع ما يؤمن به من أفكار، تتسق أهدافها مع عقائده السياسية والمذهبية، ولتحقيق تلك الغايات بيسر التمسوا طريق الالتجاء إلى تأويل النصوص وفق مقاصد محددة، كيما يجدون مخارج شرعية يبررون بها ما يرومون تبريره، وهذا ما زاد من توسيع الشقة بين المسلمين ليخوضوا في تلك الأحداث بحق وبغير حق، فكان أن  دار حولها كلام كثير منذ اللحظة الأولى.

ونتج عن ذلك التأويل المتضارب في مخرجاته، مشكلات سياسية ومفهومية رافقت تاريخ الأمة زمنا غير يسير، أوقعت بينهم شرا مستطيرا أثر على مسيرتهم السياسية والعلائقية والتنموية.

والتزام الحق بما يسع الدارس من جهد في أي دراسة للمشكلات التاريخية، هو ما ينير دروب السير على خطى الفضيلة التي تجعل الدارس ينظر إلى وقائع التاريخ بعين بصيرة وحكيمة، من غير حيف ولا زيغ ولا جور ولا انحراف عن فضائل الحق، وفضائل الحق وحدها هي التي تملك أدوات التمحيص والتدقيق في الحوادث والوقائع، من غير نظر إلى علاقة التلاقي أو التنافي  مع الدواعي المحركة لتلك الحوادث، ولا إلى ارتباطاتها النفعية التي كثيرا ما يكون لها التأثير الكبير على توجيه الآراء نحو مخرجات معينة، تتساوق مع المصالح المشتركة لكل من يريد توجيه التاريخ توجيها ذاتيا، تتسق أهدافه مع المشارب والأهواء والنزعات الفردية والمصالح فحسب.

ومما يفسد كتابة التاريخ وينحرف به نحو المنزلقات المشينة، هو الميل العاطفي أو  الاضطهاد السياسي أو الفكري أو المذهبي، أو الكبت النفسي أو النزعة الفردية ذات النزوع الاستعلائي، أو تضخيم الذات وتعظيمها، أو الأحقاد والضغائن والحسد، أوالشوفونية ذات النزوة الإثنية، فضلا عن المنافع والمكاسب والمصالح والأهداف السياسية، والتنافس على الحكم ووجاهته المتميزة.

وأنا إذ أشير إلى هذه المشكلات المستعصية التي تواجه كتابة التاريخ، فذلك لأنني أريد أن أبين للناس بأن غايتي من هذه الدراسة، هو الالتزام بفضائل الحق  إذ أنها وحدها من ينير لنا الدروب المظلمة، فإذا استضاءت تلك الدروب منحتنا الجرأة والشجاعة المقيدتين بضوابط الشريعة وأحكامها، لبيان أخطار تلك الفتنة، ومن كان متسببا في إيقاظها وبيان مشروعية تأويل إيقاظها، وما نتج عن ذلك من نكبات أصابت الأمة في بنياتها الفكرية والسياسية والثقافية والعلائقية، مما أثر على تقدمها وازدهارها تأثيرا كبيرا، وقد امتد ت هذه النكبات والأزمات إلى أن شملت جميع المراحل التاريخية، وانتقلت عدواها لتصيبنا نحن اليوم في  تاريخنا المعاصر.

فالفتنة الكبرى التي وقعت بين كبار الصحابة والتابعين، في الجمل وصفين وكربلاء وغيرها من الفتن التي تلتها، هي التي شكلت البدايات الأولى للتأويل بالهوى، ومنذ ذلك التاريخ انزلقت أقدام الأمة، إذ اتخذت من  المقاصد السياسية كأولوية في التأويل بغية التنافس على الحكم، ولما كانت الغايات السياسية هي التي أنتجت الفكر السياسي لتلك الفترة، اختلفوا اختلافا كثيرا في تأويل النصوص الشرعية، لفهم المراد من مقاصد المضمون الشرعي في من هو أحق بالإمامة من غيره، وهي المسألة التي شكلت لهم أزمة سياسية حقيقية، إذ كانت تلك الأزمة تمثل قطب الرحى في أي اجتهاد سياسي بين المتنازعين .

فالاختلاف في قراءة النصوص قراءة موحدة، وفق المضمون الشرعي هو أحد المشكلات العويصة التي رافقت تاريخ الأمة وأخلت بوعيها الفكري والسياسي، وأثرت في مسيرتها التاريخية منذ وفاة النبي صلى اله عليه وسلم، وبقيت تتراكم حجما على حجم إلى يوم الناس هذا، وكان لها أثر بالغ على واقعها المعيش خلال فترات امتداد التاريخ، حيث أدى اختلافهم الكبير في التأويل إلى تمزيق النسيج السياسي والاجتماعي والبنيوي ضمن الروابط التي دعا إليها الإسلام بإرشاده وهديه، وهو النسيج الذي عمل النبي صلى الله عليه وسلم، طوال مدة التبليغ على بنائه وفق قواعد متينة، جاءت واضحة في تعاليم القرآن الكريم وهدي السنة النبوية الشريفة.

وقد ظل صلى الله عليه وسلم، يحث على هذا التماسك ويرغّب فيه، ويعد كل من يتمسك به أن ينال فضائل الدنيا وحسن ثواب الآخرة. وقد دأب على ذلك، بدون ملل ولا سأم ولا تردد، وكان دائم الترديد،تركت فيكم ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدا، كتاب الله وسنتي.

كان صلى الله عليه وسلم، يدعو أتباعه دائما إلى ضرورة ربط علاقاتهم فيما بينهم، بروابط التعاليم التي جاء بها الإسلام، وألا يستبدلوها بغيرها مما كان ذائعا وشائعا من عادات الجاهلية، التي كانت تقوم على التنافس الشديد على طلب متاع الحياة الدنيا، وعلى التعصب للعرق واللون والعشيرة والزعامات، والانحياز الكلي للرغبات الفردية ذات النزوات الشخصية بلذائذها وشهواتها، فقد قضى صلى الله عليه وسلم، وقتا طويلا وهو يعيش في بيئة جاهلية صاخبة، لا تتقيد بدين صحيح ولا بأخلاق كاملة الفضائل، ولا بضوابط دقيقة والناس قد تعودوا على هذه الحياة بصخبها ولغطها، ولذلك ظل يبين لأصحابه في مواطن مختلفة، وكلما دعت الضرورة إلى أن الجاهلية ونوازعها، لا يأتي منهما إلا الشر والبلاء والفتن والخصومات وإراقة الدماء، لأن الحياة الجاهلية أنشأها المترفون المتنعمون، الذين دأبوا على الميل للاستمتاع بحب الشهوات والملذات، وتحقيق المصالح والمنافع والمكاسب والمغانم، ولم تنشأ على فضائل الأخلاق وكريم الخصال، التي جاء بها دين الله وهديه، ولذلك كانت الحياة الجاهلية بعاداتها وطقوسها الوثنية، حياة مائعة ماجنة صاخبة، خارجة عن القواعد الضابطة التي وضعها الإسلام بتعاليمه الراشدة.

وكان صلى الله عليه وسلم، يلحظ من حين إلى آخر، كيف كانت نوازع الجاهلية توقع الخصومة والمنازعات بين أصحابه، وهو بينهم يدعو ويعظ ويحذر ويبشر، فكانت تلك المنازعات توشك أن توقع بينهم العداوة  بالاقتتال، مثلما وقع بين الأوس والخزرج أو بين المهاجرين والأنصار في غير ما مرة، فسرعان ما كانت تثيرهم دواعي الجاهلية ونزعاتها،  فيتسارعون إلى إحياء ما مات منها أو كاد، وما إن يقع الشر بين رجلين أو فئتين إلا وتنادوا بما اعتادوا عليه من ألفاظ النجدة والاستغاثة، مما كانوا قد ألفوه في الجاهلية، كقولهم :”يا للخزرج، أويا للأوس، أو يا للمهاجرين”، أو غير ذلك مما هو معروف في تاريخ علاقاتهم، قبل الإسلام أو بعده.

ولا تُفض الخصومة أو يُقضى على النزاع، إلا حين يُنقذ النبي صلى الله عليه وسلم، الموقف، بوعظهم أو تذكيرهم بأن هذا من عمل الجاهلية، وكان صلى الله عليه وسلم، يُلح ويكثر من الإلحاح مرشدا ومحذرا،  من شر العودة إلى إحياء دواعي الجاهلية بعواقبها الوخيمة، على وحدتهم وتماسكهم وقوة شوكتهم، لأن التنازع والخصومة على الدنيا، لا يأتي منهما إلا الشر والبلاء والفتن وإراقة الدماء.

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

سورة العهد الأسبوعي…(1) واصبر نفسك

مداني حديبي / سورة الكهف سماها شيوخ العلم بسورة العهد الأسبوعي لأنك تعاهد الله على …