الرئيسية | حوار | الباحث في الفلسفة د. فارح مسرحي لـ “البصائر”:/ حاوره: نورالدين برقادي

الباحث في الفلسفة د. فارح مسرحي لـ “البصائر”:/ حاوره: نورالدين برقادي

“شعور بعض المشتغلين في الحقول العلمية بعدم المسؤولية تجاه ما يحدث في الفضاء العام، أمر موجع “

“القضايا الجوهرية المعقدة إن لم تناقش بجدية اليوم، ستحول إلى كوارث غدا”

صدر، قبل أشهر، كتاب جديد للباحث في الفلسفة بجامعة باتنة، والفائز بجائزة محمد أركون العالمية للسلام لسنة 2016، د. فارح مسرحي، وقد بحث فيه حول “المهام الجديدة للمثقف في السياقات العربية الإسلامية”، والعمل من منشورات الجمعية الجزائرية للدراسات الفلسفية. ناقشنا ـ في هذا الحوار ـ مع الكاتب أهم الأفكار التي وردت في مؤلفه.

حاوره: نورالدين برقادي

يحمل كتابك الأخير عنوان “المهام الجديدة للمثقف في السياقات العربية الإسلامية”. فيم تتشابه هذه السياقات وفيم تختلف؟

هناك العديد من القواسم المشتركة بين الشعوب والدول الموجودة من المحيط الأطلسي إلى الخليج العربي، فهناك عامل اللغة الغالبة والدين الرسمي، التراث بمختلف مجالاته ومستوياته، وجزء مهم من التاريخ المشترك قديما كان أو حديثا ومعاصرا، مع ما يتبع ذلك من تقارب في الذهنية السائدة من حيث نمط التفكير والنظر للأمور ومن حيث الموقف أو طريقة الإدراك والتعاطي مع مفاهيم: الزمان، الإنسان، الطبيعة، التاريخ، الهوية…الخ، هناك تقارب أيضا في عمر هذه الدول إذ أن أغلبها استقل منذ النصف الثاني من القرن العشرين (بمعنى دول فتية)،  مثلما هنالك تكتلات جمعتها منذ استقلالها (جامعة الدول العربية، منظمة المؤتمر الإسلامي..)

من جهة أخرى؛ فهي تعاني نفس المشكلات سياسيا واقتصاديا وثقافيا؛ فهي تعاني الاستبداد، التخلف بمختلف تمظهراته، وكلها تحتاج إلى التنمية والتقدم، الانفتاح والحرية والديمقراطية… الخ. وفي المقابل بالتأكيد هناك اختلافات بين الدول المنتمية لهذه السياقات، بين دول شمال إفريقيا ودول الخليج العربي مثلا، بل هناك اختلافات بين دول شمال إفريقيا، وهذا الأمر نجده حتى بين مختلف المناطق والتجمعات السكانية داخل الدولة الواحدة. بالنظر لكل ما سبق اعتقد أن هناك الكثير من المسائل المشتركة التي تسمح لنا بمناقشة بعض القضايا خاصة ذات البعد النظري ضمن المجال المسمى  سياقات عربية إسلامية.

تتضمن بعض السياقات الإسلامية “الأعجمية” تجارب ناجحة نغفل عنها مثل: ماليزيا، إندونيسيا، تركيا .. لماذا لا نفكر في الاستفادة من هذه التجارب خاصة أن أوضاعها كانت مشابهة لأوضاعنا قبل 30 سنة من اليوم ؟

هذا السؤال يمكنه أن يدعّم الجواب الأول وهو يبيّن أهمية السياق الذي تنتمي إليه الدولة أو المجتمع؛ فهذه الدول التي ذكرتها أنتجت تجارب ناجحة إذا ما قورنت بتجاربنا المتعثرة والبعيدة عن المرجو منها، أقول، هذه الدول التي تحدثت عنها،  كانت فعلا تعاني من نفس مشاكلنا إلى وقت غير بعيد، ولكنها تجاوزت الكثير من هذه المشاكل في حين عجزنا نحن عن ذلك، ومن بين أسباب نجاحها عامل السياق والمحيط الذي توجد فيه هذه الدول، خاصة الآسيوية منها، فهناك نمو اقتصادي وثورة صناعية و تكنولوجية رهيبة تحدث في البلدان المجاورة لها، أقصد، في الصين و اليابان وكوريا الجنوبية، وهذه الثورة، استفادت منها دول ماليزيا وإندونيسيا من خلال تبنيها لاستراتيجيات تنموية رشيدة، كما يقول الرئيس الماليزي: (إذا أردنا الصلاة اتجهنا لمكة وإذا أردنا العلم نتجه لليابان)، ومع الأسف لم نستطع نحن القيام بنفس الشئء بالنظر لخصوصيات الدول الكبرى القريبة منا (استعمار الأمس الذي يريد أن يكون وصيا دائما) ، فهذه الدول تتدخل بصورة مباشرة أو غير مباشرة من أجل بقاء الأمور على حالها وفقا لثنائية مهيمن/ مهيمن عليه، يظهر ذلك في التحالفات التي ما فتئت تبرمها سرا وعلنا مع القادة السياسيين عندنا، وحتى الاتفاقيات المتعلقة بالصناعة والفلاحة ومختلف القطاعات الإنتاجية؛ فهي اتفاقيات تخدم مصالحها فقط، وفي أحسن الأحوال فهي اتفاقيات على أن تبيع لنا سمكة دون أن تعلمنا الصيد، هذه الدول الاستدمارية لن تسمح لنا بتخطي عتبة التخلف إذا ما بقيت الأمور كما هي في الوضع الراهن.

أرجعت في كتابك أسباب تخلف البلدان العربية إلى غياب الديمقراطية (ص 18) واهتراء الأوضاع الداخلية من حيث البنى الاقتصادية والاجتماعية والإدارية (ص 20) . هل توجد أسباب أخرى مؤدية لهذا التخلف، لها علاقة بثقافة وتصورات هذه المجتمعات في نظرتها: للعالم والعمل والوقت والحريات والاختلاف والتسامح والمواطنة ؟

حينما نقول التخلف؛ فنحن نتحدث عن وضع معيش ونمط حياة، وهذا يلزم عنه، بالضرورة، رؤية معينة لمختلف القضايا؛ كالإنسان، التاريخ، الطبيعة … الخ،  ومن ثم فهو وضع معقد جدا، ومن الصعب تفكيكه بطريقة دقيقة في مثل هذا السياق، لأنه بحاجة إلى بحوث ميدانية تشارك فيها مختلف المجالات المعرفية.

عموما، يمكن القول أن التخلف ليس قدرا مقدورا على بعض الإجناس دون غيرها، إنما هو نتيجة حتمية لتراكم عوامل سلبية داخلية وخارجية في مختلف المجالات (السياسة، الاقتصاد، الثقافة … الخ )، ما ذكرته في سؤالك صحيح، بمعنى أن تخلفنا يرجع إلى غياب الأطر الاجتماعية للممارسة السياسية الحديثة كدولة القانون، النظام الديمقراطي، وقيم الاحترام والتسامح والحرية واحترام الاختلاف..الخ، وهي شروط ضرورية للتحفيز وللفعالية وللإبداع، غير أن التخلف من جهة أخرى هو نتيجة لغياب رؤية اقتصادية واضحة ودقيقة بما تستلزمه من تشريعات ومؤسسات، وبما تقوم عليه من  تقسيم العمل والتخصص واحترام الوقت، تثمين الجهد..الخ، كل هذا دون أن ننسى العامل الخارجي، أقصد به التدخلات المباشرة وغير المباشرة من طرف الدول القوية التي ليس من مصلحتها أن نحقّق أية خطوة إلى الأمام…، يمكن أن نضيف عاملا آخر وهو في اعتقادي مهم جدا، ويتمثل في عدم استفادتنا من التكتلات الجهوية على غرار الاتحاد المغاربي (أكثر من 100 مليون مواطن- مستهلك) الذي كان يمكن أن يكون سوقا مشتركة لتبادل السلع والخبرات، لو توفرت الارادة السياسية لبلدان الاتحاد، هذا التكتل الذي لم يستطع أن يتجاوز مرحلة التأسيس نحو التفعيل، فلو تمّ تفعيل هذا التكتل لأسهم في خلق حركية اقتصادية من شأنها إنعاش الوضع الاقتصادي لكل بلدان الاتحاد.

قلت في الصفحتين 24 / 25 من الكتاب: (لن تعرف المنطقة العربية استقرارا واستقلالا في قراراتها في غياب حل نهائي للقضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي بصورة عامة). ما علاقة القضية الفلسطينية باستقرار واستقلال البلدان المغاربية على سبيل المثال ؟

القضية الفلسطينية قضية إنسانية قبل كل شيء، قضية شعب مضطهد منذ عشرات السنين، ولا يزال يعاني كل يوم من غطرسة الصهاينة المحتلين، ومن ثم فيفترض أن يكون الشعب الفلسطيني محل تضامن من طرف كل إنسان جدير بحمل هذه الصفة، كما أن الموقع الجغرافي المحوري لفلسطين يجعل ما يحدث فيها مؤثرا على كل الدول العربية،  بدرجات متفاوتة طبعا، ومن ثم فنحن معنيون بها شئنا أم أبينا، والجزائر كدولة وكشعب التزمت منذ استقلالها بمناصرة قضايا الشعوب المضطهدة والكفاح من أجل القضاء على الاستعمار، فكانت القضية الفلسطينية محورية بالنسبة للجزائر شعبا وحكومة، لا ننسى، أيضا، أننا ننتمي إلى الجامعة العربية وإلى منظمة المؤتمر الإسلامي..، ونحن ملزمون بتبني مواقف هذه الهيئات من مختلف القضايا، بالنسبة للجزائر هناك تراكم تاريخي للمواقف المؤيّدة والمساندة للقضية الفلسطينية لا يمكن التنصل منها .. وعلى ضوء هذه المواقف، في المقابل، نجد أن أمن إسرائيل مسألة جد مهمّة  في تعامل الولايات المتحدة الأمريكية – والدول الغربية عموما- مع قضايا المنطقة العربية، من هنا يتضح أن مكانة فلسطين لدينا ومكانة اسرائيل لدى الغرب تجعل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي حساسا ومؤثّرا على الكل ولو بدرجات متفاوتة.

تحدثت في عملك عن “ثورات” الربيع العربي التي انتهت إلى ما يشبه “حروبا أهلية”، على حد تعبيرك ـ كباحث في الفلسفة ـ ما تفسيرك لاندلاع هذه الثورات في الدول التي تحكمها أنظمة جمهورية عكس الدول التي تسيّرها أنظمة ملكية، باستثناء مملكة البحرين ؟

أولا، دعني أنبه إلى مسألة مهمة وهي أن الدول التي لم تشهد مثل هذه الأحداث ليست بمنأى عنها، قد تكون مسألة وقت فقط، فكل دول المنطقة معرضة لنفس الأوضاع وربما أسوأ إذا استمرت بنفس السياسات غير الديمقراطية التي ترجئ المشكلات الحقيقية للشعوب بدل مواجهتها بالطرق الرشيدة والحضارية.

أما بالنسبة لتفسير هذه الأحداث فهي تعود بالدرجة الأولى إلى مرور أزيد من 50 سنة على استقلال هذه الدول، وهذه مدة زمنية كافية للمراجعة وتقييم التجارب المتعثرة، وعدم قدرة النخب الحاكمة على الوفاء بوعودها المتكررة منذ نصف قرن (النهضة، التنمية، التقدم، الانفتاح، الحريات.. )، وإذا كان جيل ما بعد الاستقلال الذي عانى في صغره من الاستعمار، كان قانعا بما توفره له الدولة، مسايرا للسياسات المنتهجة ولو على مضض، بعبارة أخرى أنه كان قادرا على  كتم الغيض، فإن الجيل الحالي (الشباب) الذي لا يعرف شيئا عن الاستعمار عدا ما درسه عنه، لا يمكنه أن يقبل البقاء في معاناة صامتة (مشكلات السكن، الشغل، التعليم .. الخ) ومن ثم فهو قد يتحول إلى عبوات ناسفة تنفجر في أية لحظة وهو ما حدث فعلا في العديد من البلدان،  وسيبقى هذا الأمر يتكرر ما لم تتغير السياسات المتبعة في هذه الدول بصورة جذرية، وتعطى الكلمة والقرار لهذه الفئة الغالبة في المجتمعات، أقصد فئة الشباب، لتعبّر وتبادر وتحقق ذاتها في الواقع، ضف إلى ما سبق ذكره، الصراعات بين الدول الكبرى على هذه المنطقة وتدخلاتها المباشرة وغير المباشرة في تدعيم بعض الأطراف على حساب أطراف أخرى وخلق الاضطراب وعدم الاستقرار في هذه البلدان الهشة والقابلة للزعزعة بيسر، نتيجة غياب مؤسسات حقيقية ومشروعة في أعلى هرم السلطة، لاحظ مثلا: الأزمة السورية والأطراف العديدة المتدخلة فيها (روسيا، الولايات المتحدة الأمريكية، الصين، إيران، تركيا، بعض دول الخليج، ..) حتى أضحت وكأنها حرب عالمية مصغرة على أرض سوريا.

أرجعتَ فشل المشاريع الفكرية في السياقات العربية الإسلامية إلى غياب مشاريع المثقفين الذين ينحدرون من التخصصات العلمية الدقيقة كالرياضيات والفيزياء والطب. بم تفسّر غياب هذا النوع من المشاريع ؟

إذا تأملنا تاريخ الفلسفة وتاريخ الأفكار عموما نلاحظ أن كثيرا من الثورات المعرفية والمنعطفات التجديدية لم تكن إلا ترجمة لما يحدث علميا، الكثير من الأسماء التي صنعت هذه المنعطفات هم علماء – فلاسفة، أو فلاسفة يحسنون الاصغاء للعلماء، يمكننا أن نذكر في الفلسفة المعاصرة: غاستون باشلار، برتراند رسل، إدموند هوسرل..الخ، حتى في السياق العربي الإسلامي أيام ازدهار الفكر كان هناك علماء -فلاسفة : ابن سينا،  ابن رشد، ابن خلدون … الخ ،  ولكن في الفترة المعاصرة نلاحظ في مجتمعاتنا  قطيعة تكاد تكون تامة بين الفكر العلمي والفكر الفلسفي، وهذا من اعتقادي جعل الفكر الفلسفي (وبالتالي المشاريع الفكرية النهضوية) غير فعال وغير قادر على التجدد، وهو بحاجة الى التدخل العلمي لضخ مفاهيم جديدة ومناهج ورؤى مغايرة للمعهود وقادرة على تفعيل هذا الفكر وتحريكه نحو الأفضل، أما عن سبب غياب هذا التدخل؛ فهو راجع لضعف المنظومات التعليمية عندنا، وعجزها عن تخريج علماء وإن حدث – فهو استثناء طبعا- وتخرّج العلماء، فهم معزولون ضمن النطاق الضيق لتخصصاتهم،  يمكننا أن نتحدث عن تقليد سيىء درج عليه الكثير من المشتغلين في الحقول العلمية المسماة دقيقة، وهو الشعور بعدم المسؤولية تجاه ما يحدث في الفضاء العام، وهو أمر موجع فعلا.

قلت عن المثقف (ص 55): “يجب أن يحافظ دوما على صلات وثيقة مع الجماهير يحدّثها ويصغي إليها ويحافظ على نوع من التواصل الاختلافي النقدي مع السلطة”. نقد المثقف للسلطة معروف، فماذا عن نقده للجماهير في السياقات العربية الاسلامية ؟

هناك مسافة كبيرة بين المثقف والجمهور في مجتمعاتنا، بل هناك عداء غير معلن بين الطرفين ومن ثم فقدان تام للثقة والتواصل بينهما، والمسؤولية تقع على الطرفين؛ فالمثقف في الغالب يتهم الجمهور بعدم الاطلاع أو عدم الفهم لما ينشره وما يقدّمه عموما كمنتوج فكري إبداعي، مطالبا إياه بضرورة الارتقاء بوعيه وبذل مجهود للاستفادة من الأفكار التي يطرحها، وفي المقابل ينظر الجمهور للمثقف على أنه شخص متعال، متكبر بعيد عن المعاناة التي يعيشها الفاعلون الاجتماعيون، وهو شخص غير بريء، لأنه: إما أداة في يد السلطة مهمتها تبرير وشرعن+ة الممارسات السلطوية أو طوبوي حالم في برج معزول، وفي كلتا الحالتين فهو إما خطر على الجمهور أو لا يقدم إضافة عملية يمكن الاستفادة منها.

وفقا لهذا الوضع – وكما أشرنا في الكتاب بالتفصيل- على المثقف أن يتواضع في لغته وأهدافه وحتى  في سلوكاته حتى يقترب من وعي الجماهير وحتى يجعلهم يتفاعلون مع أفكاره ويستفيدون منها خصوصا إذا تعلقت بالقضايا والمشكلات الجزئية التي يعانون منها في يومياتهم، مثلما على الجمهور أيضا أن يؤمن بأن التغيير يتطلب قاعدة نظرية وهذه لن يجدها إلا لدى المثقفين، وهنا استعير مقولة لأستاذي عبد الرحمن بوقاف وهي: “أن الثورات التي لا تؤطرها النصوص يستولي عليها اللصوص”.

ترجع أزمة الثقافة في السياقات العربية الإسلامية الى احتكار الرأسمال الرمزي من قبل فاعلين من خارج الحقل الثقافي (ص 40) . كيف يمكن للمثقف أن يستعيد هذا الرأسمال الرمزي خاصة وأن الأنظمة السياسية تمتلك وسائل فبركة مثقفين على مقاسها (الاعلام، المناصب والمال … الخ) ؟ 

الأمر يتعلق بتعديل العلاقة بين المثقف والسلطة، خاصة من جانب السلطة التي تبقى مطالبة بالانفتاح على الخطاب النقدي للمثقفين وتفعيل مؤسسات المجتمع المدني (نقابات، جمعيات .. ) باعتبارها شريكا أساسيا في الممارسة السياسية، عليها أن تفهم مسألة غاية في الأهمية وهي أن قوة الدولة من قوة المجتمع المدني ووجود المثقف النقدي أمر صحي بل ضروري بالنسبة لمستقبل المجتمع و للدولة ككل، أما من جهة المثقف؛ فهو مطالب أيضا بالانفتاح على السلطة باعتبارها السبيل الأحسن لتفعيل أفكاره، وقبل ذلك فالمثقفون مطالبون بالتواصل فيما بينهم والتكتل في مؤسسات وهيئات تسمح بتقوية موقفهم و تسهيل عملية ايصال مقترحاتها للسلطة. هكذا، نلاحظ أن العمل يتعلق بتعاون جميع الأطراف وبتوفر أرادة حقيقية لخدمة الصالح العالم لدى الجميع، وهو عمل ينبغي أن يشرع فيه دون انتظار نتائج سريعة، فهو من المشاريع التي لا تكتمل أبدا.

استطاع الفقيه أن يتربع على عرش النجومية والتأثير على الرأي العام من خلال وسائل الإعلام والاتصال الحديثة، وأصبح يثير بعض القضايا الهامشية بعيدا عن الأمور الجوهرية. ما هي أحسن وصفة يتعامل بها المثقف النقدي مع سطوة الفقيه ؟

أولا: علينا أن لا نعمم ونرمي الجميع في سلة واحدة، كلمة فقيه كلمة عزيزة المنال ولا تصدق على جلّ من يظهرون في وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، الفقهاء الحقيقيون لا هم يحبون الظهور ولا هذه الوسائل تسمح لهم بالبروز، فما أكثر المتاجرين بالخطاب الديني مثلما هناك متاجرون بالثقافة والفكر وحتى بالوطن، هؤلاء وصفهم المفكر التونسي فتحي التريكي بـ “السفسطائيين الجدد” الذين يقولون اليوم أشياء ويقولون غدا عكسها تماما دون أي حرج، حيثما مالت رياح السلطة والمال مالوا، وقد لاحظنا ذلك عبر وسائل الإعلام في تحليلات كثيرة للأزمات السورية والمصرية واليمنية، فمنهم حتى من تجاوزت قدراته الفكرية والبيولوجية الطبيعة إلى ما بعدها ورأى الملائكة تجاهد في سوريا ؟ ! .

ثانيا: المسألة مسألة وعي جماعي، يصنعه المثقف ولكن حينما تتوفر لديه وسائل التبليغ وإرادة الاستقبال وهذا يعيدنا إلى ما قلناه سابقا حول علاقة المثقف بالجمهور وبالسلطة، ومع ذلك نقول لا بد من فضح كل خطاب تسطيحي تبسيطي للأمور وهي مهمة المثقف النقدي بامتياز كما يقول “بورديو” فالمثقف هو فاضح الحفلات التنكرية، عليه أن يتحمل مسؤوليته في الكلام، في الفضح، في التعرية وفي إعادة توجيه الفكر نحو القضايا الجوهرية المعقدة والتي إن لم تناقش بجدية اليوم، ستحول إلى كوارث غدا.

تعد الأسماء المهتمة بإشكالية المثقف الجزائري قليلة منها: المرحوم عمار بلحسن، محمد لخضر معقال.. بم تفسّر غياب الاهتمام بالمثقف الجزائري من طرف أبناء وطنه ؟

فعلا، الاهتمام نادر جدا بالمثقف وبهمومه ومهامه في الممارسة الفكرية الجزائرية، وهذا راجع إلى قلة الاهتمام بالحقل الثقافي عموما، لاحظ ميزانية قطاع الثقافة مقارنة بقطاعات أخرى، لاحظ المساحة المخصصة للشأن الثقافي في الصحف أو الحصص الثقافية في القنوات الإعلامية، مشكلات نشر الكتب وتوزيعها والدعاية لها، غياب مجلات ثقافية، لاحظ وضع المسارح ودور السينما … الخ، كل هذا يمنع وجود تراكم ثقافي وانتشار للأفكار بما يسمح بتحولها لموضوعات مدارسة وتأليف ومن ثم الحديث عن طبقة مثقفة أو إنتاج ثقافي وفكري في الجزائر. الشأن الثقافي عندنا، تم اختزاله في فلكلور ونشاطات مناسباتية تخدم كل شيء إلا الثقافة والمثقف.

عن المحرر

شاهد أيضاً

أحمد الشمري مدير مشروع صناعة القراء العالمي في حوار للبصائر

إن المناخ الفكري والنفسي الذي نحيط به الأبناء والبنات، هو الذي يؤثر سلبا أو إيجابا …