الرئيسية | في رحاب الشريعة | سعادة المؤمن / د. يوسف جمعة سلامة

سعادة المؤمن / د. يوسف جمعة سلامة

يقول الله تعالى في كتابه الكريم:{وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ }.

لقد جاءت سورة العصر في غاية الإيجاز والبيان؛ لتوضيح سبب سعادة الإنسان أو شقاوته، ونجاحه في هذه الحياة أو خسرانه ودماره.

(أقسم تعالى بالعصر وهو الزمان الذي ينتهي فيه عمر الإنسان،‏ وما فيه من أصناف العجائب‏،‏ والعِبَر الدالة على قدرة الله وحكمته‏،‏ على أن جنس الإنسان في خسارة ونقصان‏،‏ إلاّ من اتَّصَفَ بالأوصاف الأربعة وهي‏(‏الإيمان‏)‏و‏(‏العمل الصالح‏)‏و‏(‏التواصي بالحق‏)‏ و‏(‏الاعتصام بالصبر‏)‏ وهي أُسُسُ الفضيلة‏، وأساس الدّين‏،‏ ولهذا قال الشافعي- رحمه الله-:‏ لَوْ لَمْ يُنْزِلِ اللهُ سوى هذه السُّورة لَكَفَتِ النّاس)‏.‏

إن السَّعادة لا تكون إلا بالإيمان والعمل الصالح، فهما من أهم أسباب السعادة،كما قال تعالى:{فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى* قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى}.

 

السعادة الحقيقية

من المعلوم أن السعادة الحقيقية ليست مَالاً يجمعه الإنسان، ولا منصباً يتبوأه، ولا جاهاً يتقلَّده، ولا كثرة أولاد يَزْهُو بهم على الآخرين، ولا صحّة يَتَجَبَّرُ بها على عباد الله، كما قال الشاعر :

وَلستُ أرى السعادةَ جَمْــعَ مالٍ         

ولكــنَّ التقيَّ هو السعيــــدُ

وتــقـوى اللهِ خـيـرُ الـزادِ ذُخْــراً       

وعـنـــد اللهِ لَلأَتْقَى مَزِيـــدُ

إن السَّعادة الحقيقية تكون بالإيمان والتَّقوى، والعمل الصَّالح، ولزوم المساجد، والإيمان بالقدر خيره وشرّه، والرضى بما قسم الله عزَّ وجلَّ، والاستقامة في القول والعمل، والتَّحَلِّي بالأخلاق الفاضلة، والإكثار من ذكر الله عزَّ وجلَّ، واتّباع هدي القرآن الكريم والسُّنَّة النَّبويّة الشَّريفة، كما قال رسولنا محمد
– صلى الله عليه وسلم-  في الحديث:(سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إِلاَّ ظِلُّهُ: إِمَامٌ عَادْلٌ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ، وَرَجُلانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ، اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ، فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بصَدَقَةٍ، فَأَخْفَاهَا حَتَّى لا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ).

هذه هي السعادة الحقيقية، وهذه هي أحوال السعداء، ونضرب لذلك أمثلة، منها:

* سيدنا يونس – عليه الصلاة والسلام-: نادى ربه وهو في ظلمات ثلاث: ظُلمة الليل، وظُلمةُ البحر، وظُلمةُ الحوت، حيث انقطعت به السُّبل ولم يبق أمامه إلا الله سبحانه وتعالى، فهتف من بطن الحوت بلسان ضارع حزين:{لا إِلَهَ إِلا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ}، فوجد السعادة، هكذا الإيمان إذا باشرت بشاشته شغاف القلوب تجعل المستحيل مُمْكنا، إنه الإيمان يُحرك الجبال وَيُسَيِّر العوالم، وفي الحديث:(مَا مِن مكروبٍ يَدْعُو بهذا الدُّعاء إلا استُجِيبَ له).

* سيدنا موسى – عليه الصلاة والسلام –: عندما لَحِقَ به ومَنْ معه فرعون وجنوده، وقال أصحابه:(إِنَّا لَمُدْركُونَ)، قالوا ذلك: حين رأوا فرعون وجنوده وراءهم، والبحر أمامهم، وساءت ظنونهم، قال– عليه الصلاة والسلام- كما جاء في قوله تعالى:{قَالَ كَلا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ}، إن ربي معي بالحفظ والنصرة، وسيهديني إلى طريق النجاة والخلاص، فوجد السعادة .

* سيدنا محمد – صلى الله عليه وسلم –: وهو يُطَوَّق في الغار بسُيوف الكفر، فيقول لصاحبه أبي بكر الصديق تطميناً وتطييباً: لا تخف فالله معنا بالمعونة والنصر:{إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}.

مَنْ هم السعداء ؟

إن الله عزّ وجلَّ قد كتب الحياة الطّيبة والسَّعادة لعباده المؤمنين المتقين، الذين يعملون الصالحات ويخلصون الدين لله، ويتمسَّكون بالإسلام ويهتدون بهدي القرآن الكريم، كما جاء في قوله سبحانه وتعالى:{مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}، فهؤلاء العباد تبقى نفوسهم راضية مطمئنّة، وقلوبهم بالإيمان واليقين عامرة، وصدورهم من الغشِّ والحقدِ خالية، وأمورهم مجتمعة غير مُشَتَّتة، تراهم راضين بقضاء الله وقدره، مستسلمين لأمره وحكمه، عاكفين على توحيده وتقديسه وعبادته، غِنَاهم في نفوسهم، لا ينظرون إلى ما في أيدي الناس، ولا يمدُّون أعينهم إلى متاع الحياة وزينتها، ولا يحسدون أحداً على ما آتاه الله من فضله، كما جاء في الحديث عن أبي هريرة – رضي الله عنه- أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم- قال:( مَنْ يَأْخُذُ عَنِّي هَؤُلاءِ الْكَلِمَاتِ فَيَعْمَلُ بِهِنَّ أَوْ يُعَلِّمُ مَنْ يَعْمَلُ بِهِنَّ؟ فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَقُلْتُ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَخَذَ بِيَدِي فَعَدَّ خَمْسًا وَقَالَ: اتَّقِ الْمَحَارِمَ تَكُنْ أَعْبَدَ النَّاسِ، وَارْضَ بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَكَ تَكُنْ أَغْنَى  النَّاسِ، وَأَحْسِنْ إِلَى جَارِكَ تَكُنْ مُؤْمِنًا، وَأَحِبَّ لِلنَّاسِ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ تَكُنْ مُسْلِمًا، وَلا تُكْثِرِ الضَّحِكَ، فَإِنَّ كَثْرَةَ الضَّحِكِ تُمِيتُ الْقَلْبَ).

فالإيمان والعمل الصّالح سبيل الحياة الطَّيِّبة الكريمة، ووسيلة الاستقرار والهدوء، وأساس الاطمئنان والعيش الرَّغيد، فلا تَطِيبُ الحياة لأحدٍ إلا في الجنة؛ لأنها حياة بلا موت، وغنى بلا فقر، وصحّة بلا سَقَمٍ، وسعادة بلا شقاوة.

فكأنما حِيـزت له الدنيا بحذافيــرها

أخرج الإمام  الترمذي في سننه عن عُبَيْدِ اللهِ بْنِ مِحْصنٍ الخَطْمِيِّ– رضي الله عنه-  قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم –:(مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِناً فِي سِرْبِهِ، مُعَافىً فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا).

لقد أنعم الله سبحانه وتعالى على البشريّة بِنِعَمٍ عديدة لا تُعَدّ ولا تُحصى وفي مقدمتها نعمة الإسلام، ومن أهمِّ هذه النِّعَمِ: نعمة الأمن، فهي من أفضل النِّعَمِ التي أنعم الله بها على البشريَّة جمعاء، وكذلك نعمة الصِّحَّة، فهي من أَجَلِّ النِّعَمِ حيث إنها ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالدّين، فالمؤمن القوي خيرٌ وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضَّعيف، كما أَنَّ نعمة القوت والرِّزق من أَجَلِّ النِّعَمِ، فقد حرص الإسلام على أن تعيش البشريّة حياة كريمة تأكل من خير الله، ورحم الله القائل:

إِذَا اجتَمَعَ الإِسلامُ وَالقُوتُ لِلفَتى      

وَكَانَ صَحِيحًا جِسمُهُ وَهُوَ في أَمْنِ

فَقَد مَلَكَ الدُّنيَــــــا جَمِيعًا وَحَازَهَا       

وَحُقَّ عَلَيهِ الشُّكــــــرُ للهِ ذِي المَنِّ

فمن أراد السَّعادة فليلتمسها في المسجد، في القرآن الكريم، في السُّـنَّة، في الذِّكر، في الاستقامة، في اتّباع محمد – صلى الله عليه وسلم -، فيا طُلاب السَّعادة، ويا عُشّاقها، ويا أيها الباحثون عن الخلود في الآخرة، في جنات ونهر، في مقعد صدق عند مليك مقتدر، لا يكون ذلك إلا من طريق محمد – صلى الله عليه وسلم – ؛ لأن ديننا يُوجب علينا حُبَّه – صلى الله عليه وسلم – والسَّير على هديه واتّباع سنته.

أليس هو الذي قرن الله طاعته بطاعته، فقال:{مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ}.

أليس هو الذي قرن الله محبته بالسَّير على هديه، فقال:{قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ}.

أليس هو الذي سيندم العصاة على مخالفته، كما في قوله تعالى: {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا}.

اللهم أحينا على سنته، وأمتنا على ملته، واحشرنا في زمرته،

واسقنا يا رب من حوضه الشريف شربة ماء لا نظمأ بعدها أبداً … آمين ..يا رب العالمين.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

مسجد فوبي اصاب اللائكيين عندنا

الشيخ نــور الدين رزيق / الإعلام العلماني اللائكي الذي تجاهل هذا المشروع الحضاري منذ تاسيسه …