أخبار عاجلة
الرئيسية | كلمة حق | أوقفوا العدوان الغازي القادم من بنغازي/ أ.د. عبد الرزاق قسوم

أوقفوا العدوان الغازي القادم من بنغازي/ أ.د. عبد الرزاق قسوم

إن لليبيا، في ذمة الجزائر، حقوقا، لا تسقط بالتقادم، ولا تُمحى من ذاكرة التاريخ.

فحق الأخوة في الدين، ثابت، يوجبه الدين، ويفرض على الجزائر المسلمة أن تهب لنصرة الشعب الليبي المسلم، مصداقا لقوله تعالى﴿وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ ﴾[ سورة الأنفال، الآية: 72].

وحق الجوار تمليه، أواصر القربى، وتحتمه قوانين الدفاع الإستراتيجي المشترك. ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ﴾ [سورة النساء، الآية: 36].

وحق العروبة، الذي هي رمز الأنفة، والمروءة والشهامة، فالعبقرية العربية، تكمن في لسانها:

لسان الضاد يجمعنا         بغسان وعدنان.

وحق الوفاء للأداء، فقد وقفت ليبيا البذل والعطاء، مع ثورة الجهاد والفداء، إذ كانت ليبيا معبرا للسلاح، ومرتعا للمقاومين في الكفاح، فكم من أموال جمعت، وكم من مظاهرات حشدت، وكم من طاقات عُبئت.

إن هذه الحقوق، التي هي في ذمة الجزائر المجاهدة، لليبيا الشقيقة، تفرض كلها على الدولة الجزائرية المستقلة، أن تهب اليوم لنصرة ليبيا، وهي تواجه هذا العدوان الغازي من الجيش القادم من بنغازي.

وهل يعقل، أن تعتدي بنغازي على طرابلس؟ وهل من المروءة، والأخلاق، والوطنية، أن يُعدَّ ضابط ما، جنده، وأن يقوّى بالأجنبي زنده، وأن يخون في الوطنية عهده؟

بأيّ دين أو بأية ملة، يقدم ليبي ما على قتل أخيه الليبي؟ وكيف نعتبر دماء الشباب المسفوكة في الكلية العسكرية بطرابلس، من الذين كانت ليبيا تعدهم للدفاع عن حدودها، فيقتلون بأسلحة العاقين من جنودها؟

وهل يقبل عقلا، أو وطنية، أن يتواطأ مواطن ليبي كيفما كان مستواه من المسؤولية مع أي أجنبي للعدوان على شعبه؟

اللهم إننا نبرأ إليك مما يفعله بعض الليبيين ضد إخوانهم، أيا كانت الدوافع والمسببات!

أما وقد أصبحت المعركة اليوم، بين الشعب المفرد، وجمع التكسير، وبين الشرعية، ومن يعلنون عليها النفير، فإن دعاة الشرعية في العالم، وفي مقدمتهم الجزائر، وأنصار الحرية في الإنسانية وعلى رأسهم الشعب الجزائري، مطالبون اليوم بالوقوف، لنصرة المستضعفين، وصد  الغزاة المعتدين، وتكوين جبهة النصرة للحق المبين.

ويعلم الله، أننا لسنا دعاة حرب، بل إننا – قد – نحارب من أجل السلام، إن فرضت الحرب علينا، ولكننا في الأساس ندعو إلى الصلح بين الأشقاء الأعداء والصلح خير.

إننا نثمن ما تقوم به الجزائر من جهد لإصلاح ذات البين في ليبيا، ونبارك ما تسعى إليه من جمع الفرقاء، وحقن الدماء، ولكن، إذا تمادى العدوان، فإن رده يصبح واجبا بنص الشرع ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾[ سورة البقرة، الآية: 194].

وليذكر الجزائريون، الأمثلة الرائعة من الدعم المادي والمعنوي، مما قدمته ليبيا للجزائر في جهادها.

وللجيل الصاعد من الجزائريين، نسوق أمثلة من المواقف الليبية النبيلة، للعبرة والتذكرة .

روى لي الأستاذ محمد الصالح الصديق العالم المجاهد، الذي كان ممثلا للثورة الجزائرية في ليبيا، روى لي نماذج من مواقف الشعب الليبي الشقيق في دعمه للجهاد الجزائري.

قال الشيخ محمد الصالح الصديق حفظه الله، إنه جاء إلى ليبيا ذات يوم من أيام الثورة المباركة، عالم الجزائر وإمامها الشيخ محمد البشير الإبراهيمي، فاستنجد مثقفو ليبيا بالشيخ محمد الصالح الصديق، أن يقنع الشيخ الإبراهيمي، بإلقاء محاضرة لهم.

قال الراوي، عندما فاتحت الشيخ محمد البشير في الأمر اعتذر له، بالحالة الصحية، فرد عليه الشيخ محمد الصالح الصديق قائلا: اسمع مني أولا، هذه النماذج من دعم الشعب الليبي للثورة الجزائرية، ثم احكم بعد ذلك قال له الشيخ تفضل:

قال الشيخ محمد الصالح: ما رأيك في الليبي الشحاذ، الذي يقضي يومه كله يسأل الناس أعطوه أو منعوه، وفي المساء يأتي بحصيلة ما يجنيه للثورة الجزائرية، دعما لها، وهذا دأءبه كل يوم.

المثال الثاني، سيارة محملة بالسلاح الموجه إلى الثورة، كانت مطالبة بإيصال السلاح، في زمن محدد، فكانت مسرعة جدا، وأثناء ذلك، اصطدمت بطفل ليبي فقتلته.

فأخذ أبو الطفل الليبي سلاحه، وجاء هائجا، عازما على الانتقام من قاتل ابنه، فاعترضه الناس، وقالوا له، ماذا أنت فاعل؟

إن السائق هو مجاهد جزائري، وكان في مهمة إيصال السلاح إلى المجاهدين، فسقط السلاح من يد الأب الهائج، وقال: أعتبر ابني شهيدا من شهداء الثورة الجزائرية.

المثال الثالث- كما روى الشيخ محمد الصالح الصديق حفظه الله، هو أسبوع التضامن الليبي مع الثورة الجزائرية.

قال الشيخ كان موكب عرس، مارا وسط المدينة فسألت العروس، ما هذا؟ فقيل لها: إنه أسبوع التضامن مع الجزائر، فنزعت من يديها كل حليها الذهبية، وقالت: خذوه دعما للجهاد الجزائري.

فلما سمع الإمام الإبراهيمي هذه الروائع قال: نظموا في هذا المساء المحاضرة في أي مكان تشاؤون.

المثال الرابع، من المواقف الليبية، عشته أنا شخصيا زمن الاستقلال،  وتحديدا في عام 1971، كنت عابرا لليبيا بسيارتي من تونس إلى مصر، صحبة أسرتي، وذلك في بداية الثورة الليبية، وعندما وصلت إلى الحدود التونسية الليبية، وكانت الساعة تشير إلى الواحدة زوالا، قدمت أوراقي إلى مأمور الحدود، فقال لي: عليك بدفع إتاوة التأشيرة، فتساءلت: وهل بين الجزائر وليبيا تأشيرة؟ قال: نعم.

قلت: وما هو المبلغ المطلوب؟ فقدم لي الحساب الإجمالي، دفعت له ما يقابل الدينار الليبي، بالعملة الفرنسية التي كانت معي، قال لي: لا أقبل إلا الدينار الليبي، قلت: وأين أصرف العملة؟ قال: لابد أن تعود إلى أقرب بنك في المدن التونسية ثم تعود، وكانت المسافة كبيرة، وطال النقاش بيننا، والصف المنتظر من الناس كان طويلا.

فتقدم الليبي الواقف خلفي في الصف وسأل المأمور: ما هي الحكاية؟ قص عليه القصة، فقال الليبي للمأمور: هاك المبلغ، وحل مشكلته، وذلك ما تم.

بعدها عدت إلى الأخ الليبي بعد أن شكرته قدمت له المبلغ بالعملة الفرنسية فأقسم بأغلظ الأيمان أن لا يأخذ شيئا،  وأضاف قائلا: هذه هي الأخوة بيننا، أنا أدفع عنك وأنت تدفع عن أخ آخر، ولا مزية لأحد على الآخر.

هذه –إذن- هي حقوق الشعب الليبي على الجزائريين، ومهما فعلنا، فلن نفيه حقه.. وأبسط حقوقه علينا، أن ندفع عنه، هذا العدوان الغازي القادم من بنغازي.

عن المحرر

شاهد أيضاً

هل أمريكا آيلة إلى الانقسام؟

أ د. عمار طالبي/ يبدو من تصرف الرئيس الأمريكي من التشكيك في الانتخابات، إذا طرأ …