أخبار عاجلة
الرئيسية | قضايا و آراء | الربيع العربي الجديد وأزمة الدّمقرطة ماذا بعد… الشعبويّة؟/ د: ليندة طرودي

الربيع العربي الجديد وأزمة الدّمقرطة ماذا بعد… الشعبويّة؟/ د: ليندة طرودي

“الديمقراطية ليست أكثر من وسيلة لتجنب الطغيان… لا أكثر ولا أقل”… كارل بوبر

لا تُبنى الديمقراطية على الصعيد الشعبويّ البعيد كلّ البعد عن التمثيل، وإلاّ ستتحوّل الساحة السياسية إلى غابة السيطرة فيها للأشرس، فالذي سيُمثّلك اليوم لن يكون الحاكم المستبد الذي يفرض عليك ضرائب على حقوقك، لن تعيش عبداً مستضعفاً يقوم بالواجبات فقط، فالله خلقنا أحرارا وهاته الأخيرة لا تؤخذ منّا بل نحن من نغفل عنها.

ببساطة لن تتحقّق الديمقراطية أو هامش العدل والحوار حينما تتمسّك الشعوب بمواقف لا تخدم الصالح العام، كأن تخرج في مظاهرات تُطالب فيها بزوال الديكتاتورية وتغيير النظام، وفي ذات الوقت لا تقبل بممثل يملك من الثقافة والحنكة كي يتفاوض مع الطرف المرفوض شعبياً، فأن ترفض شخصاً لا يعني ألاّ تتحاور معه، فأنت حينما لا تجد من يُمثّلك سيختار لك النظام ممثلاً ويفرضه بطرق ملتوية حينها ستعمل بنفسك على ترسيخ الاستبداد من جديد، فأنت الذي قلت لا للبدائل الضرورية في تلك المرحلة، أنت قفزت على خطوة ضرورية، فلا تشتكِ فيما بعد من الفراغ الذي سيأخذ الكثير منك عندما تلتفت للوراء من أجل سدِّه.

يقول الكثيرون أخذنا دروسا قاسية من الربيع العربي ولم تتحقّق أيّة ديمقراطية، فقط تونس حقّقت هامشاً منها وما يزال الوقت مبكِّراً على الاحتفال، تونس عايشت الربيع القديم وتجرّعت بانتخاباتها النزيهة جزءًا من الربيع الجديد، لكنّها تحت الاختبار والسنوات القادمة هي المؤشر.

الجزائر مرّت من أيام بانتخابات وأحداث كثيرة مفاجئة، آخرها كان تعيين الوزير الأوّل المتخصص في مجال العلوم السياسية، الأكاديمي المُحنّك على حدّ قول طلبته وأصدقائه ومُحبّيه، والأيام هي الفاصل لكن ما ينبغي الإشارة إليه هو ضرورة الانتباه لكل صغيرة وكبيرة، فالرئيس لن يُحقّق الديمقراطية لوحده والوزراء لا يمتلكون عصاً سحريّة تُغيّر الواقع بلمح البصر، الشعب هنا هو الفاصل.

في الجزائر هناك من رفض الانتخابات، وحتى نتائجها ومن الأساس لم يكونوا موافقين على المترشحين، ورغم التغييرات الحاصلة وبداية توزيع المناصب، ما يزال الحراك مستمراً، وعليه وجب القول بأنّ التجربة الجزائرية ستشهد ديمقراطيتين، ديمقراطية على مقاس النظام تحدث في قمة الهرم، وديمقراطية شعبويّة مهدها ولحدها الشارع، وقد يُحقّق هذا الأخير المُبتغى حينما يختار ممثلين واعين يفهمون مداخل ومخارج السياسة، حينها سينجح الشارع في فرض قيمه الحقيقية، سيبني ديمقراطيته وفقا لخصوصياته.

قد تُواجه الديمقراطية الكثير من الأزمات حينما يتحدّث الجميع في نفس الوقت، وعليه لا يُوجد من يستمع عندئذٍ تعمّ الفوضى، وهذا ما حصل في كثير من الدول العربية، تحوّل الجميع إلى محلّلين للأوضاع الانتقادات من كل حدب وصوب، السب والتخوين، الاستهزاء والقائمة طويلة.

هذا ما نقصده بالقيم، ففي المرحلة التي يسقط فيها نظام وحتى لا نُبالغ سنقول بعدما يسقط الرئيس فالأنظمة عندنا مشخصنة، تبدأ مرحلة ما قبل البناء ألا وهي التعرُّف على قيمنا الحقيقية، لأنّنا حينما نعيش فترات من التهميش والاقصاء، وعدم القدرة على التعبير عن آرائنا والقيام بواجباتنا والمطالبة بحقوقنا، سيحدث أمر ما فجأة ألا وهو التعرّف على حرّياتنا الطبيعية التي حُرمنا منها لسنوات فأصبحت بالنسبة لنا بمثابة طموح، حينها يبدأ الجميع في التعبير، يتحررون من القيود الوهمية التي كانت مفروضة عليهم، ويبدأون في التعرُّف على الممارسات السياسية الحقيقية، وهي فترة صعبة إن لم تكن هناك نُخب مثقفة تقود أو تُحاول شرح الوضع، ستنقلب الأمور وتتداخل القيم، لأنّ كل فرد سيحسب نفسه قائداً بالفطرة.

الشعبويّة دون تمثيل قد تكون طريقاً مسدوداً، أو ديمقراطية مشوّهة، فالنُخب المثقفة، وأصحاب التخصّص عناصر يجب توفّرها لتجنُّب الصدَمات والصِدامات والخيبات، لا يُفيد العناد لأنّ الخاسر الوحيد هو الشعب أمّا الأنظمة فمبرمجة على تكييف نفسها، على إعادة ترتيب أولوياتها، والشعب حينما يُجيد استغلال الفُرص سيكون بذات المكانة التي تجعل النظام في خدمته وليس العكس.

المراحل القادمة حسّاسة أكثر، والربيع العربي الجديد صورة واضحة عن الديمقراطية الشعبويّة التي فرضت وجودها، نحن بصدد تطورات كثيرة قد تأخذ منحى إيجابيا أو آخر سلبيا، لكن تبقى الشعوب مفتاحاً للتقدم أو التراجع، والديمقراطية مجرّد مصطلح وُضع لتحقيق مصالح معيّنة، والشعوب الذكية هي من تُكيّفه حسب خصوصياتها هي، فالتقليد يجعل منّا أدوات لتحقيق غايات الأنظمة القوية التي تتحكم في أنظمتنا ومنذ ظهور العولمة أضحت قيمنا أيضاً رهن إشارتها وعليها وجب الإحاطة بالدّمقرطة من جميع جوانبها الداخلية والخارجية.

عن المحرر

شاهد أيضاً

سورة العهد الأسبوعي…(1) واصبر نفسك

مداني حديبي / سورة الكهف سماها شيوخ العلم بسورة العهد الأسبوعي لأنك تعاهد الله على …