الرئيسية | غير مصنف | النظرة إلى العالم/ منصف بوزفور

النظرة إلى العالم/ منصف بوزفور

من الذين طرحوا قضية تطور النظرة الإسلامية إلى أوروبا الدكتور خالد زيادة؛ فميّز مرحلتين في تاريخ النظرة الإسلامية بأوروبا، المرحلة الأولى: وهي الكلاسيكية، واستندت فيها النظرة إلى الموقف التقليدي الإسلامي الذي يقسم العالم إلى دار الإسلام ودار الحرب.

ولا شك ن فإن النظرة الإسلامية في أوروبا، وخلال هذه المرحلة الجديدة قد تأثرت بشكل خاص بالصراع مع بيزنطة التي هي أيضا ممثلة للمسيحية.

والمرحلة الثانية: تتناسب مع بروز القوة الأوروبية في حوض المتوسط، وتتناسب أيضا مع بروز الدولة العثمانية، وتتناسب أيضا وبشكل خاص مع إحراز أوروبا تقدما في ميدان البحرية والتقنيات العسكرية، والحقيقة أن مصطلح دار السلام ودار الحرب برز في عهد الفتوحات الكبرى.

وكان على المسلمين في ذلك العهد أن ينشروا الإسلام ولو بحد السيف، ولم يكن ذلك مقطوعا به فقد انتشر الإسلام في أقاصي الأرض، وإن كانت بيزنطة قائمة آنذاك كرأس الأفعى.

ثم إنه بلغ أوروبا مع فتح الجزيرة “الإيبيرية” حتى وإن لم يتعدّ المانش ولا جبال “البيرينية”. فقد عضدت المسيحية البلاد التي كانت تحت سلطة الرومان بل المسيحية الشرقية لم تهجر عقر دارها حتى في عهد الإسلام الأول إذ لم يكن أهل الكتاب يحتسبون من الكفار ولا من المشركين، فقيّد لها الإسلام شكل البقاء وذلك بدفع الجزية.

والجزية منها لا تحتسب تعدّيا على حقوق أهل الكتاب ولكنه حق يدفع لأولي الأمر من المسلمين لقاء خدمات الدولة الإسلامية، فهي كالزكاة يدفعها المسلم للفقير.

لم يعاد الإسلام والمسلمون أهل الكتاب في الشرق ولا في الأندلس بقدر ما وجد الإسلام من عناء وعداء من كل هؤلاء الذين طغوا في الأرض حين أسلم لهم الأمر، وبعد استرداد الأندلس وطرد العرب والمسلمين منها. ولم يكن وضع المسلمين آنذاك حسنا لا من الناحية الحضارية ولا من الناحية الدولتية وتبعاتها.

وكان بروز القوة الأوروبية في حوض المتوسط في مرحلة ثانية متناسبا مع بروز الدولة العثمانية وفتوحاتها الكبرى في أوروبا الشرقية.

إلا أن هناك فرقا بين القوتين:

1/ فالقوة الأوروبية قد قامت على مفاهيم أساسية لبناء حضارة ذات مكانة أساسها العلم والعقل.

2/ وأما القوة العثمانية فقد تأسست على الانكشارية والقوة الحربية القائمة على الأعداد لا على العدّة، وهل تكفي الأعداد بلا عدّة؟

إذن هناك لا شك نظرتان إلى العالم الأوروبي، نظرة الفاتحين العرب الأوائل والتي تثنّت بالاعتداءات الصليبية على الشرق، ونظرة العرب إلى الغرب بعد سقوط الأندلس؛ ولم تكن بالنظرة السليمة بقدر ما كانت جامدة، والحق يقال: كان بروز القوة الأوروبية في حوض البحر الأبيض المتوسط بروز نكال سيعلنه فيما بعد عن طريق الاستعمار؛ فإذا قطع العثمانيون رأس الأفعى، فإن الأفعى هذه ليست حقيقية، لقد هاجرت الأفعى الحقيقية إلى حوض المتوسط.

والحقيقة أنه في كلا الزمنين الكلاسيكي وما بعد الكلاسيكي نحن أمام الحركة الصليبية التي لعبت دورا مركزيا على مستوى الأحداث العالمية التي تمحورت في بداية العصر الوسيط بين أهم قوتين الشرق الإسلامي والغرب المسيحي، وخاصة فيما يتعلق بنوعية العلاقة التي ترافقت معها وأعقبتها، ومدى تأثيراتها على الرؤية المستقبلية لكل منهما.

فالعلاقة إذن علاقة عدائية متوتّرة وضعت الإسلام دائما في حالة دفاع متواصل ضد الغرب.

وهكذا حين ظهر “الإستشراق” ظهر أولا بترجمة فلسفات وعلوم العرب والاستفادة منها، ثم تواصل في إطار من الكشف والبحث عمّا هو مغيب عن الغربي من ذات الشرقي وخصوصياته.

وكانت “زيغريد هونكه” تقول: “الإسلام مزّق بانتصاره وحدة العالم الذي عمر أكثر من ألف سنة، فشطره شطرين شرقا وغربا”.

في حين يرى آخرون أن الإسلام غيّر وجه العالم ولن تكون الحروب الصليبية ولا سيطرة القوى الأوروبية على حوض البحر الأبيض المتوسط ثم على العالم إلا دورا ثانيا تريد به توحيد العالم، ولو في الأغلال الأوروبية!

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

ملامـــــح الثــقــــافـــة العربيـــة فــي إيطــــاليـــــــا

عز الدين عناية  / شهدت الدراسات العربية في إيطاليا تحوّلات كبرى خلال العقود الأربعة الأخيرة، …