الرئيسية | اتجاهات | الصهيونية العالمية تستجمع قواها/ أ. محمد الحسن أكيلال

الصهيونية العالمية تستجمع قواها/ أ. محمد الحسن أكيلال

 

 

الفوضى الخلاقة لتكبيل المقاومة

 

في الوقت الذي يعاني فيه الرئيس الأمريكي “ترمب” الأمرّين مع الحزب الديمقراطي ومجلس النواب بحيث أصبح الآن مؤكدا أنه سيحاكم قريبا أمام الكونغرس بتهمتي استغلال النفوذ وعرقلة الكونغرس؛ وهذا يعني أنه يمكن عزله من منصبه إذا اكتمل النصاب في التصويت داخل مجلس الشيوخ الذي يتمتع فيه حزبه الجمهوري بالأغلبية، لذلك تحركت أذرع الحركة الصهيونية وبقوة في كل من لبنان والعراق وليبيا واليمن بشكل أخف لتفادي إطلاق الصواريخ الباليستية على المملكة العربية السعودية، طبعا حسب الموقع الجغرافي لكل قطر والمسافة التي تفصله عن فلسطين المحتلة.

في نفس الوقت يمر صديقه الحميم “نتانياهو” بنفس المحنة وهو يحاول التخلص من المحاكمة والسجن، وأصبح يستنجد بالمستوطنين واليمين المتطرف لمساعدته على الفوز في انتخابات تشريعية هي الثالثة منذ بداية أزمته مع التحقيق القضائي.

تسريع الأحداث في العراق ولبنان ثم في ليبيا ليس بالصدفة، بل يأتي في سياق منهجية المخطط (ب) الذي تتضمنه الاستراتيجية الجديدة التي نقحها المحافظون الجدد في “جورج بوش الابن”، هذا التنقيح الذي اعتمد نظرية كبيرهم الذي علمهم السحر”هنري كيسنجر” فهو صاحب نظرية “الفوضى الخلاقة” للتخلص من أي عدو محتمل في المستقبل بدل استعمال الأسلحة الفتاكة وأسلحة الدمار الشامل التي يرفضها الرأي العالم العالمي ومنظمات حقوق الإنسان التي أنشأتها أيضا الصهيونية العالمية كسلاح آخر يستعمل عند الحاجة؛ بالإضافة إلى التكاليف الباهظة في الأرواح والأموال والعتاد.

“الفوضى الخلاقة” هي عبارة عن زرع الكيد في نحور الشعوب التي يريدون التخلص منها للإبقاء على أمن وسلامة دولة وشعب الكيان الصهيوني الذي يرى كبار محلليهم ومتنبئيهم أنه يعيش آخر سنوات تواجده في تلك الأرض.

التحريك في العراق ولبنان في وقت واحد مع محاولة فاشلة في إيران نفسها، هذا يعني تفتيت حلقات سلسلة المقاومة أو على الأقل تعطيلها في هذه المرحلة إلى حين إيجاد أسلحة أخرى على إنجاح الفوضى الخلاقة لتحقيق الأهداف المسطرة لها، خاصة في لبنان والعراق الذين يجب أن تعطل فيها المقاومة أطول مدة ممكنة.

قطر آخر حاولوا تحريك الشارع فيه لكنهم تفاجأوا أن شعبه محصن معنويا ونفسيا ضد كل أشكال تحريكهم هو القطر الجزائري الذي أكسبته ثورة نوفمبر المجيدة مناعة ستبقى إلى أبد الآبدين.

أوروبا لها حظها أيضا وكذلك آسيا وأمريكا اللاتينية

لم يتوقف التحريك على البلدان العربية المعادية للتطبيع بل توسع ليشمل روسيا التي فشلت فيها المحاولة وشملت “هونغ كونغ” في الصين الشعبية بالإضافة إلى قارة أوروبا التي شحنت في كثير من بلدانها الحركات والتيارات اليمينية الشعبوية لتفوز في الانتخابات الرئاسية والتشريعية، وقد انطلقت العملية في النمسا ثم في إيطاليا فإسبانيا؛ وأكبر تحريك يهدف إلى تفكيك الاتحاد الأوروبي كان في بريطانيا التي قرر حزب المحافظين فيها الخروج من هذا الاتحاد ليرتبط ارتباطا عضويا بالولايات المتحدة الأمريكية.

في القارة الأمريكية أيضا أشعلت النيران على الرئيس الفنزويلي “مادورو” خليفة “شافيز” الراحل، ووصلت الأمور في الأيام القليلة الماضية إلى محاولة اغتياله ثم في بوليفيا التي ضيقت الخناق على رئيسها اليساري “موراليس” لإعلان استقالته حفاظا على أمن واستقرار البلاد.

كل هذا لأن هذين الرئيسين يتعاطفان مع الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة، عكس البرازيل والأرجنتين حيث قام نظام الحكم فيهما بتأييد خطوة “ترمب” بنقل سفارة بلاده إلى القدس واعترف بأنها العاصمة الأبدية لإسرائيل.

إنه التضخم للشعور بالقوة والغطرسة ورفض أي منافسة لقوى كبرى جديدة كروسيا والصين وورائهما كل من كوريا الشمالية والجمهورية الإسلامية الإيرانية.

إن ما يجري فعلا هو قيام الولايات المتحدة ومعها بريطانيا لاستعادة أمجاد الاستعمار والامبريالية لمواصلة الهيمنة المطلقة على مناطق النفوذ والمواد الأولية والطاقة التي تناقصت كثيرا في العقود الستة الماضية نتيجة استنزافها.

إن العالم بهذا المنطق سيعرف لاشك في المستقبل القريب أحداثا تتسم بكثير من الخطورة على السلم والأمن الدوليين ما لم ينجح الديمقراطيون في أمريكا في لجم “ترمب” الأهوج والتيار اليميني المحافظ؛ الأكيد أنه سيستعمل كل الوسائل للتخلص من المحاكمة في مجلس الشيوخ؛ وهو يعتمد على شعبيته حيث ما زال يسانده 40 % من الشعب الأمريكي إلى جانب اللوبي الصهيوني الذي اصطف كله حوله.

في أوروبا تتجه أنظار المحللين إلى فرنسا التي استفاق فيها اليسار والقوى العاملة التي أحست بالأخطار التي سبق ذكرها، ففرنسا هي قلب أوروبا النابض حاليا، وهي بعد انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي يمكن لها جر القاطرة لاستعادة وعي وقوة لفوز اليسار والقوى العاملة التي تخدرت في العقود الثلاثة الماضية في حكم رؤساء الجمهورية الخامسة الديغوليين، وبمجيء “ماكرون” بالطريقة المعروفة وبالحركة السياسية (فرنسا إلى الأمام) اختلطت فيها المفاهيم كبداية لتصوره الجديد الذي به يحاول القضاء على بقايا اليسار وإضعاف النقابات العمالية تمهيدا لبناء تيار يميني جديد قريب من اللّوبي الصهيوني الذي يرتبط ارتباطا عضويا بكل اللوبيات الصهيونية في أوروبا وأمريكا لتأمين الانتقال السلس إلى مرحلة جديدة للاستعمار والإمبريالية العالمية؛ فــــ “ماكرون” الذي كان موظفا في مجموعة “روتشيلد” المالية التابعة للوبي الصهيوني لم يأت إلى الحكم في فرنسا لعهدة واحدة وتطوير الاقتصاد الفرنسي للوصول بها إلى تبوؤ المكانة الثالثة بين الدول الخمسة الأعضاء في مجلس الأمن بعد انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي لأنها الدولة الوحيدة في أوروبا الغربية التي تمتلك السلاح النووي.

الدور للبلدان العربية، وخاصة دول الممانعة والتي لا تزال تساند القضية الفلسطينية، هذه البلدان على ما تعانيه هذه الأيام من فتن داخلية جراء أوضاعها الاجتماعية المزرية التي تسببت فيها أنظمة حكمها الفاسدة والمستبدة. المطلوب من نخبها المثقفة وقياداتها ذات التأثير على هذه الشعوب أن تبذل قصارى جهودها لحلحلة الأوضاع إلى الاستقرار لتستطيع القيام بواجباتها في التنمية الاقتصادية والاجتماعية لصالح شعوبها المقهورة وتحاول بناء أنظمة حكم مسؤولة جادة، أمام هذه الشعوب ولتقوم في الأخير بواجبها نحو الشعب الفلسطيني الصامد.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

أولويـــــــــــات داعــيــــــــــــــــــــــــة

عبد العزيز كحيل / -أنا داعية إلى الله: حين أخطب وأحاضر وأكتب لا أشنّ حربا …