الرئيسية | ذكرى | الدكتور بشير مديني – رحمه الله – مؤرخ الثورة الجزائرية الحاذق والرجل الوطني الصادق/ د. الطيب بوسعد

الدكتور بشير مديني – رحمه الله – مؤرخ الثورة الجزائرية الحاذق والرجل الوطني الصادق/ د. الطيب بوسعد

الجزء الأول

تحية ندية عطرة ملؤها السلام أزفها للشعب الجزائري بكل طبقاته وفئاته، قائلا: السلام عليكم، وأخص بالتحية أسرة التاريخ وكل أساتذة و طلبة الجامعات الوطنية و على رأسها جامعة لونيسي علي     -البليدة 2-، والمؤسسات التعليمية بجميع أطوارها، ها نحن أولاء تمر علينا سنة، نستذكر فيها رحيل وفقدان شخصية وطنية و تاريخية متميزة، أخينا الدكتور بشير مديني، أحد أبناء الجزائر المحروسة، البررة، ودرة رجالها العلماء وأبرز أعلامها الكبار الذين عز نظيرهم و قامة سامقة في تاريخ الجزائر الحديث و المعاصر وشيخ المؤرخين في الثورة الجزائرية المظفرة. وافته المنية عن عمر ناهز 60 سنة، بتاريخ يوم الثلاثاء 13 نوفمبر 2018، لقد أكرمه الله بالوفاة في شهر الثورة التحريرية المباركة التي كان المرحوم يجلها وتفاني في تدريسها لطلبة العلم، فهو من مواليد 07/08/1958 بتونس، سوفي الأصل و جزائري الموطن.

يتميز المرحوم الدكتور بشير مديني الفاضل، بمجموعة من الخصال الحميدة، التي هي من صفات المسلمين وأهل العلم، فهو أستاذ يشهد له القاصي و الداني بأخلاقه الرفيعة وبتواضعه في علاقته مع كافة اﻷساتذة والطلبة، لا يبخل عليهم بالخدمة العلمية ولا يتوانى عن تزويدهم بالكتب القيمة والمفيدة، فهو مكتبة متنقلة أثناء ارتياده لكل الجامعات التي يدرس فيها ، كما يتواصل مع عمال اﻹدارة ويبادر إلى إلقاء التحية عليهم ويحدثهم بالكلام الطيب والصادق ويتثاقفون معه ويستفيدون من علمه، وليس معروفا عنه التكبر والتعالي على فئات المجتمع البسيطة، مما جعله محل تقدير واحترام كل الناس.

ومعلوم عن أخينا بشير، حفاظه على صلة الرحم، بار بوالديه، اﻷب في حياته، ووالدته التي يزورها دوما في تونس حيث تقيم مع بقية أبنائها منذ فترة الثورة التحريرية كلاجئين في هذا البلد الشقيق، خادما وراعيا لها بكل ما يملك، لا أنسى أبدا لما بلغه خبر موتها وأنا معه في السيارة يبكي حزنا عليها كالطفل الصغير، كما كانت علاقته حميمية ووطيدة مع إخوته في الجزائر  وتونس وإيطاليا وأخواته، منهن المقيمة في الولايات المتحدة اﻷمريكية والتي لا ينقطع عنها بتاتا بالاتصالات الهاتفية سائلا عن أحوالها، أو تلك الماكثة في تونس، فلا يفرط في زيارتها، ولما توفيت، تكفل بأبنائها بالنفقة و الهدايا، يقدمها إليهم بنفسه، أو يرسلها إليهم، أما بين أكناف عائلته الصغيرة فكان نعم الزوج ﻷهله، و أم أولاده، الذين شملهم بالعطف و الحنان والرعاية والخدمة غير مقصر في إعالتهم و إعاشتهم، حريصا على تربيتهم وتعليمهم بصرامة، وبين الفينة واﻷخرى ينقلهم إلى الجامعة وخاصة ابنته مريم ولا يستنكف من أخذهم معه لزيارة  المعرض الدولي للكتاب كل سنة، مقتنيا لهم الكتب ليحثهم على المطالعة.

وما نسجله ﻷخينا بشير من فضائل اﻷخلاق، كرمه الطائي، وصدقاته غير المنقطعة للفقراء والمساكين، أشهد له أمام الله والعباد، أنه كلما حلت مناسبة عيد اﻷضحى، بعد شرائه ﻷضحيته، يتصدق بأضحية ثانية على المحتاجين و هذا كل سنة، ولا يمسك يده عن الصدقة على المنظفين بالجامعة التي يدرس فيها، ولا يبطل صدقته بالمن و اﻷذى أبدا، جعلها الله له صدقة جارية إلى يوم الدين.

وبقدر ثغره الباسم ووجهه المنبسط وقلبه اللين، إلا أنه كان يصدع بقول كلمة الحق ولا يخاف في الله لومة لائم، فلا يتورع عن تقديم النصيحة وإبداء النقد، لا يتملق إلى أحد طلبا لمصلحة خاصة و لم يكن إمّعة، عرفناه دوما مع الحق و ضد الباطل و الظلم، مهتما بمصالح وطنه وأمته، فهو المدافع الأشم عن القضية الفلسطينية، أتذكر يوما قيامنا معا بمسيرة مساندة لها مع مجموعة من الأساتذة بجامعة غرداية.

عهدناه صديقا صادقا وأخا وفيا و أمينا، كريما دائم الجود و العطاء، زائرا لزملائه اﻷساتذة وسائلا عن شيوخه، ومتألما لوفاة أقطاب ورواد المدرسة التاريخية الجزائرية، وبخاصة الدكتور أبو القاسم سعد الله، الذي كان مريدا له ومثله اﻷعلى في الخلق و العلم، أشهد يوم وفاته كم ذرفت عيونه بالدموع، و دليل وفائه لهم جميعا، أنه في أطروحته للدكتوراه، ذكرهم بأسمائهم شاكرا إياهم، على اختلاف ايديولوجياتهم، معترفا بجميل فضائلهم، ومترحما على الموتى منهم بعبارات ذهبية. ألفناه محبا للعلماء الصادقين وموقرا لهم، كارها للمتطفلين على العلم و المتملقين، والمتسلقين للمناصب، نابذا للمتخاذلين والمنافقين، والملفقين للحقائق التاريخية، فهو لا يجامل في ذلك أحدا.

أما عن تكوينه العلمي، فهو يزخر بسجل حافل، يليق بمقام العلماء اﻷجلاء والنابغين، والمثقفين الموسوعيين، فبعد تحصله على شهادة البكالوريا سنة 1976، نال شهادة الليسانس في الحقوق عام 1980، ليحوز بعدها الليسانس أيضا في التاريخ من جامعة الجزائر، كان ذلك سنة 1990، لكنه آثر ألا يكتفي بهذه اﻹجازات العلمية المتدرجة، ليخوض غمار الدراسات العليا، والتي توجت بحيازته على شهادة الماجستير في التاريخ الحديث والمعاصر بدرجة مشرف جدا ، والموسومة ﺑ” الجالية الجزائرية في تونس – السوافة نموذجا -(  1876 – 1962)، إشراف الدكتور إبراهيم مياسي – رحمه الله -، السنة الجامعية 2005 – 2006، وتكللت جهوده العلمية بنيله لشهادة الدكتوراه، في نفس التخصص،  من جامعة الجزائر، بدرجة مشرف جدا، والمعنونة ﺑ : “مساهمة الجالية الجزائرية بتونس في الحياة الاجتماعية و السياسية و الاقتصادية (1830-1962)”، إشراف اﻷستاذ الدكتور بوعزة بوضرساية، خلال السنة الجامعية (2014 – 2015 )، وعقب ذلك حاز على التأهيل لجامعي(  2016 – 2017 ).

نعترف للدكتور بشير مديني – رحمه الله – بمكنته من اللغة العربية السليقة والفصيحة، و التي لا يتحدث إلا بها في دروسه التي يلقيها على طلبته و الذين لا يسمح لهم الحديث بالدارجة في الحصص الدراسية، لكنه عرف بانفتاحه على اللغات اﻷجنبية، إذ يجيد اللغة الفرنسية نطقا وكتابة، كما يتكلم اللغة اﻹيطالية و يحسن الحديث باللغة اﻹنجليزية.

كرس اﻷستاذ المرحوم بشير مديني حياته في التدريس في اﻷطوار التعليمية المختلفة، فقد قضى ما ينيف على 24 سنة في التعليم المتوسط  الثانوي(  07 سنوات في طور التعليم المتوسط منذ 1982 و17 سنة  بالتقريب في طور التعليم الثانوي، منذ 1990 ).

ومارس التدريس في التعليم الجامعي على مدار 10 سنوات كاملة كأستاذ مساعد” ب” و ” أ” ، ثم  أستاذ محاضر ” ب ” و أ “. (  4 سنوات بجامعة غرداية من 2007 إلى 2011 ،  عمل سنة بجامعة الدكتور يحي فارس بالمدية بين 2011 و 2012، ومكث مدرسا 06 سنوات بجامعة لونيسي علي – البليدة 2 – )، دون احتساب نشاطه في التدريس كأستاذ مستخلف و مشارك بجامعة الجزائر 2، اعتبارا من سنة 1993، كما درس أيضا بجامعة الجزائر 1، في كلية العلوم اﻹسلامية بخروبة.

وعبر هذا المسار المهني الطويل في مؤسسات التعليم امتاز المرحوم بالجدية و التفاني في عمله، حريصا على التحضير، ومواظبا على الحضور، ينآى بنفسه عن التأخر، و ليس معهودا عنه الغياب، مضحيا بوقته ومصالحه الخاصة إلا التزاماته العائلية، فهي خط أحمر، مقدما العلم النافع بلا هوادة، فكان نعم اﻷستاذ والمربي، والقدوة والمثل الحسن في احترام وظيفته ومهنته بإحترافية عالية، حيث مثل مقصدا للأساتذة بغية اﻹستفادة من علمه والكتب التي تلازمه حملا في ذهابه وايابه وتجربته الرائدة وخبرته البيداغوجية المثالية في فنون التربية و التعليم، كما كان مرصدا للطلبة للنهل من نبعه العلمي الفياض بالتبليغ والحوار والنقاش في المدرجات والقاعات وساحات الجامعات الوطنية التي غصت بالتفاف الطلبة حوله.

و كان معهودا عنه دعوة المجاهدين إلى الجامعة التي يدرس بها لإثراء محاضراته أمام الطلبة بشهاداتهم الحية على غرار المجاهد عبد القادر نور و المجتهد الأمين بشيشي، و أتذكر أنني عرضت عليه الذهاب إلى منطقة عين الحمام بولاية تيزي زو لتعزية عائلة المجاهد الحسين آيت أحمد إثر وفاته -رحمة الله عليه-، فلم يتردد عن أداء هذا الواجب بحماس، و عند وصولنا وقفنا أمام ضريحه داعين له بالرحمة و المغفرة.

أتذكره في مرحلة التعليم الثانوي، التي جمعتني وإياه كزملاء مهنة وإخوة في الدين والوطن ، والله استحيت لما دخلت بمعية المفتش بعزية لترسيمه، و هو في أوج عطائه العلمي، و توثقت علاقتي به في تصحيح امتحانات البكالوريا حيث لمست فيه الجدية في تقييم أوراق الإجابة و منح العلامات بإنصاف،  وكذا بفضل قربنا من بعض في مؤسسات التعليم التي درسنا بها معا في ثانوية طارق بن زياد ببراقي، و بجامعة غرداية و البليدة 2، و حصيلة هذا المشوار الطويل تكوينه ﻷجيال من التلاميذ والطلبة، محببا لهم التاريخ الوطني ولاسيما حقبة الثورة الجزائرية دون التفريط أبدا في المراحل التاريخية المفصلية اﻷخرى كالمقاومات الشعبية و الحركة الوطنية المتمثلة في النضال السلمي السياسي والثقافي و الديني و اﻹصلاحي، حريصا في التواصل معهم باللغة العربية الفصحى و احترام الهندام الدراسي، ملتزما بارتداء البذلة الكلاسيكية مع وضع شارة العلم الوطني عليها، و مفرطا في اﻹنضباط، حتى لقبه الطلبة بالأستاذ العسكري، فقد تحمل بهذه المسؤولية التربوية و التعليمية الجسيمة مشروع دولة و أمة بامتياز.

وشهد له خبراء التربية والتعليم بحصافة الرأي ورجاحة العقل وجودة القريحة في عطائه العلمي المتدفق، ومنهم مفتش التربية والتعليم اﻷستاذ المحترم أحمد بوطالب الذي كان ينتدبه منشطا للندوات التنسيقية أثناء فترة التعليم الثانوي، وكانت بيننا سجلات فكرية محفوفة بالنقاش الحاد و تبادل الآراء في دروسه النموذجية، فازدادت علاقتنا التدريسية توثقا و رسوخا.

وتميزت النشاطات العلمية ﻷخي الموقر بشير مديني – رحمه الله – بالزخم الكبير والكثافة والتنوع في التقديم واﻷداء، فقد سجل مشاركات دؤوبة وفعالة في العديد من الملتقيات الدولية والوطنية، تمثلت بواكيرها في الملتقى الوطني الذي نظمه إتحاد المؤرخين الجزائريين، بمدينة عين صالح، بين 21 و 23 ديسمبر 1997، وكانت محاضرته موسومة ب:” شارل دو فوكو جاسوس أم قس؟، باﻹضافة إلى مشاركته في الملتقى الوطني اﻷول، حول المقاومة الشعبية في منطقة الزيبان ببسكرة، أيام 5 ، 6 ، 7 ديسمبر 1998 و هذا بشهادة الأستاذ الدكتور محمد الأمين بلغيث، و تمثلت آخر مشاركاته، في الملتقى الوطني بجامعة البليدة 2، حول اﻷلقاب العائلية في الجزائر( 1870 – 1930)، يليه  الملتقى الدولي حول اﻹعلام والثورة، بنفس الجامعة سنة 2017 أيضا، و ما يميز مدخلاته في هذا المقام المواضيع الجديدة وجدية الطرح واﻹلتزام بالموضوعية واﻹفصاح عن الحقائق التي تقتضيها منهجية الكتابة التاريخية اﻷكاديمية، فكان لا يتوانى عن فضح جرائم اﻹستعمار الفرنسي وكشف الخونة والعملاء وقبل ذلك يبتدئ بتلميع تاريخ بلاده متجردا من الذاتية لتعريف الباحثين من أساتذة وطلبة بأمجاد وبطولات وتضحيات الشعب الجزائري بكل أطيافه في سبيل الحرية واﻹستقلال.

وبالتوازي مع هذه اﻹسهامات في الملتلقيات العديدة لم يدخر جهده بالمشاركة في تنشيط اﻷيام الدراسية والندوات العلمية الكثيرة بمداخلات رفيعة المستوى وذات فائدة علمية جمة، ومن أمثلة ذلك حضوره في فعاليات اليوم الدراسي بعنوان: ” المدرسة التاريخية الجزائرية العثمانية ” تكريما لروح اﻷستاذ الدكتور مولاي بلحميسي، يوم الثلاثاء 29 أفريل 2011، من تنظيم الأستاذ الدكتور ابراهيم سعيود بجامعة غرداية، وتقديمه للمداخلة الموسومة ب:” القيمة التاريخية لمؤلف اﻷستاذ الدكتور مولاي بلحميسي – اﻷسرى الجزائريون وأوروبا المسيحية ” وقد تشرفت بالمشاركة معه في هذا اليوم الدراسي بمداخلة عنوانها: ” قضايا التاريخ اﻹسلامي الوسيط في دراسة وأبحاث اﻷستاذ الدكتور مولاي بلحميسي.

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

19 مارس 1962 عيد النصر

 فاطمة طاهي سلم استقلال وحرية بعد نضال أجيال دام قرنا وثلث القرن نصر أجبر فرنسا …