الرئيسية | قضايا و آراء | كلمة وداع للفريق قايد صالح/ د. الطيب برغوث

كلمة وداع للفريق قايد صالح/ د. الطيب برغوث

قدر لي الله سبحانه وتعالى أن أؤدي خدمتي الوطنية في مدرسة تكوين ضباط الاحتياط بالبليدة في الفترة ما بين 1985 – 1987، وكانت فترة مليئة بالتحولات في المجتمع الجزائري، وكان قائد المدرسة في هذه الفترة هو المقدم قايد صالح -رحمه الله -.

وقد كنت من الضباط الذين تمَّ الاحتفاظ بهم في المدرسة، حيث اشتغلت في المحافظة السياسية هناك، وكنت من المسئولين عن تدريس مادة التوجيه المعنوي والسياسي للضباط الاحتياطيين، كما كنت من كتاب الخطابات التي كان يلقيها قائد المدرسة في تخريج الدفعات، ومن كتاب سير الشهداء الذين كنا نسمي الدفعات المتخرجة بأسمائهم.

وكنت أحظى بالاحترام من قبل قائد المدرسة قائد صالح -رحمه الله -، إلى درجة أنني عندما أطلب إجازة من مدير التدريب، يقول لي لا تطلبها مني، اطلبها مباشرة من مدير المدرسة فهو يحترمك وربما يحتاجك في أي وقت ولا يجدك فأقع في حرج معه. وكان يأخذ رأيي في بعض الأمور الدينية بالخصوص. ومنها على سبيل المثال أنّ قائد الدرك الوطني زاره يوماً في مدرسة الضباط، ويبدو أن حواراً جرى بينهما حول الإسلام والاشتراكية، فاستدعاني لأشرح لهما الموضوع من الوجهة الدينية والاجتماعية.

وأشهد بأنّ الرّجل كان وطنياً صميماً، غيوراً على هوية المجتمع، حريصا على تعلم اللغة العربية والحديث بها، إلى درجة أنه طلب من المحافظة السياسية تعيين مدرس له ليعلمه اللغة العربية، وكان يأتي كلّ صباح على الساعة السابعة بالضبط وينسى رتبته العسكرية أمام المدرس، ويبذل جهداً كبيراً من أجل التعلم رغم كبر سنه وصعوبة ذلك عليه، ويلقي كل خطبه باللغة العربية، ويعتبر بأنه من العيب علينا أن لا نتعلم لغتنا وأن لا نستعملها بعد ربع قرن من الاستقلال.

كما طلب من المحافظة كذلك تعيين مدرس له ليتعلم بعض أمور الفقه والدين عامة، وكان حريصاً على ذلك وجاداً فيه. وقد وقعت له نكتة تربوية ومنهجية بالغة الأهمية أذكرها هنا كما رواها لي أخي سي السعيد عموري الذي كان سابقا لنا في المحافظة السياسية، وهي أنّ المدرس يبدو أنه كان يعتمد على فقه السنة أو يستفيد منه في تحضير دروسه، فيذكر له أحيانا بعض الآراء الفقهية، فقال له مرة: يا ولْدي أنا عسكري قل لي ماذا أفعل بالضبط! أما هذه الأقوال والاختلافات فهي لكم أنتم!

كما سمعته بنفسي عدة مرات يهاجم الاستعمار الفرنسي ويحذرنا منه ومن ثقافته وخدامه. كما لاحظت بأنه لم يكن متحسساً من الصحوة التي كانت في أوجها في تلك المرحلة، بل حرص على تكييف نفسه ووضعه معها، كما ذكرت ذلك في الأمثلة السابقة، لأنه كان يرى في إطار تدينه الشعبي، بأن ذلك هو الوضع الطبيعي بالنسبة للمجتمع الجزائري المسلم، الذي ينبغي له أن يصحح ما في حياته من مناقضة لدينه.

وفي هذا السياق أذكر أنني سمعته كذلك يقول أمامي لمدير التدريب: أنا أعرف بأن لخوانجية يعملون السياسة في مسجد المدرسة، وينتقدون النظام، ولكني لا أضيق عليهم ما داموا يعملون ذلك في إطار وطنيتهم وحرصهم على بلدهم، وهذا من حقهم! وكان مسجد المدرسة عامرا بالنشاط، وتقام فيه صلاة الجمعة، وتحيا فيه المناسبات الدينية والوطنية المختلفة.

وأذكر أنني قدمت محاضرة في المسجد بمناسبة غزوة بدر الكبرى، وطبقت عليها بعض المفاهيم العسكرية الحديثة التي درسناها، وكانت تذاع عبر المكبر خارج المسجد، فسمعها الكثير من الضباط العاملين وأعجبوا بها كثيرا، خاصة وأنني حاولت أن أضمنها الكثير من التوجيه المعنوي التربوي والسياسي الدعوي الذي كانت تسمح به الظروف يومئذ.

وقد ذكرت في بعض كتبي بأن محاولة التكيف مع الصحوة كانت عامة، وهو أثر من آثار الصحوة الروحية والأخلاقية والاجتماعية المباركة، التي لو استمرت بنفس الروحية والأخلاقية والمنهجية الدعوية المتوازنة، ولم تتعرض للعجلة والكسر والإجهاض من أطراف شتى، لتسارعت وتيرة التكيف معها من جل فئات المجتمع ونخبه المتنوعة، ولتحرك وضع مجتمعنا نحو المزيد من الانسجام والتكامل والفعالية والمناعة الثقافية والاجتماعية، ولكانت أوضاعنا أحسن بكثير مما هي عليه الآن.

وحتى لا يظن البعض بأنني أضرب الشيتة كما يقال! أقول بأن من كان يمكن أن أضرب له الشيتة قد مات، ولم أفعل ذلك وهو حي فكيف أفعله وهو ميت؟ فأنا ليس لي مصلحة أبتغيها منه رحمه الله أو من غيره، وإنما أقدم جزءا من شهادتي للعبرة.

كما أقول كذلك بأنني من الذين دفعوا ثمنا باهظا ككثير من الجزائريين الذين طحنتهم المحنة الوطنية الكبرى، وفقدت فيها زوجتي في ظرف مأساوي، رجعت فيه هي من ديار الغربة في تابوت لتدفن في الجزائر، وفرضت علي أنا محنة الغربة الإجبارية، واعتقلت في الجزائر واستجوبت عدة مرات، وحرمت من السفر، وسجنت في سوريا بطلب من النظام الجزائري ما يقرب من عام رأيت فيه العجب! حيث ما زلت لحد الآن عندما أشرب الماء أو أتناول الطعام، أو أرتدي الملابس، أو أجلس في مكان ما.. ينتابني أحيانا شعور مفاجئ بأنه مليئ بالقمل! لأنني احتجزت في مستودع القمل فترة طويلة! فانطبع في نفسي منظر القمل الرهيب الذي كان يستوطن في ملابسنا وأفرشتنا الوسخة المهترئة ويفرِّخ فيها، ويجتاح كل أرجاء المستودع أو المحشر الذي كنا محشورين فيه كالسردين، وننام أحيانا وأجسادنا ملتصقة ببعضها البعض، من شدة الزحام بحيث لو غير أحدنا وضعية نومه أو حتى رجله أو يده، فإنه لا يستطيع إرجاعها إلى مكانها مرة أخرى، لأن الحيز المكاني الضيق الذي كانت فيه قد شغل من رجل أو يد أخرى!!

ومع كلّ هذا الأذى الذي لحقني ولحق مئات الآلاف من الجزائريين من النّظام الذي انقلب على صحوة المجتمع الجزائري وأجهضها، وحرمه من بركاتها منذ 1992، وضرب بإرادة الشعب عرض الحائط، وكان المرحوم جزءا من هذا النّظام، فقد شعرت بأنه ينبغي علي أن أترحم عليه، وأدلي بهذه المعلومات البسيطة عن الفترة التي عشتها تحت قيادته رحمه الله تعالى، خاصة وأنه لم يكن من الضباط المتسللين، بل كان من جيل ثورة نوفمبر العظيمة، التي مهما فُعل بها فإن بعض بركاتها تبقى مستكنة في نفوس بعض من عاشوها بصدق، وتظهر في وقتها المناسب.

وإنني حزين من بعض أساليب التشهير والسب والقذف والتشويه التي يعتمدها بعض النّاس من الحراك ومن خصوم الحراك، ضدّ كلّ من يخالفهم الرأي، ونفسيتي لا تتحمل ذلك ولا تنسجم معه إطلاقاً، وكلّ إناء بما فيه ينضح، ولكلّ وجهة هو موليها، فاستبقوا الخيرات خير لكم وللحراك والمجتمع والدولة، واحذروا من سموم ومخاطر الأغراض والمصالح الخاصة، التي تعلو أحياناً على مصالح المجتمع والدولة والهبة الوطنية العظيمة، فإنّها قاتلة إن عاجلاً أم آجلاً، وكما يقال فإنمّا يتعثر من لم يخلص، وما كان لله دام واتصل، وما كان لغير الله انقطع وانفصل، فاعتبروا يا أولي الأبصار.

قال الله تعالى:{ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ}.

فاللهم أغفر له وتب عليه، وارحمه وسائر الذين خدموا المجتمع بإخلاص وتفان قدر ما استطاعوا، واجعلنا منهم، ولا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم.

اللهم ألف بين قلوب الجزائريين، واجمع شملهم، ووحد كلمتهم، وثبت على الحق أقدامهم، وألهمهم مراشد أمورهم، واختم بالباقيات الصالحات أعمالهم.

اللهم ألهم كلّ من بيده جزءا من المسؤولية في المجتمع والدولة والحراك، إلى تقدير عظمة وقيمة هذه الهبة الوطنية المباركة، وإلى العمل المخلص الصادق على تحقيق مطالبها المشروعة التي فيها خير الجميع، من الأجيال الحالية والأجيال القادمة، ولا تجعلنا اللهم من الذين يتسببون في خيانة وإجهاض وإهدار هذه الفرصة، بل وهذه المنة العظيمة التي مننت بها علينا، بعد أن كدنا نيأس من تغيير الوضع المهين الذي كنا عليه.

اللهم بارك لنا في هذه الهبة الوطنية العظيمة، ووفقنا للاستمرار بها، وحمايتها حتى تحقق أهدافها في تغيير جذري حقيقي، نقيم به دولة ونظاماً اجتماعياً وسياسياً متيناً، يقوم على الشفافية التامة، والرقابة الشاملة، والمحاسبة الصارمة، وتكافؤ الفرص بين جميع الجزائريين، والكفاءة العالية، والرسالية الصادقة التي تضع هذا البلد العظيم في مكانه اللائق به، في المحيط المغاربي والعربي والإسلامي والإفريقي والمتوسطي والدولي.

اللهم بارك في الحراكيين الذين يواصلون مسيرة الدفع به إلى تحقيق أهدافه السابقة، ويضحون من أجل ذلك بأوقاتهم وإمكاناتهم بل وبأرواحهم، واحفظهم واحمهم من كلّ مكروه، وجازهم عن الجزائر والإسلام والعدالة التي يريدون إقامتها في المجتمع، خير الجزاء في الدنيا والآخرة، إنك نعم المولى ونعم المجيب.

عن المحرر

شاهد أيضاً

حرية التعبير والإساءة والتجديف

أ. عبد القادر قلاتي / منذ سنوات قليلة صدر كتاب لمجموعة من الانثروبولوجيين الغربيين وعلى …