الرئيسية | قضايا و آراء | السعي للتقريب والوحدة شأن الأمة الراشدة/ أ/ آمنة فدالي

السعي للتقريب والوحدة شأن الأمة الراشدة/ أ/ آمنة فدالي

الاختلاف بين بني البشر ليس أمرا خارجا عن المشيئة الإلهية، إنما هو أمر يتفق مع سنن الله في خلقه، قال تعالى:{ وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ }[هود/118].

فلا ننطلق من ذاتية العقدة، بل نتحرك من منطق الرسالة والنظر بواقعية وحكمة وتبصر، إلى هذه المسألة الأمة، فالطريقة القرآنية تؤكد على الموقف المتوازن في أداء رسالتها الكبرى، رسالة التقريب والوحدة، والمتمثلة في صوت العقل والحكمة، باعتبارها السبيل الوحيد، الذي يضمن السير الطبيعي للقافلة نحو محطتها، فالتصلب في الرأي دائما مقترن بضآلة العلم، وسوء تقدير العواقب، أما فضيلة التسامح والمواقف المتوازنة، فقد كانت سنة العلماء والصلحاء المتضلعين، الذين يسعون دائما للتقريب بين وجهات النظر بالأسلوب العلمي الراقي، من خلال تتبع الخط الإسلامي في الأخلاقية الحوارية، لأن الله عز وجل جعل سننا لابد أن تمضي في كونه، قوله تعالى: {وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ…}[الإسراء/53]. فمعالجة الخلافات بالطرق الهادئة المتزنة، والسعي للتقريب والوحدة شأن الأمة الراشدة، فوحدتها يفرضها الدين، وتجبرها الظروف، فهو أصل وسبيل وحيد لعزها وبقائها، فوجوبها اليوم يتأكد. لقد دلت التجارب عدم الوحدة التي ليس لها تغلغل في عمق النفوس والقلوب، لا تكون قادرة على الصمود، خاصة وأننا لا نعيش وحدنا في عالم هادئ، بل نعيش مع عالم معقد ومضطرب، لا حياة فيه للضعفاء، فالعصر عصر التكتل لا مجال فيه للانطواء، فمن سبق فليحمد الله، ومن تخلف فلا يلومن إلا نفسه، فالوقوف عند نطاق الالتقاء ضرورة للاستمرار في التقريب، انطلاقا من مقولة:“رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب”. فالأمة إذا حافظت على وحدتها وكلمتها الطيبة الجامعة، كانت في الأرض كالشجرة الطيبة المباركة، وتظل في حالة نماء مستمر كل ما مر الزمان، فالتعاون أمر لا مفر منه لإبراز هذه الحقيقة، وإرسائها في الأذهان التي هي أصل وجوهر، من خلال التقارب، واستكمال بناء الإخاء بالسلوك الأخلاقي في حركة الحوار المباشر، الذي يغير الكثير من الأخطاء المتبادلة، ونبتعد عن المخاطبة من بعيد من خلفيات غير واقعية، واستنزاف لطاقات بعضنا البعض، تمزق شملنا، وتطمع أعداءنا، ما يترك فراغا لن نفلح في سده، فصدق النية وشرف المقصد أساس لعلاج الحاضر، وبناء المستقبل، من خلال مشروع حضاري للوحدة التي تجسد معنى الاستخلاف في الأرض، فكلما اجتمعت الأمة على الوحدة، وسعت للتقريب بين مكملاتها، ازداد بنيانها تماسكا، وصلح عملها، وحسن مقصدها من خلال:

– تحريك الأسلوب الحضاري في الاختلافات، وسيكشف أن هناك الكثير من الأوهام والفهوم الخاطئة، فيما اعتبروه من الحقائق في نظر بعضهم.

– سعة الصدر، وقوة الإدراك النظرة التسامحة البعيدة عن الأنانية، مفاهيم أساسية يقوم عليها المجتمع.

– شجب كل محاولة لشغل الأمة عن أداء رسالتها الكبرى، رسالة التقريب والوحدة.

– الفرد الصالح هو الذي يعيش لغاية، ويجتهد لهدف سام، ويسعى لمستقبل واعد، تستفيد منه أمته، كل هذا يذوب في سبيل النفع العام، ومعالم الكمال.

عن المحرر

شاهد أيضاً

حرية التعبير والإساءة والتجديف

أ. عبد القادر قلاتي / منذ سنوات قليلة صدر كتاب لمجموعة من الانثروبولوجيين الغربيين وعلى …