الرئيسية | في رحاب الشريعة | علاج الفتن السياسية وطريقة إخراج الأمة من الصراعات الخِلافية/ محمد مكركب

علاج الفتن السياسية وطريقة إخراج الأمة من الصراعات الخِلافية/ محمد مكركب

كيف عالج النبي صلى الله عليه وسلم المجتمع الإنساني وأخرجه من ظلمات الجاهلية، وأصلح أمر الأمة ونَقَّى الساحة الاجتماعية والسياسية والأخلاقية وطهرها من كل أنواع الفساد الأخلاقي والسياسي والاجتماعي؟. وعمل كل ذلك الإصلاح بالحكمة والرفق والرحمة؟. هذا سؤال كبير المقاصد، وعظيم الاهتمام.

وهذا السؤال الذي مقصوده البحث عن الحلول لكل مشاكل بني الإنسان، ولا يصعب أبدا عن منهاج العلاج الاجتماعي والاقتصادي والسياسي بالكتاب المبين، الذي أنزله الله تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين. لماذا نؤمن نظريا ولا نلتزم عمليا؟ ألم نؤمن بأن الله تعالى أرسل محمدا ﷺ، رحمة للعالمين؟ فأين وكيف تتجسد هذه الرحمة وهي حقيقة لاشك فيها، كيف نجسدها في مجتمعاتنا لإسعاد البشرية؟  فمن الأمور التي نصدق بها وهي من الحقائق الأصولية الثابتة:

1 ـ أن القرآن صالح ومصلح لكل زمان ومكان لمن آمن به واتبعه وعمل بأحكامه وحكمه واعتبر بقصصه، وتدبره بالسنة والفهم السليم دون ريب ولا تردد، ولا ينكر هذا الأصل الأصيل إلا فاقد العقل الخارج عن كل نطاق المنطق والسنن، ولكن كيف الحل؟ ﴿فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:43].

2 ـ أن القانون الذي يصلح لحياة البشر هو القانون الذي يقام بشريعة القرآن، وبدون رد حكم ولا خلق مما بينه النبي عليه الصلاة والسلام. والسؤال: هل القوانين التي تحكم الشعوب المسلمة محكومة بآيات الأحكام؟ فإن علاج الفتن السياسية، وإخراج الأمة من الصراعات الخلافية، وتنقية الأذهان من التعصبات والمذهبيات لا تحتاج إلى ألغاز سحرية، وإنما كما بينت في المقال السابق تحتاج فقط إلى حسن العمل بالآيات القرآنية، وهي موجودة، وإذن فالعلاج الناجع موجود. قال الله تعالى:﴿وَما ظَلَمَهُمُ اللهُ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾[النحل:33].

3 ـ لا يصلح آخر الأمة إلا بما صلح به أولها، ولا تتحقق العزة والكرامة للمسلمين إلا بدينهم واتحادهم ونصرة ربهم، وأول الأمة صلح بالقرآن الذي يعلم العلماء دلالاته السياسية والاجتماعية والاقتصادية. هل معنى هذا أن كل السياسات الفاشلة الماضية والحاضرة هي بسبب مخالفة هذه المعادلة؟ والجواب نعم، وألف نعم.

4 ـ ومن بين مقتضيات العلاج الفكري نذكر بأن المؤمنين إخوة والمسلم أخو المسلم، والمسلم أقرب إلى المسلم بالإيمان أكثر قربا من النسب بغير إيمان، وإذن وجب تنقية الأذهان من حساسيات وعصبيات وعنصريات الأهواء العرقية، فنسب كل الناس واحد:[كلكم لآدم وآدم من تراب] وانتماء كل المسلمين واحد:{هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ} والمصير واحد:{كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} [الأنبياء:35] فلا محل للانقسام المذهبي أو الحزبي أو الطائفي أو الفرقي، ولا مساغ لأهواء الخلافات والنزاعات الذين يحلو لهم التعصب والتمذهب ﴿وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً﴾ [النساء:115].

أولا: بداية العلاج بمعرفة الطريق: ويفهم الطريق من قول الله تعالى:﴿وَأَنَّ هَذَا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾[الأنعام:153] فالعلاج يبدأ بالعمل بالوصايا التسع السابقة، واجتناب كل ما يخالف شريعة الإسلام، حتى في الإيمان بدأ الله تعالى بذلك فقال:﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لَا انْفِصامَ لَها﴾[القرة:256] والطاغوت: هو الشيطان، ويطلق على كل من طغى واتبع الشيطان عن عمد وعناد. والعروة الوثقى هي الإيمان والإسلام، وكل إيمان وتصديق وعمل بمقتضى:(لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) فعلاج الفتن السياسية، وطريقة إخراج الأمة من الصراعات الخلافية، قلنا: تبدأ الخطوة الأولى من هنا، بأن نتفق نحن معشر المسلمين أننا مؤمنون وإذن نحرم ما حرم الله، ونحل ما أحل الله، ونعبد الله وحده لا شريك له بما شرع لنا في القرآن، وبما بينه الرسول في السنة. لقد قرأتم في حديث المبايعة:[بَايِعُونِي عَلَى أَنْ لاَ تُشْرِكُوا بِاللهِ شَيْئًا، وَلاَ تَسْرِقُوا، وَلاَ تَزْنُوا، وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُمْ، وَلاَ تَأْتُوا بِبُهْتَانٍ تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ، وَلاَ تَعْصُوا فِي مَعْرُوفٍ، فَمَنْ وَفى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا ثُمَّ سَتَرَهُ اللهُ فَهُوَ إِلَى اللهِ، إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ وَإِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ] (البخاري:18. والنسائي: 4210. والدارمي:2497. وأحمد، مسند الأنصار:23993).

ثانيا: تخليص النفس والمجتمع من أعمال الجاهلية. والله تعالى حذر من ذلك، حتى عصم نبيه عليه الصلاة والسلام بالكتاب والحكمة. قال الله تعالى:﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَما يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيماً﴾[النساء:113].

ومن التنبيهات هنا أن علاج الفتن والمشاكل الاجتماعية والسياسية يتم بفهم الحلول الشرعية العلمية عن طريق العلماء، وليس بعواطف العامة، ولا يتأثر المسلم العالم والحاكم، بإشاعات واقتراحات غير المسلمين. قال الله تعالى:﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام:116].

 ثالثا: استثمار القدرات الذاتية والحلول المحلية الوطنية، أي الثقة في النفس بروح التوكل على الله، فمن الفتن التي سقط فيها كثير من المسلمين أنهم لا يثقون في قدرات شعوبهم يحتقرون علماءهم وشبابهم ومثقفيهم، ويركنون إلى المستوردات من كل شيء، وهذا مرض عضال عانت وتعاني منه الشعوب العربية بالخصوص، ومن غرائب المتخلفين أنهم لا يستوردون ما يعجزون عنه فحسب، إنما يعملون جهدهم على أن يميتوا المبادرات المحلية ليستوردوا كل ما يستهلكون، حتى قطعة القماش التي يسترون بها عورتهم يستوردونها!!

فإلى متى يكتفي المسلمون ذاتيا بالتوكل على الله تعالى، واتباع الأسباب التي أعطاها الله عز وجل لنا، كما بينت هذا في أكثر من مقال. كيف بنى المسلمون دولتهم في المدينة النبوية؟ وكيف بنى الأندلسيون حضارة من بين أكبر الحضارات في تاريخ البشرية؟ بل كيف قامت أول دولة قوية وأول حضارة إنسانية؟ والآن الشعوب العربية بالخصوص غنية بالنظريات والفكر، وغنية بالشباب ففي هذه الشعوب أكبر رصيد شبابي في العالم، وغنية بثرواتها الطبيعية الفلاحية والبحرية والمائية قبل البترولية وسائر المعادن. وإذن فالعلاج في هذه النقطة يكمن في المسيرين وعلى رأسهم أصحاب القرار﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ * وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ * وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللهِ لَا تُحْصُوها إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم:32 ـ 34] ومازال السؤال البديهي يطرح نفسه على حكام الشعوب العربية المسلمة لماذا رفضوا التقدم عمدا ورضوا بالتخلف والمهانة قصدا؟ وهذا لأنه لو سألت عن إمكانات هذه الشعوب وهل في وسعها أن تحقق الاكتفاء الذاتي وترتقي إلى التصدير في كل الميادين في ظرف لا يزيد عن سبع سنين، فإنك لا تجد عاقلا يقول: لا تستطيع. وإنما يقول: فاسألوهم إن كانوا يعقلون، ومما عَطَّلُوه فَعُوقِبُوا بالهوان والحرمان، عطلوا الدينار الشرعي الذي هو أساس نماء الأموال، ورفعوا شأن الدولار وهذا من الجهل والعار، وعطلوا لغة القرآن وهجروها إلى غيرها فعوقبوا بالاستعمار الثقافي والغزو الفكري الأجنبي، وعطلوا مبادرات علمائهم ومفكريهم فعوقبوا بالتبعية لأعدائهم، وكثير منهم يأخذون الصفعات على أفواههم وأقفائهم.

عن المحرر

شاهد أيضاً

وثيقة الدستور وما يقتضيه التبيان في توثيق الأمور

الشيخ محمد مكركب أبران/ مما دأبت عليه المجتمعات وهو أساس، ومن ضروريات الحياة المجتمعية في …