الرئيسية | على بصيرة | أما بعد …!/ أ. د. عبد الرزاق قسوم

أما بعد …!/ أ. د. عبد الرزاق قسوم

اليوم، والجزائر تُخرج أثقالها، وترسم – بالحراك – أقوالها وأعمالها، وتنشر للمستقبل آمالها ومآلها.

اليوم، قد نطقت الصناديق، وطويت صفحات التحقيق والتعاليق، وتبين للجزائر من هو العدو؟ ومن هو الصديق؟

اليوم وقد أعلنت نتائج الانتخاب، وفاز من فاز، وخاب من خاب، وأسندت للمؤرخين عملية التقييم والتقويم للتجربة الانتخابية وما هو السلبي فيها، وما هو الإيجاب.

بعد كل هذا، تشرئب الأعناق، بكل تفاؤل وأمل، إلى عصر الإنعتاق، لترى ماذا يرسمه لنا الرئيس الجديد في الآفاق؛ إن باقة الوعود الزاهرة، التي نشرها الرئيس تبون في يوم أدائه لليمين الدستوري، قد عانقت كل المشاعر وبشرت بعهد الجزائر الزاهر.

أفلا يحق لنا في ضوء هذه المعطيات كلها، أن تخضع هذه ” الوعود الزاهرة”  للتأمل والتفكير، وتنظر مدى، إمكانية تنزيلها على ميدان التسيير والتعمير؟

إن الأمانة العلمية تقتضينا أن نسلم بمدى الإلمام بالقضايا الوطنية الشائكة التي عولجت في الخطاب الاستهلالي، بواقعية، وجرأة، ووطنية.

وتعليقا على محتوى الخطاب، يجب أن نقدم النصح للقادم الجديد إلى  القصر الرئاسي، لنقاسمه الرأي السياسي والدبلوماسي.

نقول للرئيس عبد المجيد تبون، بعد تجديد التهنئة له، باسم جمعية العلماء، أن الإرث الثقيل الذي ورثه من سلفه إرث تنوء بحمله الجبال.

وأولى العبر التي يجب أن يستخلصها الرئيس الجديد، ممن سبقه، أن يتأمل المصير الذي آل إليه سلفه، فيتمثل في ذلك بقول الشاعر أبي البركات البغدادي:

أوتيت مُلكا فلم تحسن سياسته

وكل من لا يسوس الملك يُخْلَعُه

الدرس الآخر الذي يجب استحضاره أيضا هو تخليص الشعب الجزائري من الاغتراب، والإنسلاب وإعادته إلى ذاته الحضارية المنهارة.

والأمثلة على تشويه الوجه الحضاري لشعبنا كثيرة لا تعد ولا تحصى ومنها:

  • الإعاقة التي يعاني منها المواطن في لسانه، وعنوانه، وبنيانه، وسلامة إيمانه وسيادة أوطانه.
  • المنظومة التربوية التي هي صانعة الأجيال ومحصنة النساء والرجال، إن هذه المنظومة يجب أن تصان من أن يضطلع بأدائها من لا يملك الشخصية النموذجية في العلم، والتربوية المثال، ففاقد الشيء لا يعطيه، وكما قال الإمام محمد البشير الإبراهيمي رحمه الله: “إن هذه الأمة قد ترضى بسوء التغذية ولكنها لن ترضى-أبدا- بقلة التربية”.
  • تقديس المبادئ، لا تفضيل الأشخاص فإسناد المسؤوليات، ينبغي أن تخضع لمعايير الكفاءة، والوطنية، والقيم الخلقية، حتى ولو كان ذلك مع من قد تختلف معه في بعض القناعات.
  • وحدة الوطن إقليميا وشعبيا، هي الخط الأحمر الذي لا يمكن التهاون مع المشككين فيه، أو العاملين على تقويضه.
  • إمكانية التسامح مع بعض المخطئين، من الطائشين أو المنفعلين غير المنتمين لأي تنظيم أو عمالة للأجنبيين.
  • صيانة الاقتصاد من الفساد، وحماية المنتوج الوطني من الكساد، بل يجب الضرب بيد من حديد، على كل من تسوّل له نفسه العبث بمقدرات الأمة، أو تعريض ثقتها لعديمي الهمة، سواء أكانوا في القاعدة أم في القمة.
  • الوفاء للثوابت الوطنية، التي وضعها أسلافنا العلماء، واستشهد من أجلها أبطالنا الشهداء، ويعمل على نشرها المصلحون الصلحاء.

نقول لرئيس الجزائر عبد المجيد تبون أن أمانة الحكم شاقة وثقيلة، ولا يمكن التغلب عليها إلا بالعاملين المخلصين، الذين لم يتلوثوا بوباء النفاق المشين، ولم يتلونوا – حسب المصلحة- مع المتلونين.

لذلك يجب اتخاذ الحيطة والحذر  في انتقاء البطانة الصالحة، التي تدل على الخير الوطني، وتحث عليه.

وفي هذا السياق، ينبغي إصلاح الأخطاء التاريخية في التعامل، وإعادة الحق المغتصب إلى ذويه، فالجميع يعلم أن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين على سبيل المثال وهي -بشهادة الجميع- أم الجمعيات في الجزائر، وخير جمعية أخرجت للناس كما شهد  المنصفون، أن هذه الجمعية، قد ظلمت في عنوان مقرها، وفي أوقاف مملكتها،  وفي التمييز الجائر بينها وبين مثيلاتها، في حرمانها من حقها في المال العام..  ولقد آن الأوان لأن تنصف هذه الجمعية بتحقيق العدل معها، وإشراكها في ما يتعلق بمصير الأمة، أسوة بباقي المؤسسات الوطنية ذات المنفعة العامة.

إنه الجزائر بمؤرخيها، ووطنيها، وعلمائها، وشهدائها، تقف في مفترق الطريق، لترى الخطوات الصائبة من الأعمال،  بعد الاستماع إلى الأصداء الثاقبة من الأقوال، فليسجل الرئيس، جميل الذكر في صفحات التاريخ.

إن السجل الذهبي للتاريخ  سيظل مفتوحا يحتوي ما يجود به المخلصون في هذا الوطن من الأعمال، وهم -الحمد لله- كثر. فبلد المليون من الشهداء، وبلد المليون من الحراكيين الصلحاء، قادر على أن ينتح الملايين من العقلاء، الحكماء، في السياسة والاقتصاد، والثقافة، فيعيد للجزائر مكانتها بين الأمم، ويبوئها الصدر الأعظم من النظم.

إننا بالرغم من التجارب المريرة التي عشناها والمحن الكثيرة التي عانيناها، سنظل متفائلين، بالمستقبل الأفضل للجزائر التي لن يخزيها الله أبدا.

فيا حكام البلاد الوافدين الميامين!  أذكروا يوم تغادرون فيه المسؤولية، هل ستستقبلون بنفس الحفاوة،  كما نتمنى لكم ذلك، أم على العكس من ذلك، بنظرات الشفقة، والمهانة، والانتقام، وهو ما لا نرضاه لكم.

فاعملوا على أن تكونوا من الفائزين في الامتحان الوطني، وفي الاختبار الإلهي،  وهو الفوز العظيم، ولمثل هذا فليعمل العاملون.

عن المحرر

شاهد أيضاً

نفحات وسبحات تونسية زيتونية/ أ. د. عبد الرزاق قسوم

أتيح لي أن أصلي الجمعة الماضية في جامع الزيتونة الأعظم بتونس، صحبة الشيخ نور الدين …