الرئيسية | وراء الأحداث | أم الجرائد العربية في الجزائر تحيي ذكراها الرابعة والثمانين/ عبد الحميد عبدوس

أم الجرائد العربية في الجزائر تحيي ذكراها الرابعة والثمانين/ عبد الحميد عبدوس

 تحل علينا يوم الجمعة المقبل( 27ديسمبر 2019) الذكرى الرابعة والثمانون لتأسيس جريدة (البصائر) لسان حال جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، عميدة الجرائد العربية في الجزائر.

كانت البصائر التي تأسست في يوم الجمعة فاتح شوال من عام 1354هـ  الموافق لـ 27 ديسمبر 1935م، هي الجريدة الرابعة في عداد الجرائد التي  أصدرتها جمعية العلماء منذ تأسيسها في 5 ماي 1931، فإدراكا من قيادة جمعية العلماء المسلمين لأهمية سلاح الإعلام كأداة استراتيجية فعالة في نشر الوعي الديني والوطني في أوساط الجزائريين، والتصدي للدعاية الاستعمارية الفرنسية وأساليبها الخبيثة في التضليل والتزييف، وقلب الحقائق ونشر سموم الغزو الفكري واللغوي والديني، وكذلك لمواجهة البدع والضلالات والأباطيل الدخيلة على العقيدة الدينية وإعادة الاعتبار للحقائق الإسلامية التي تعرضت للتشويه والتحريف من طرف المتعالمين من أدعياء التصوف من الطرقيين الخاضعين لنفوذ وأوامر إدارة الاحتلال الفرنسي، أصدرت جمعية العلماء في 3 أبريل 1933 جريدة (السُّنّة المحمّدية): وهي جريدة تثقيفية تربوية، وبعد ظهور الأثر الإيجابي لرسالة الجريدة في تهذيب أخلاق وأفكار قراء الجريدة تأسيا بسيرة وسنة قائد ومؤسس الأمة الإسلامية وأسوتها الحسنة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم سارعت الإدارة الفرنسية الغاشمة إلى توقيف الجريدة في 3 جويلية 1933، بعد صدور 13عددا منها.

لم تستسلم قيادة الجمعية للتعسف الاستعماري والقبول بالأمر الواقع والهروب من ميدان المواجهة الفكرية والإعلامية، أصدرت الجمعية جريدتها الثانية في 17 جويلية 1933  تحت عنوان(الشّريعة المطهّرة) ولم يكن حظها في الاستمرار والانتشار بأفضل من سابقتها (السّنّة المحمّدية)، فقد أوقفتها السّلطة الفرنسية الاستعمارية يوم 28 أغسطس 1933، أي بعدما صدر منها سبعة أعداد فقط .

استمر العزم والتصميم من طرف قيادة الجمعية على إسماع صوت الحق والتمسك وضمان منبر إعلامي حر للحركة الإصلاحية الجزائرية فأصدرت في 11 سبتمبر 1933  مجلة (الصّراط السّوي) ولكن تم توقيفها يوم 08 يناير 1934، بعد صدورها 17.

ولم تكتف الغدارة الاستعمارية بعمليات الغلق التعسفي لجرائد الجمعية، ولكنها قطعت الطريق أمام  الجمعية عبر إصدار تعليمة من طرف مدير الشؤون الأهلية في الجزائر جان ميرانت تمنع جمعية العلماء المسلمين الجزائريين من إصدار أية مطبوعة تعبر عن خطها الفكري الإصلاحي. لقد تولى جان ميرانت منصب مدير الشؤون الأهلية  في سنة 1920 واستمر في منصبه لمدة 15 سنة كاملة إلى سنة 1935، وفي عهده قام الحاكم العام للجزائر السيد كارد CARD بمحاولة تمزيق وحدة الصف في جمعية العلماء وتشجيع بعض العناصر الموالية للإدارة الفرنسية على إنشاء جمعية أخرى مضادة أطلق عليها اسم جمعية علماء السنة الجزائريين، وعندما فشلت هذه الجمعية في مهمتها تم حلها في نوفمبر1935.

وبعد مغادرة جانت ميرانت منصبه على رأس مديرية الشؤون الأهلية وتولي لويس ميو منصب مدير الشؤون الأهلية، قام في سنة 1935 باستقبال وفد من جمعية العلماء المسلمين بقيادة الشيخ عبد الحميد بن باديس وعضوية الشيخ الإبراهيمي والشيخ الطيب العقبي ومنحهم رخصة إصدار جريدة البصائر التي صدر عددها الأول في 27 ديسمبر 1935.

ورغم أن الأستاذ  لويس ميو كان معروفا بميوله الديمقراطية، فقد كان أستاذا في القانون وعميدا لكلية الحقوق في الجزائر قبل تسلم منصب مدير الشؤون الأهلية، فقد دبر في سنة 1936 مؤامرة اغتيال مفتي  الجزائر الشيخ كحول بن دالي، وألصق التهمة بجمعية العلماء المسلمين، وسجن بسبب ذلك الشيخ الطيب العقبي والسيد عباس التركي،  وبقي لويس ميو في إدارة الشؤون الأهلية في الجزائر من سنة 1935 إلى 1940.

كانت جريدة البصائر أشهر جرائد جمعية العلماء وأوسعها انتشارا وأعمقها تأثيرا، وأصبحت بعد صدور أعدادها الأولى صرحا إعلاميا مشعا داخل الجزائر وخارجها، واستبشر بها القراء الجزائريون المسلمون خيرا، وافتكت منزلة جليلة في نفوسهم، فلم تكن مجرد وسيلة إعلامية تنشر الأخبار وتقدم التحاليل والآراء وجواهر الشعر والحكمة وباقات من اللطائف والطرائف التي تمتع النفس وأرقى الذوق والوعي، ولكنها كانت إضافة إلى ذلك مدرسة للوعي الوطني والتنوير الديني وكان الجزائريون يعتبرون اقتناءها والاشتراك فيها وتوزيعها عملا وطنيا يساهم في تعبيد طريق استعادة السيادة الوطنية ومحاربة المشاريع الاستعمارية، ولا غرابة في ذلك حيث كان منبرا لعلماء أجلاء جمعوا بين غزارة العلم وصدق العمل والإخلاص لقضايا الشعب والوطن أمثال الشيوخ: عبد الحميد بن باديـس، ومحمد البشير الإبراهيمي،  والطيب العقبـي، والمبارك الميلــي والعربــي التبسي، ومحمد خير الدين، وأبو يعلى الزواوي، ومحمد العيد آل خليفة…وغيرهم من العلماء والأقلام الموهوبة.

صدرت إلى حد الآن(ديسمبر 2019) أربع سلاسل من جريدة البصائر، فسلسلتها الأولى صدرت من 1935 إلى سبتمبر1939(عشية الحرب العالمية الثانية)ـ صدرت في البداية في مدينة الجزائر حتى العدد 83،  تحت رئاسة الشيخ الطيب العقبي، ولما انسحب الشيخ العقبي من الهيئة المديرة للجمعية انتقلت الجريدة إلى قسنطينة تحت رئاسة الشيخ مبارك الميلي الذي أشرف على صدورها من العدد 84 إلى العدد 180.

أما السلسلة الثانية  فتواصل صدورها من جويلية 1947 إلى شهر أفريل 1956، وكانت تصدر من مدينة الجزائر، وكان رئيسها الإمام محمد البشير الإبراهيمي – قبل سفره إلى المشرق – ويشرف عليها إشرافا كاملا، يساعده كل من الشيوخ:  العربي التبسي، وحمزة بكوشة، وباعزيز بن عمر (الفتى الزواوي)، وأحمد سحنون.

وكانت السلسلة الثالثة أقصر فترات البصائر عمرا حيث صدرت في ظروف الأزمة الأمنية والسياسية التي خيمت على الجزائر بعد توقيف المسار الانتخابي، واستمر صدورها من أوت 1992 إلى ماي 1993 وكان يشرف عليها الشيخ أحمد حماني والشيخ عبد الرحمن شيبان، ومن أبرز كتابها الشيخ سليمان بشنون والشيخ علي مغربي ومولود طياب.

أما السلسلة الرابعة التي مازالت متواصلة إلى اليوم فهي أطول مراحل البصائر عمرا، صدر عددها الأول في 20 ماي 2000  الذكرى الخامسة والثلاثين لرحيل الرئيس الثاني لجمعية العلماء ورئيس تحرير البصائر العلامة محمد البشير الإبراهيمي، وقد أشرف عليها الشيخ عبد الرحمن شيبان من  ماي 2000 إلى أوت2011 تاريخ رحيله إلى دار البقاء، وكان رئيس تحريرها هو الدكتور عبد الرزاق قسوم وينوبه الأستاذ محمد الهادي الحسني، وكان مدير التحرير الأستاذ عبد الحميد عبدوس وسكرتير التحرير الدكتور محمد موسى بابا عمي، وتولى الإشراف التقني الأستاذ مصطفى كروش، ثم التحق بهيئة التحرير الدكتور محمد الدراجي، والدكتور عمار طالبي، والأستاذ التهامي مجوري، والشيخ كمال بوسنة، والأستاذ محمد العلمي السائحي، والدكتور حسن خليفة، والأستاذ حسن أكيلال، والأستاذ عبد الكريم ليشاني، والأستاذ عبد القادر قلاتي، والأستاذ نوفل عبدوس، وبإسهام كوكبة من العلماء والأكاديميين والإعلاميين،  وتولى الدكتور عبد الرزاق قسوم إدارة البصائر والإشراف المباشر عليها من سنة2011  إلى الآن، ومازالت البصائر تؤدي رسالتها في الإصلاح والبناء الحضاري باقتدار ووعي، وتواصل رغم الصعوبات المادية وشح المادة الإشهارية وصعوبات التوزيع، حمل المشعل في الدفاع عن قضايا الوطن وثوابت الأمة بأقلام جيل من الإعلاميين والكتاب والمثقفين يعتبرون خير خلف لخير سلف.

 

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

رغم حملات الرفض والحقد، جامع الجزائر الأعظم مشروع القرن الذي تجسد!

عبد الجميد عبدوس / منذ الإعلان عن فتح أظرفة عروض الشركات المتنافسة في مناقصة الفوز …