الرئيسية | قضايا و آراء | أي وجهة حضارية لشعوبنا الثائرة؟/ أ. أحمد سريرات

أي وجهة حضارية لشعوبنا الثائرة؟/ أ. أحمد سريرات

 نحن نعيش كمؤمنين مسارا قدريا يبدو من طبيعته أنه سيأخذنا إلى محطة تاريخية جديدة، تتحقق فيها إرادة الله في توجيهنا إلى دور حضاري معين بعد تيه شعوبنا الطويل والشاق.

وهذا الدور غير واضح المعالم في هذه المرحلة التاريخية بسبب تداخل نوعين من القدر في حياة شعوبنا وحتى في حياة الأفراد، ولا يمكن التمييز بينهما إلا بفهم طبيعة هذه المرحلة وطبيعة العصر. وهذا الفهم يمكن استخلاصه من خلال ما أطرحه من مقاربة جديدة تعين على القراءة الصحيحة لتطور الحضارة الإنسانية وفق مفهوم الجيو حضارة[1].

مفهوم الجيو حضارة

يستند هذا المفهوم الجديد على فرضية تنص على أنّ المنظومة العقائدية والفكرية والأخلاقية التي تُبنى بها أسس الحضارة، لابدّ أن تُحفّزها بيئة بخصائص جغرافية فريدة ومناسبة، حتى لا يتكرر النمط الحضاري القديم، ويبرز نمط متقدم ومبتدع، يسمح بتطور البشرية نحو حياة أفضل.

وهذه المنظومة لا تحملها إلا أمة مؤهلة للفعل الحضاري بفضل نشأتها وتهيئتها في تلك البيئة المتميزة، ومنها تظهر في فترة مناسبة من التاريخ، أجيال تكون جاهزة لتتويج وتنفيذ الخطة التي يقتضيها نشر تلك المنظومة العقائدية والفكرية والأخلاقية التي تربت عليها، وتقع على عاتق هذه الأجيال مسؤولية البناء الحضاري النموذجي، في بيئة تكون أكثر مُلاءمة في مستلزمات تجسيد المشروع الحضاري الجديد، بموارد بشرية وطبيعية وثروات ووسائل مناسبة. ولقد حدث هذا الأمر للأمة الأوروبية حين تفتق إبداعها الحضاري في أرض أمريكا الغنية والعذراء من كل مخلفات الحضارات البائدة.

أطلقت اسم “الرصيد الجيو حضاري” على هذه المنظومة الشاملة، وهو مصطلح جديد لا يماثل مصطلح “الجيوسياسة”، لأن مفهومه أوسع وأشمل ويتسع لمنطق أمة تتجاوز حدود الأوطان، بعكس مفهوم الجيوسياسة الذي يتعلق بمنطق الدولة القطرية ومحيطها الجيو استراتيجي.

لكن ينبغي التنبيه إلى أن التداول الحضاري بين الأمم وفق هذا المفهوم الجيو حضاري ليس أوانه الآن، لأن الأمة القائدة لقاطرة الحضارة الإنسانية هي في تصاعد، بالرغم من مظاهر الأزمات الحادة التي تعصف بأغلب الدول في مجالات الاقتصاد والاجتماع والثقافة. والحضارة الإنسانية ليست في حالة انسداد حضاري خانق يحتّم جاهزية بديل حضاري مغاير وقادر على تجاوز هذه الحالة إلى ما هو أفضل. أمّا هذه الأزمات فهي تمثل في حد ذاتها تحديات عميقة لصاحب الشأن الحضاري الحديث في العالم الغربي، لإثبات قدراته في قيادة الإنسانية نحو الرقي والرفاهية، وإلاّ اضطّر لتسليم مشعل القيادة لمن هو أجدر من الأمم الأخرى المتقدمة، والتي تحمل نفس الفلسفة التحررية ونفس الثقافة التي تستمد روحها من عقيدة الإيمان بالإنسان ككائن خارق يمكنه الاستغناء عن الله خالقه في نظر أصحاب هذه العقيدة.

للذين لا تثبطهم الأوضاع المزرية ولا تنال من عزيمتهم الرداءة، من النخبة المثقفة في بلادنا التائهة، أقول صبرا جميلا، فإن قدركم الحضاري أن تكونوا همزة وصل مبدعة بين عالم الغرب وعالم الشرق في التجارب الإنسانية وفي المعارف المختلف فيها في ميادين الثقافة والأدب والدين.

ولكن حتى لا يخطئنا التوفيق ولا نتخبط في متاهات الأحداث، علينا التفريق بين نوعين من القدر وهما: قدر متغير يخضع لإرادتنا ويتأثر بوساوس الشياطين، وقدر ثابت لا يمكن لأي إرادة أن تؤثر فيه، لأنه قدر الله العام المحتوم (المكتوب بالمفهوم الشعبي) الذي يحقق في الأخير إرادة الله في التغيير الحضاري المنتظر لشعوبنا الثائرة!

شعوبنا والقدر المتغير

يشكل صراع الإرادات البشرية ونتائجه معالم القدر المتغير لدى الشعوب المتحركة، فما يحدث من تحولات اجتماعية وسياسية في أوطاننا، إنما يعكس غلبة قوة حية في المجتمع على قوى أخرى مغلوبة.
وفي حالة شعوبنا الثائرة، المتغير في قدرها يعبر عنه الصراع الذي لم يحسم بعد، بين نظام يريد التمسك بالسلطة حفاظا على منطق الدولة وخوفا من المجهول والمتربصين بها، وبين المجتمع الغاضب الذي اجتمعت كلمة مكوناته المختلفة على التغيير الشامل والكامل لطبيعة النظام.

فالغلبة التي لم تحسم لأي طرف تفسر بأنها تصطدم بمنطق الثابت في القدر الرباني، الذي لم يدركه المتخاصمون، فمن وافق منهم هذا القدر كانت له الغلبة ولو بعد حين. فما هي إذن طبيعة هذا القدر الثابت؟

قدرنا الثابت في وجهتنا الحضارية

نحن المسلمين نمثل جزءا هاما في نسبة المؤمنين في العالم المعاصر، وقدر الله قد يعول علينا في قيادة مسار إحياء الإيمان في ثقافة العصر وحضارته وإعادة العلم إلى أحضان هذا الإيمان، ولكن قبل ذلك، لابد من تهيئة وتجديد في ثقافتنا السائدة منذ أمد طويل.

فتحرك شعوبنا وثورتهم على الحكام المفسدين في موجة ثانية حاسمة في إرادة التغيير، يؤشر إلى قرب انطلاق عملية ربانية لتغيير القيادات المفلسة بقيادات أخرى تكون أهلا لهذا الدور الحضاري المنتظر من المسلمين.

فقدرنا الثابت إذن يتمثل في مسار تهيئة البيئة الثقافية المناسبة، التي تجسدها قيادة مدركة لرهانات المرحلة الجديدة، وتكون قادرة على الاستثمار في تطور وعي شعوبها من أجل إرساء قواعد نهضة في إطار الحضارة المعاصرة، تقوم على الوفاء لعقيدة الإيمان الثابتة، وتهتدي برسالة الإسلام الإنسانية، وترسم الخطوات الأولى لعودة العلم إلى ساحة الإيمان.

وهذا لا يعني عودة الأنماط القديمة لتحقيق هذا التحول نحو الإيمان في مشاريعنا التنموية والثقافية في إطار أمة واحدة (نمط الخلافة الوهمية مثلا). ولكن يعني في نظري أن الدول المسلمة والشعوب المؤمنة ينبغي أن تنخرط في مسار الحضارة الإنسانية المعاصرة دون روح عدائية، وبطموح الإضافة التي تميزها والتي تظهر من خلال تنافسها في إبراز دور الإيمان الحضاري، من منطلق ثقافة كل شعب ورصيده الجيو حضاري الموروث. فالنموذج النهضوي الأجدر الذي سيستهوي الشعوب المستضعفة للتحرر من ظلم وقهر الأمم القوية، هو الذي سيشكل أول لبنة صلبة في بناء مشروع نموذج إنساني مؤمن، قد يرتقي في حين انتهاء أجل الأمة الغربية في قيادة الحضارة المعاصرة، إلى بديل حضاري ينقذ الإنسانية من أزماتها الخانقة التي تسببت فيها هذه الأمة بثقافتها الغريبة عن الإيمان.

الأمل المنشود

في هذه المرحلة الجديدة لا مكان للنخب التي تعاكس تيار القدر الثابت، لأنها ستتعب في مقاومته وستضيع وقتا ثمينا في التنصل من مسؤولية الاجتهاد في إبداع نموذج في التنمية من منطلق الإيمان. والأمل معقود على قدرة هذه الثورات الشعبية على التحلي بالصبر والحكمة ونبذ روح الإنتقام، والسعى في تكييف أهداف قدرها المتغير لتساير المسار العام للقدر الثابت، الذي يرمي إلى توحيد جهود المؤمنين حيثما كانوا، لتحقيق مشروع تحول غربة الإيمان في الحضارة الإنسانية إلى نور تهتدي به البشرية وتحاصر به فتن وخطط الشياطين التدميرية في الأرض.

 

Haut du formulaire

Bas du formulaire

 

[1]  طرحت هذا المفهوم لأول مرة ضمن كتابي “الجيو حضارة أو جغرافيا الأمم الحضارية” الصادر عن دار حبر في الجزائر في سنة 2014

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

سورة العهد الأسبوعي…(1) واصبر نفسك

مداني حديبي / سورة الكهف سماها شيوخ العلم بسورة العهد الأسبوعي لأنك تعاهد الله على …