الرئيسية | قضايا و آراء | تهوى ليلى وتنام الليل… لعمرك ذا فعل سمج ؟!/ أ مداني حديبي

تهوى ليلى وتنام الليل… لعمرك ذا فعل سمج ؟!/ أ مداني حديبي

 هزال الروح (3):

إلهي ماذا فقد من وجدك؟!

جاء في الرسالة القشيرية: “قولهم الحركة بركة” حركات الظواهر توجب بركات السرائر، وفي رسالة ولادة الحركات، فالحركات التي يأمر بها الشرع من صلاة وسعي إلى المسجد وحج تنعكس على دواخل النفس في صورة إيجابية وخواطر رحمانية وإبداعات ورؤى تخطيطية وعزمات جديدة متولدة من أثر الحركة الظاهرية لم تكن من قبل، وهذا المخزون القلبي يكون طاقة تشغيلية مرة أخرى لحركات ظاهرية، فتستمر المتوالية، لأن العكس صحيح أيضا فإن بركات القلوب تدفع الجوارح إلى حركة وعمل وموقف إيجابي، من هنا نبدأ:

قوة الصلة بالله والإقبال عليه، والانكسار بين يديه هو زاد الروح ودواؤها وغذاؤها وماؤها ورواؤها وسر بقائها ونمائها ونقائها وصفائها:

ومن العجب، والعجائب جمةٌ …

قرب الحبيب وما إليه وصول

كالعيس في البيداء يقتلها الظمأ… والماء فوق ظهورها محمول

يقول صاحب المدارج: في القلب شعث لا يلمه إلا الإقبال على الله، وفيه وحشة لا يزيلها إلا الأنس به في خلوته، وفيه حزن لا يذهبه إلا السرور بمعرفته، وصدق معاملته، وفيه قلق لا يسكنه إلا الاجتماع عليه، والفرار إليه، وفيه نيران حسرات لا يطفئها إلا الرضا بأمره ونهيه، وقضائه ومعانقة الصبر على ذلك إلى وقت لقائه، وفيه طلب شديد لا يقف دون أن يكون هو وحده مطلوبه، وفيه فاقة لا يسدها إلا محبته، والإنابة إليه، ودوام ذكره، وصدق الإخلاص له، ولو أعطي الدنيا وما فيها لم تسد تلك الفاقة منه أبدا…!

مشروع دورة روحية مركزة:

هذه مفردات دورة روحية متكاملة لعلاج هزال الروح وتجديد حياة القلب، وهي التي تمنحنا الحركة والبركة والحفظ والنصر والتمكين.

يقوم الإخوة والأخوات بتكثيف هذه الدورات وتكرارها -فرديا وجماعيا-على الأقل مرة في الشهر، وهي علاج حاسم ومجرب في علاج حالة الترهل ونفض غبار الفتور والسلبية:

أولا: صيام وإفطار جماعي، أهل المسجد أو الحي أو الجمعية:

ما رأيت أروع ولا أجمل ولا أنفع ولا أحلى من مشهد الصيام الجماعي، كيف ينقي القلوب ويزكيها ويسكب فيها الأنوار، ويجمعها على الحب والتناسق والتناغم، وما أسعد هذه الأرواح حين تفرح عند فطرها وتبتهج وتتلذذ بحلاوة ثوابها:{ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ}.

وما أغلى وأعلى وأشرف البيت الذي يستقبل الصائمين، فيزداد تألقا ونورا وبركة وضياء وحفظا، ويمنح أهله أجرا كبيرا لا يحصى ولا يعد، حتى أن اللقمة تصبح مثل جبل أحد في ميزان حسناته..!

ثانيا: قيام الليل: قد تغلب على الداعية كثرة الحركة وحل المشكلات ويغرق في بحر هموم الآخرين وينسى نفسه وينضب إيمانه وتهزل روحه دون أن يشعر وحينها تنطفئ حرقته وتبرد لوعته، كما ستكون ضعفا في تأثيره على غيره، وبهوتا لجاذبيته ولمعانه في عيون مدعويه، فليس هناك أنفع في جلاء قلبه وصقل روحه من الإكثار من ذكر الله ومناجاته في السحر حيث الصفاء التام وحيث التجلي الخاص، وقد كان السلف يعجبون من طالب علم لا يقوم الليل !!..

ولله در الداعية الهمام كيف يناديك ويشوقك إلى القيام بأسلوبه السهل الممتنع:

…آه أخي، إن موقفا واحدا من هذه المواقف أنفع للقلب وأفعل في النفس وأذكى للروح من ألف عظة قولية وألف رواية تمثيلية وألف محاضرة كلامية، وجرب ترى، ولأمر ما كان ذلك في لسان القرآن آية الإحسان:{ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُوا قَلِيلاً مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} ولأمر ما كان أجر هؤلاء سنيا:{ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} ألم يكن عملهم خفيا كذلك؟ وهل تصلح الخلوات في حضرة الرقباء؟ وهل يلذ لمحب في غير خلوة نجاء؟ وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان:

إذا كان حب الهائمين من الورى **

بليلى وسلمى يسلب اللب والعقـل

فماذا عسى أن يصنع الهائم الذي **

سرى قلبه شوقاً إلى العالم الأعلى

قال ابن القيم: أما السابقون المقربون فنستغفر الله الذي لا إله إلا هو من وصف حالهم وعدم الاتصاف به، بل ما شممنا له رائحة، ولكن محبة القوم تحمل على تعرف منزلتهم والعلم بها، وإن كانت النفوس متخلفة منقطعة عن اللحاق بهم…!:

يا مدعيا لطريقهم بادر…

فطريقك منعرج

تهوى ليلى وتنام الليل…

لعمرك ذا فعل سمج؟!

وعندها يحق لمن سمع بأخبار الواصلين إلى الحبيب وهو قاعد أن يبكي، ولمن سمع بأخبار الواصلين وهو متباعد أن يقلق..!

ثالثا: الذكر: من صفات المنافقين أنهم لا يذكرون الله إلا قليلا، وحتى نخرج من دائرتهم لابد أن نذكر الله كثيرا ونسبحه بكرة وأصيلا، وأن نواظب على هذه الأوراد:

– ورد المأثورات: صباح مساء..

– ورد الرعاية: أن تردد مع الجنيد قبيل النوم: الله شاهدي، الله ناظر إلي، الله معي.

المناجاة: ترنم مع ابن عطاء الله في مناجاته.. وإن كنت لا تحسن دندنته فدندن بلغتك التي تحسنها فلا شيء أفضل من الصدق واليقظة والحضور.

نوافل الصلاة: وهي تحمي وتحرس الفرائض وتجبر النقص، وتمنحك التوفيق في كل شأنك:”ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها..“.

–  مخاطبة الله بأفعالك كلها: يقول الأستاذ أديب الصانع: فإذا مشيت قل في نفسك مخاطبا ربك يا رب ها أنا أمشي بفضلك وبنعمتك وأنا أعرف أنك تراقبني..فإذا مررت بحجر ملق على الشارع قل يا رب انظر إلي كيف أميط الأذى عن الطريق امتثالا لسنة نبيك، فإذا مررت بقوم يعصون الله فانصحهم وعظهم وتزين لله بفعلك فإن هم آذوك فقل يا رب أنا قد تأذيت في سبيلك فاسترني واجبرني، وأعرف من النساء من تتزين لربها بعملها في البيت وهي تكنس أو تنظف، فكيف بطاعة زوجها وعبادة ربها؟!

وممن فهموا هذا المقصد شباب قد قرروا البناء..لم يتركوا دعوتهم بل أصروا عليها ولكنهم نظموا أوقاتهم لتستغرق تلك الخلوات والأذكار والقيام، فقلصوا اجتماعهم ليكون 45 دقيقة بدلا من 3 ساعات تضيع معظمها في قال وقيل، و45 دقيقة كافية جدا لأناس مرتبين منظمين يأتون قد كتبوا على الورق كل شيء، وبعدها يكون الاستغراق في تدبر القرآن والقيام..

رابعا: تلاوة القرآن:{ وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورا} من أغذية العبودية المركزة والفعالة والتي تؤثر تأثيرا عميقا وسريعا في علاج هزال الروح؛ تلاوة القرآن بتدبر وخشوع، بحيث تختمه في شهر حتى لا تكتب مع الغافلين.

والقرآن يؤثر حتى في الذين لم يدرسوا اللغة العربية فكيف بأهلها وحراسها؟! فهذا عالم الرياضيات الأمريكي جفري لانج في كتابه صراع من أجل التسليم للإيمان، عندما سئل كيف ألف قراءة القرآن الكريم باللغة العربية وهي غريبة تماماً بالنسبة له، قال:”ولماذا يرتاح الرضيع لصوت أمه، رغم أنه لا يفهمه، إن القرآن يعطيني الراحة والقوة في الأوقات الصعبة”.

خامسا: محاسبة النفس ومعاتبتها..:{ بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ } يجلس الإخوان بعد القيام في هدوء وسكينة، ويحاسب كل فرد نفسه على ما قدم وأخر، وليجب على أسئلة الدعاة بجد وصدق: اسأل نفسك:

أي همٍّ تحمل؟!

دنيا زائلة ومتاع فان؟!

وظيفة مغرية تمتص رحيق شبابك لتذبل بعدها زهرة حياتك؟!

امرأة تحبها ثم ينزل بكما الموت فتغادرها أو تغادرك؟!

أم أن همَّك جنةٌ أبدية عرضها السماوات والأرض، يفوز بأعلى درجاتها من بلغ أعلى درجات الإيمان في الدنيا، وهل أعلى من العمل أجيرا عند الله لتبليغ رسالته ونشر هدايته؟!

سادسا: عبودية التأمل والتفكر: مشاهدة شريط فيديو جماعة يتحدث عن عظمة الله والتفكر في الكون، أو محاضرة للعلامة النابلسي، أو عمر عبد الكافي..

سابعا: مدارس الموت، وحصار الأمل، وتلالنا الهامدة: فجدير بمن الموت مصرعه، والتراب مضجعه، والدود أنيسه، ومنكر ونكير جليسه..أن لا يكون له فكر إلا في الموت.. ولا استعداد إلا لأجله، وحقيق بأن يعد نفسه من الموتى ويراها في أصحاب القبور..

فتذكر الموت وزيارة القبور: ترقق القلوب وتزكي النفوس وتعجل بالتوبة وتدفع إلى المبادرة وعدم التسويف.

ثامنا: المكوث في المسجد: في ظلال حلقة ذكر أو تلاوة:”لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة” وخريج المسجد ما يكون عاقلا مترويا ربانيا متزنا فعالا إيجابيا، بل هو المتقدم الحادي،

والبعض منا قد هجر المساجد وصار لا يدخلها إلا في المكتوبات، ويخرج  منها على عجل، ثم أغراه الشيطان بعظم ما يصنع من عمل فكري، فتساهل في السنن والقيام ثم انتقل نقلة نوعية إلى تضييع الفجر فهو معذور قد حطمته الدعوة لدين الله فلا بأس أن يرتاح قليلا ودين الله مبني على الأولويات!!!.

تاسعا: زيارة المريض: ابن آدم مرضت فلم تزرني، قال كيف أزورك وأنت رب العالمين؟..قال:أما علمت أن عبدي فلان مرض..أما أنك لو زرته.. لوجدتني عنده؟!

تأمل في العبارة الأخيرة، وتذوق حلاوتها، وتلذذ بمشهد القرب وأنت تزور المريض المنكسر، فربك عند المنكسرة قلوبهم من أجله…!

عاشرا: مطالعة كتب الرقائق: فالدورات التدريبية والمهارات وعلم التخطيط والاستشراف والهندسة النفسية والتأثيرية ومطالعة كتب الفكر والوعي والإستراتيجية ضرورية ومهمة للدعاة والقادة والرواد، لكنها إن لم تمزج بقراءة كتب الرقائق والربانية؛ فإنها تنتج قلوبا قاسية وأرواحا هزيلة وألسنة حداد، فلابد أن نرقق القلوب ونسمو بالأرواح في ظلال المدارج والإحياء والحكم العطائية…

يا أحبابنا هذه عشرة كاملة لمن أراد أن يجدد قلبه ويعالج هزال روحه، ويبعث الحيوية والتدفق والبركة والنماء والفعالية في نفسه وجماعته…

وبالله التوفيق.

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

التضحيـــــة … قيمــــة ســـامــيـــة تكـــاد تنــحـســــر

عادل بن جغلولي */ التضحية مصدر ضحَّى يقال: ضحَّى بنفسه أو بعمله أو بماله: بذله …