الرئيسية | في رحاب الشريعة | هل حقا يسمعون؟!! لاتتعجب إنهم يُفتنون ولكن لايشعرون/ محمد مكركب

هل حقا يسمعون؟!! لاتتعجب إنهم يُفتنون ولكن لايشعرون/ محمد مكركب

عندما تراهم يتكلمون ويأكلون ويشربون وخاصة عندما ينامون تقول إنهم بشر يسمعون ويعقلون، غير أنك تراهم في صور شخصيات فلا غالبية النساء، كخديجة وأسماء وأم سلمة وبنت ملحان، وياليت النساء تعلمن من أخلاق نساء النبي عليه الصلاة والسلام، ورضي الله عنهن، ولاغالبية الرجال رجال، كالمهاجرين  الصابرين أو كمن تبوؤوا الدار والإيمان، وياليتهم اقتدوا بالمهاجرين والأنصار. ثم عندما تبحث عن حقيقة سلوكهم وأعمالهم، أو تسأل أين رجولتهم ومروءتهم، يطيش عقلك في متاهات التعجب والاستغراب، إذ ترى أحدهم كمجنون ظمآن خُدِعَ بالسراب، أو كمراهق أحمق شُدَّ فُؤَادُه بعشق الدنيا اللعوب التي عَاقِبَتُها الخرابُ والعذاب!! ولعلك تسأل من هم؟ هم كثير وتجدهم في كل زمان، هم الذين يعترفون بالخطأ ويصرون عليه، ويسمعون النصيحة ويقرون بصحتها ولا يعملون بها، ويعلمون أنهم متلبسون بسلوك غبائي صبياني يدمر شخصيتهم ومستقبل أبنائهم ومع ذلك يتمسكون به، بل وقد يتهمونك بأنك اعتديت عليهم بنصيحتك، عندما نصحتهم، وبينت لهم أن ما هم عليه يضرهم ولا ينفعهم، وباعترافهم، وتسأل بتعجب واستغراب، هل هم حقا يسمعون؟.. وعندما تعجبت من سلوكهم، قال محاوري: لاتتعجب إنهم يُفتنون ولكن لايشعرون. قلت ولكنهم أصناف كثيرة: من الشباب، ومن الأزواج، ومن الآباء، ومن الحكام، والموظفين، والتجار، وزعماء الأحزاب، وغيرهم كثير وكثير. وعندما تقرأ عن بعض النماذج ممن ذكرنا قد تتعجب أكثر. منهم، وذلك مثل الشاب المدخن المدمن على الشمة والتبغ ويكاد يسقط بين أذرع أخطبوط المخدرات، نقول له: إنك تضر نفسك بالتدخين، وأنك بممارستك هذا السلوك كأنما تنتحر، فلماذا تضر نفسك بمالك وبإرادتك؟ يجيبك نعم معك الحق، ولكن..! وتقول للمسئول الذي رخص لمن يفتح مصنعا لصناعة سجاير التبغ وطحين الشمة: ألم تعلم أن هذا مُضِرٌّ بالصحة وفيه إثم مبين؟ يجيبك نعم معك الحق ولكن..! وتقول له أي للمسئول عن ترخيصه لفتح مصنع الخمور وبيعها واستيرادها والسماح بتقديمها لغير المسلمين في بلد المسلمين؟ فيقول: هذه مسألة اقتصادية؟ وتسأله:هل يبنى الاقتصاد بالحرام وأنت مسلم؟ فلا يقول شيئا ولكنه مصر على بيع الحرام. والزوج الذي يطلق زوجته لأتفه الأسباب للمرة الأولى، ويُنصح ويُشَدَّدُ عليه في اللوم، ويوصى بكل التأكيدات بأن لايكرر كلمة الطلاق مرة أخرى، ويقول للناصح: هذا خطأ مني وقد أغْضَبَتْني و..و. ولا أزيد. ومرة أخرى يزيد الثانية والثالثة، ثم يأتيك باكيا نادما وهو يقول فهل من حل؟؟!  وتقول له: ألم تُنْصَح من قبل؟ فيجيبك نعم، نصحوني ولكن.!!. وذلك الأب الذي يشتري المرض السلوكي والانحراف النفسي بيده ويقدمه لأولاده، وتنصحه ويقول لك: نعم، صح، وسيلة شر وفساد، فيه إثم كبير وإثمه أكبر من نفعه بالنسبة للمراهقين والمراهقات، ولكن مع ذلك يشتريه ويقدمه لابنته أو لابنه وهو يضحك، وقد يقع نفس الولد والشاب في مصيبة بسببه، ويتذكر الأب النصيحة ولكن فات الأوان وانتصر شيطان الأنترنيت عبر الفضاء الأزرق. وتقول حتى للمتزوج الذي يظهر لك عاقلا ابن (فاميليا) وتحذره من الفيسبوك والهاتف الشيطاني ومع ذلك يتصل ويتعرف ويتكلم، إلى أن يسقط فيندم، ولكن هيهات فات الوقت وكل الأمل تحطم.!! كل ذلك بسبب التواصل الهاتفي المتطور؟ إن الهواتف الفايسبوكية خطر ومصيبة على المراهقين، والآباء هم المسئولون.  هذه السلوكات أقل ما يقال عنها أنها سلوكات البلهاء من الذين قالوا سمعنا وهم لايسمعون.

هناك سلوك آخر فاق هذا السلوك بلاهة وحماقة، إنه سلوك بعض المسيرين، من المسئولين  في المرافق العامة. يعلم الحكمة التي تقول: إن الوقاية خير من العلاج، أو على الأقل يسمع بها ويعترف بها وإن كان لايعلم حقيقتها وجوهرها، ثم هو يعلم  وجود أشياء فاسدة وأعمالا خاطئة، تضر بالمستقبل القريب والبعيد، وتسبب أضرارا ومصائب، ويستطيع إزالتها ودرءها ومع ذلك لايفعل، ويرى مسائل تقتضي عملا معينا إعدادا ضروريا للمستقبل وإن لم يتم إعدادها ستقع كوارث كبيرة، وتلحق أضرارا خطيرة بالمجتمع، ومع ذلك لايُعِدُّها ولا يصلحها وهي في استطاعته، يعلم أن طريقا أو حَيًّا معرضا للفيضان إن نزل مطر، لأنه بغير قنوات، وبغير بالوعات، وبغير تعبيد، ولا رص ولا تسديد. فإذا نزل المطر وحل الخطر رأيته يُعِدُّ لجنة التدخل الاستعجالي لإنقاذ بني الإنسان من أضرار الفيضان؟!! والمسئول نفسه يعلم وهو في فصل الشتاء أو هو في فصل الربيع أن الغابة الفلانية والمصنع والقرية والبساتين في حاجة إلى شق طرق تكون مانعة للنيران،  أو في حاجة إلى تعبيد طريق، أو جعل وقاية للمرافق، وال حافظة على السدود ومد قنوات المياه، ومع ذلك لايقوم بهذه الواجبات، وهو يستطيع فعلها وقاية وتحصينا ولكنه لايفعل؟ فإذا جاء الصيف واشتغلت النار ووقع الخراب بسبب  الإهمال، فلا تسمع إلا تأسفا كتأسف المراهقين، إنها فنون من اللامبالاة وفنون من سلوك تكريس اللاوعي في مجتمع المتخلفين من المسئولين النائمين.

هل حقا هم يسمعون؟!! لاتتعجب إنهم يُفتنون ولكن لايشعرون، إنهم يفتنون في كل عام مرات ومرات وفي حياتهم بعشرات المرات، ثم لايتوبون ولا هم يذكرون. وهذا من علامات تكريس التخلف، كما شاهد الناس حكاما تلعب بهم الدنيا ويجعلهم الله عبرة لمن يعتبر، ومع ذلك تجد حكاما آخرين يكررون نفس الدور ونفس السلوك ويقعون في نفس المحذور، وتدور الدائرة على من تدور على كل متهور مستبد مغرور، ثم لايتوبون ولا هم يذكرون.!! هل حقا هم يسمعون؟!! لاتتعجب إنهم يُفتنون ولكن لايشعرون.

ثم ألا تتعجب من ذلك الموظف الذي يخون في وظيفته إما أنه لايؤدي الأمانات إلى أهلها، أو أنه يدعي أنه مريض ولايذهب إلى العمل وهو ليس مريضا وإنما زور شهادة طبية، ليقضي مآرب له على حساب المصلحة العامة! أو يكون رئيس مصلحة أو رئيس بلدية أو رئيس لجنة تقنية أو فوقهما، لايوقع ملف مشروع لمقاول (مثلا) رغم تمام الوثائق، ويماطل في انتظار رشوة يأكلها سحتا كالجيفة، ويطعم أولاده من الحرام.! وقد يكون موظفا في الميناء ولكن يعرقل حتى لاتخرج السلع المستوردة والصادرة وقد يصيبها الفساد والتلف في الميناء، من أجل رشوة وسحت، ويكون عمله ذلك وصمة عار في جبين المؤسسة التي تَعْلَم تلك الممارسات الخاطئة من العراقيل والأباطيل وتسكت سكوت الظلم والظالمين.

والموظف الذي يعلم أنه يمارس عملا مخالفا للقانون، والعجب أنه قد يكون من رواد المساجد، وقد يكون من الصائمين والمزكين، ومع ذلك يتجاوز القانون والأدب والعرف وتبريراته ومعاذيره في أنه موظف وتملى عليه الأوامر وما عليه إلا التنفيذ؟! وتقول له أما سمعت أنه لاطاعة لمخلوق في معصية الخالق؟ يجيب، بأن الدنيا هكذا، ويضيف قائلا:  وهل أُضَحِّي بوظيفتي، والشاب الذي يغامر بطريقة (الحراقة) متعمدا، فإن مَرَّ بسلام وقليل ماهم، فإنه يفتخر، وربما صار أهله وذووه يمدحون فعله، لكن إذا غرق سمعتَ زملاءه وأهله يستغيثون ويقولون لكل الجهات أين أنتم أنقذوا ولدنا؟!!! وكان عليه أن يستشير  من يستغيث بهم قبل قيامه بالفعل، أما أنه يفعل سرا ما يشاء، ثم إن وقع له مكروه يلوم من يشاء؟!! فهذا هو العجب! وهذا هو الذي وضع السؤال من أجله. هل حقا هم يسمعون؟!! لاتتعجب إنهم يُفتنون ولكن لايشعرون. ألا تتعجب من مسئول في مستشفى الولادة في مدينة ما، في بلد ما، في أرض ما، يأتي زوج بزوجته في حالة الوضع ويقابله مسئول المستشفى بالرفض معللا ذلك بنقص الأطباء، أو بنقص الأسرة؟ أو الوسائل لاتكفي، أو الدواء منفي، أو الغرفة لاتفي، ظلمات بعضها فوق بعض، حتى لاتدري مع من تتعامل؟ وحتى إن استقبلوها، فبسوء العناية عذبوها، أو يضعون  مريضتين على سرير فردي واحد بشكل لايتصور.  ومرة قيل لمسئول عن هذه النقائص فكان جوابه أنه لم يعلم؟!! وفي المثل: {إن كنت لاتدري فتلك مصيبة، وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم}.

 

 

 

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

العــــام الهجــــري الجــــديــــد والـمسلمـــــون بيــــن التــقـليــد والتغــريـــد

الشيخ محمد مكركب أبران / الأصل في الذكريات والمحطات التاريخية، التزود بالعبرة الباعثة على التَّجَدُّد …