الرئيسية | على بصيرة | دروس وعِبَر من المبتدأ إلى الخبر/ أ. د. عبد الرزاق قسوم

دروس وعِبَر من المبتدأ إلى الخبر/ أ. د. عبد الرزاق قسوم

آمنت بالله، واستشعرت عظمته، في ما حدث وما يحدث في الجزائر، منذ بدء التغيير بالحراك، إلى مرحلة التسليم، بلا إدراك ولا عراك. فلئن انتهى عهد المعجزات مع خاتم الرسالات، فإن عهد الكرامات، والإبداعات لا يزال يجد له رواجا، باسم الدين تارة، وباسم السياسة احتجاجا واعوجاجا.

من هنا يحق لنا أن نخضع الفقرة الجزائرية الحالية، في جملتيها الأسمية والفعلية، معا، للتأمل والتحليل، لعلنا نظفر ببعض التعليل والتدليل للفعل واسم الفاعل، أو للمبتدإ والخبر، على أقل القليل.

فلطالما مَنَّى العقلاء أنفسهم بإمكانية فك أدغال الغابة، المتداعي بعد القضاء على رؤوس العصابة من الأفاعي، والثعالب، ومتواطئيهم من فصيلة الشركاء والقرابة.

لكن تجري الرياح بما لا تشتهي السفن.

فما كان حراكا سلميا، رائق الشعارات، يرفع مطالب الجماهير العميقة التطلعات، ويتوق إلى الغد الأفضل الصافي الأهداف والغايات، ها قد طاف عليه طائف أجنبي القناعات والإيديولوجيات فإذا هو يتنكر في جزء منه للثوابت، ويريد أن يقتلع الأصل وكل ما هو نابت.

أفلا يحق لنا بعد هذا الانتكاس، وما نكبنا به من مس من الوسواس الخناس أن نعيد النظر في ما كنا نعتبره الأساس، لدى معظم الناس، فنعمل على استخلاص الدرس والعبرة مما قد يأتي من مخاطر هذا المساس من طرف الجسّاس؟

نحن مدعوون- إذن- إلى تأمل أبعاد النكسات، واستخلاص الحلو والمر من الدروس والعبر.

وإن الشاشة التي سنعرض عليها فيلم الوقائع هي الاستحقاقات الرئاسية بمقدماتها ونتائجها فما هي أهم الدروس والعبر؟

  • إن الدرس الأول الممهد لكل النكسات يتمثل في انحسار المترشحين في خمسة أشخاص، ذلك أن الإمساك عن تزكية الكثير من المتقدمين للترشح، ممن حرموا من استمارات التزكية، من طرف أنصار الحراك أنفسهم، ومن طرف دعاة المعارضة، الذين دعوا إلى المقاطعة من أول يوم، كان ذلك بداية النكوص.
  • تجنيد دعاة المقاطعة لخلاياهم في الداخل والخارج، وانطواء الوطنيين، والإسلاميين والحراكيين المتأصلين، وانزوائهم، بزعم أن اللعبة باتت مكشوفة حتى قبل بدء الانتخابات، كل هذا درس يجب استخلاصه.
  • التقاء المخلصين من دعاة المقاطعة للانتخاب مع المتربصين بالجزائر سوءا، تحت عناوين مختلفة، وهو ما أدى إلى تحقيق رغبة الداعين إلى التدخل الأجنبي، في الشأن الجزائري.
  • تسلل الفتنة الكبرى الخطيرة إلى بعض أجزاء من وطننا العزيز، ممثلة في إخواننا القبائل الأشاوس، الذين لم يكتفوا بالمقاطعة استجابة لنداء الخارج، بل ذهبوا إلى أبعد من ذلك، بالإقدام على إحراق صناديق الإقتراع، ويا لها من أعمال خطيرة، دفع إليها بعض إخواننا الزواوة.

أقول هذا، وأنا أعرف الناس بالجوهر الزواوي سواء من الناحية الثقافية الإسلامية أو من الناحية الوطنية الجزائرية.

فالزواوة، بلد العلماء، والصلحاء، والشهداء وأكرم بعلماء، لا يزال يشع علمهم على العالم الإسلامي مثل علماء بجاية كالغبريني، والمشدالي، والفضيل الورتلاني، والعالم اللغوي صاحب الألفية النحوية ابن معطي الزواوي، والشيخ عبد الرحمن الثعالبي، والشيخ أبي يعلى الزواوي، وغيرهم.

أما من الناحية الوطنية الجهادية فأنا احتفظ بذكريات غالية عن قيادة الولاية الثالثة، وفي مقدمتها الرائد الشيخ محمد الطيب الصدّيقي نائب الكولونيل محمد ولد الحاج.

كان الشيخ محمد الطيب الصديقي يتصل بي بواسطة بناته أطال الله حياتهن وكنت أول من حظي بزيارة قيادة الولاية الثالثة، مباشرة بعد وقف القتال، وصحبني في هذه الزيارة المغفور له الصديق الشيخ صالح صالح، أحد معلمي مدرسة التهذيب الجزائرية.

إنني أهيب اليوم، بعلماء منطقة زواوة، ومجاهديها، وصالحيها، ومصلحيها، أن يتصدوا بحكمة، وتعقل إلى هذه الفتنة الهوجاء، التي يحاول البعض الزج بالمنطقة فيها، والتي إن لم يطفئها عقلاء القوم قد تؤدي إلى عواقب وخيمة يدفع ثمنها إخواننا المواطنون القبائل في مناطق شتى من الوطن الجزائري، تحت طائلة العصبية العمياء.

  • إن الذين دعوا إلى مقاطعة الانتخابات يتحملون مسؤولية ما آلت وما تؤول إليه الأمور من عنف لفظي ومادي ومن انقسام الصف الوطني، ومن التجرّؤ على ثوابت الوحدة الوطنية.

6- إن الدرس الأهم في كل هذا، هو أن الانتخابات بحملاتها، وحراكها، قد جرت في جو حضاري متميز، بحيث لم يسجل فيها أي تجاوز من جانب المترشحين، ولم ترق فيها قطرة دم واحدة من المواطنين، وهذا ما يمثل قمة الوعي والتحضر، الذي يسجل بمداد من الفخر في سجل التاريخي الجزائري.

إن هذه العوامل كلها مجتمعة أو متفرقة، هي التي أعادت إلى الواجهة عملية التصادم المعنوي بين المختلفين، وكنا ندعو إلى التسامح، وأدب الاختلاف، وعذر بعضنا للبعض فيما نختلف فيه حول الشأن الوطني المشترك.

” لقد آل الأمر في بعض الأحيان إلى التخوين، والتكفير والتسفيه، وكلها مصطلحات لم يكن لها وجود، إبان انطلاق الحراك السلمي الباديسي النوفمبري، الذي كان يرفع شعار الشعب والجيش خاوة خاوة “.

فهذه هي الانتخابات قد ولت بما فيها من سلبيات وإيجابيات، ونترك للمؤرخين استخلاص المزيد من الدروس والعبر لتفادي السلبيات منها في ما يستقبل من الأيام.

وما نؤكد عليه اليوم هو أن ما تقرره هذه الانتخابات من رئيس، نلقي عليه قولا ثقيلا، وعملا أثقل، ولئن كانت صناديق الاستحقاقات الرئاسية، على ما وصفت به من شفافية، وما أحيطت به من سرية، قد تفرز جملة أسمية أو فعلية غير مفيدة، فإن العبرة تتجلى في الوعي بهذه المسؤولية، ومحاولة النهوض بالجزائر من كبوتها، ولن يتأتى هذا إلا بمحاولة الاستعانة بالطيبين من كل أبناء الوطن، والنأي بالسياسة الرسمية عن كل ألوان الفتن والمحن.

” إن الوطن في أشد الحاجة إلى سواعد أبنائه المخلصين القادرين، حتى الذين ربما خالفوننا الرأي، وتقاطعوا معنا في طرق السعي، وإن هؤلاء يبقى لهم حق المواطنة، وذلك حق ثابت ومقدس من الضروري أن يتمتعوا به؛ داخل وطنهم وإن الوطن لغفور رحيم “.

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

الـمجد لله ثم الـمجد لـمن؟

أ.د. عبد الرزاق قسوم رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين /   شعار رفيع المبنى، قدستى …