الرئيسية | اتجاهات | الفوضى الخلاقة.. آخر سيناريو / أ. محمد الحسن أكيلال

الفوضى الخلاقة.. آخر سيناريو / أ. محمد الحسن أكيلال

“كيسنجر”.. المُنَظر الأول والأخير   

أخيرًا.. لم يجد بدا الرئيس الأمريكي “ترمب” من العودة إلى أوراق “أكبر حبر” للصهيونية العالمية، المفكر الكبير “هنري كيسنجر” الذي لم يكف يوما عن مناصرة الدولة الصهيونية في “تل أبيب”، فمنذ توليه حقيبة الخارجية الأمريكية، بل منذ توليه منصب رئيس مجلس الأمن القومي الأمريكي وهو يضع الخطة تلو الخطة والسيناريو تلو الآخر للتمكين لهذا الكيان الذي يعرف سلفا أنه لا يمكن أن يبقى في تلك الأرض دون إزالة صاحبها من الوجود، وهو يعرف أن صاحبها هذا ليس لوحده، بل له أشقاء كثيرون يسكنون الأراضي المجاورة، وإزالة الجميع يتطلب حروبا مدمرة عديدة أو حربا نووية تقضي على الأخضر واليابس، وفي ذلك خطر حتى على اليهود والصهاينة المستوطنين، لذلك لابد من حرب من نوع آخر هي الفوضى الخلاقة التي تبدأ بحرب محدودة جغرافيا وزمنيا ولكنها سيكملها العملاء من الشعوب نفسها بتدمير كل شيء فوق أراضيهم بما في ذلك دولهم وجيوشهم وكل مقومات حياتهم، وهذا ما حدث في العراق ويحدث الآن في سوريا ولبنان واليمن وليبيا.

الفوضى الخلاقة ليست نظرية جوفاء ككثير من النظريات، فهي صيغت صيغة متناسقة متكاملة، بل بنيت بناء قويا متينا على أسس صحيحة لا أثر لخطإ فيها ولا مجال للشك في أية لبنة من لبناتها أو عمود من أعمدتها فالأعمدة من أبناء الشعوب، معروفون في البداية بإخلاصهم وتفانيهم في خدمة شعوبهم، وشعوبهم تلك كانت تقدسهم ولا ترى في تصرفاتهم وممارساتهم إلاّ أنها في خدمتهم ولمصلحتهم، فاللبنات هي تلك الشعوب التي ألغت تفكيرها ورمت بعقولها إلى البحر ما دام هو الذي سيحمل إليها الأكل والثياب والعلاج وكل أدوات الحياة المعاصرة.

القدرات المحسوبة سلفا والتي لابد أن تقيّم وتصرف بالعملة الأمريكية وتخرج من البنوك الأمريكية كما قضت بذلك النظرية، فهم إذا لابد أن يصلوا يوما إلى نقطة تستدعي التفكير وإعمال العقل، والتفكير والعقل سيجعلهم يعرفون الحقيقة بأن أولئك الذين يقدسونهم أصبحوا لصوصا وعملاء للعدو شاءوا أم أبوا. لقد أصبحوا عملاء لتلبية حاجات ومتطلبات حياة شعوبهم،     إنها العولمة، جوهر النظام الرأسمالي العالمي المرتكز على أهم مبدإ من مبادئ اليهود، فاليهودي يربي ابنه منذ صغره على أن ما في جبيه وفي جيب صديقه له.

محور المقاومة أمام خطر

ما يجري في أقطار الشرق الأوسط المستهدفة منذ اتفاقية “كامب ديفيد” بين مصر وإسرائيل هو بمثابة تدمير شامل لهذه الأقطار بالنظر إلى التركيبة البشرية لشعوبها التي تتوزع على مجموعة من الطوائف أو المذاهب أو التيارات الدينية المختلفة، وفي بعض الأقطار تتواجد كل هذه الكيانات التي كانت لها جذور تاريخية ولكنها مورست عليها عملية استنبات صناعية مكثفة وتغذية بمواد عضوية هجينة صنعت خصيصا في المخابر الغربية.

على المقاومة والحال هذا اللجوء إلى توحيد الصفوف من جديد والاقتراب أكثر من هذه الجماهير التي دفعتها الحاجة إلى الانتفاضة وتجنيدها ضد العدو الحقيقي المتمثل في الصهيونية العالمية والامبريالية والنظام الرأسمالي المتوحش الذي سلب منها مقدراتها الاقتصادية والمالية بواسطة أولئك الذين كلفوا بالمهام، مهام ترويضهم وتدجينهم وتوجيههم الوجهة الخطأ المتمثلة في التنكر للصديق والحليف الطبيعي الموضوعي والصداقة والتحالف مع العدو السارق الحقيقي لها.

على المقاومة العودة إلى ينابيع الثورة الحقيقية الأصيلة التي كانت وستبقى هي الثورة الجزائرية، ثورة الفاتح من نوفمبر 1954التي اختارت مبادئها وخياراتها من تراكم تجارب كفاح شعبها منذ آلاف السنين ضد الغزاة والمحتلين.

إن ما يجري في الولايات المتحدة الأمريكية باعتبارها المتزعمة للنظام الرأسمالي حاليا هو العودة من جديد إلى الفكر الاستعماري القائم على احتلال أراضي الغير واستنزاف ثرواتها وموادها الأولية، فاستماتة الرئيس “ترمب” في الدفاع على الكيان الصهيوني ليس من باب الخرافات الإنجيلية المعمدانية أو التلمودية الصهيونية بقدر ما هي نابعة من حاجات الشركات المتعددة الجنسيات لمناطق نفوذ ومستعمرات أخرى تبقى دولة الكيان الصهيوني قاعدة استراتيجية أمامية لها، للوقوف في وجه المنافس القادم من الشرق بل والعدو الحقيقي لها من جميع النواحي الاقتصادية والتجارية والأمنية.

فالتيار الذي رشح “ترمب” للانتخابات وهو التيار اليميني المتطرف والشعبوي هو نفسه الذي بدأ يسيطر في كل الانتخابات الرئاسية أو التشريعية في أوروبا الرأسمالية، ولا داعي للتفكير الكثير لإيجاد العلاقة العضوية بين هذه التيارات والحركات اليمينية المتطرفة ومثيلتها في أمريكا من جهة وفي فلسطين المحتلة من جهة أخرى.

الاستعمار واحد، والنظام الرأسمالي الذي بدأ يعاني من الانهيار التدريجي منذ سبعينيات القرن الماضي لابد أن تتعاون كل قوى التحرر وكل شعوب العالم الثالث متحالفة مع النظامين الصيني والروسي للإجهاز عليه ومنح العالم نظاما دوليا جديدا أكثر عدلا وإنصافا وديمقراطية حقيقية في الأمم المتحدة.

عن المحرر

شاهد أيضاً

مصارحة أخوية

عبد العزيز كحيل / ما بال إخواننا في التيار الإسلامي لا يبصرون إلا ما يريدون …