الرئيسية | قضايا و آراء | الإسلام “العلماني” العلمانيون في فضائنا مسلمون لكن على طريقتهم الخاصة/ عبد العزيز كحيل

الإسلام “العلماني” العلمانيون في فضائنا مسلمون لكن على طريقتهم الخاصة/ عبد العزيز كحيل

 بداية القضية أنهم لا يأخذون تصوراتهم عن الله والكون والإنسان والحياة من التصوّر الإسلامي ولكن من الثقافة الغربية التي يعدونها هي وحدها الثقافة والعلم والمعرفة، وبما أن الدين في الغرب ظاهرة إنسانية يقوم الناس بتطويعها والتصرف فيها فهم لا يتناولون الإسلام إلا من هذا المنظور أي يقيسونه على المسيحية ويريدون له أن يتطور كما تطورت لينتهي إلى “العلمنة” و “الأنسنة”، لهذا نجدهم ينتقدون المتدينين والفقهاء والخطاب الديني من خارج الجسم المسلم، فهم لا يدخلون المساجد ليسمعوا خطابها ويختلطوا بروادها ويعيشوا أجواء الأخوة الإيمانية، ولا يناقشون المتدينين بل يتعالون عليهم، ولا يعترفون بعلم علماء الدين ويصمونهم بالجمود والتعصب بينما يرون في أنفسهم العظمة والكبرياء والهيبة، أي هم مصابون بآفات الصلف والغرور والكبْر، هذا ما يمنعهم ابتداء من أن يكونوا مثل باقي المسلمين، وهذا ما يُسلمهم حتما إلى موقف فكري أقرب إلى الجحود، وإلى موقف سلوكي كله اعتزال للمسلمين وتضايق من الإسلام الذي يعرفه الناس منذ 15 قرنا من الزمن.

يطالبون بتجديد الخطاب الديني بل بقراءة جديدة للإسلام فيها قطيعة مع جميع القراءات من داخل الكيان الإسلامي ليتوافق مع فلسفة الغرب ونظرته إلى الدين والإنسان أي حتى لا يبقى هناك دين أصلا إلا خيط رقيق واهٍ يسكن قلوب العجائز.. يتناولون الإسلام وكأنه موضوع فكري بحت ليس فيه مقدس ولا وحي، هو موضوع يصلح فقط للنقاش وخاصة للنقد اللاذع الذي لا يعترف بثوابت ولا محكمات، إنهم يريدون – كما قال الشيخ البوطي رحمه الله – “الجلوس على مائدة مستديرة يناقشون كلام الله وأحكامه وحلاله وحرامه”…أجل، يناقشون لأنهم بعيدون عن الالتزام به والامتثال لمقتضياته، مشكلتهم أنهم “مسلمون” لكن لا يوجد في أفئدتهم خشوع ولا خشية ولا محبة لله تعالى ولا توقير له ولرسوله وأوامره ونواهيه، لا يسلّمون أن الإسلام ليس عقلا فحسب بل هو عقل وقلب في تلازم حتمي، يرون الإسلام عملا وبناء وعمارة وسعيا من أجل الحياة الدنيا، وهذا صحيح لكنه قبل ذلك صلاة وعبادة وفرائض ونوافل وواجبات ومحرّمات…وهذا بيت القصيد: العلمانيون يتبرمون من هذا الإسلام الذي فيه تكاليف ومشقات وهم يريدونه كالمسيحية لا تكاليف فيها ولا مشقات، وهذه هي المشكلة: غياب الوازع الديني والإيماني من هذه القلوب “المسلمة”، فهؤلاء رغم إسلامهم ليس لديهم يقين، وهم بعيدون في حياتهم عن الله، لا صلاة لهم ولا ذكر ولا تلاوة…تماما كالمسيحيين، حتى لو كان لديهم يقين عقلي فإنه لا يكفي حتى تتوفر معه حرارة الإيمان كما هو معلوم من قطعيات القرآن والسنة.

وبسبب هذا الفصام النكد يرفضون وصف الإسلام بأنه نظام حياة ويفضلون – في أحسن الأحوال – وصفه بدين الحرية والعدالة والمساواة، وهذا صحيح لكنه قبل ذلك عقيدة راسخة وعبادة تستوعب العمر ووحي إلهي يذعن له الجميع، وهو نظام متكامل شامل لشؤون الدنيا والآخرة والروح والجسد والفرد والجماعة والأسرة والمجتمع والحرب والسلم.

بناء على هذا نتأكد من الفرق الهائل بين التجديد الذي يطالب به المتمسكون بدينهم وبين التبديل الذي هو باعة العلمانيين.

يزعم العلمانيون أنهم لا يناقشون الإسلاميين لأن هؤلاء متعصبون يرفضون النقاش والحوار، وهذا بهتان مبين، والمشكلة هي أن العلمانيين دأبوا على فرض قراءاتهم وآرائهم كأنها حقائق مسلّمة لأن المفكرين الغربيين انتهوا إليها، فإذا ردّ عليهم محاوروهم بأن هذه الآراء شيء آخر غير الإسلام الموجود في القرآن والسنة كثُر صراخهم واتهموهم بالتكفير…هذا ما حدث بالضبط مع محمد أركون في ملتقى الفكر الإسلامي بقسنطينة عام 1981- وكنت حاضرا- وشاع أن محمد الغزالي كفّره، والحقيقة أنه ردّ عليه بينما أركون يرى أن قراءته لا تقبل الرد.

 

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

حرية التعبير والإساءة والتجديف

أ. عبد القادر قلاتي / منذ سنوات قليلة صدر كتاب لمجموعة من الانثروبولوجيين الغربيين وعلى …